شريط الأخبار

جوع في مواجهة الركوع ... علي جرادات

10:14 - 09 حزيران / أكتوبر 2011

منذ نكبة الشعب العربي الفلسطيني بإقامة "إسرائيل"، عام ،1948 على أرضه، وعلى حساب حقوقه، اشتد الصراع، وأصبح السجن، (كما الاستشهاد والجرح والنفي)، مفردة ترافق الفلسطينيين كظلهم. وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن نحو 800000 من الفلسطينيين قد اعتقلوا لفترات متفاوتة، أي ما نسبته 25% من الفلسطينيين المقيمين في فلسطين، علاوة على الآلاف من المواطنين العرب. وتفيد إحصاءات مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، أن عدد الأسرى الفلسطينيين، (حتى بداية شهر تموز الماضي)، يقرب من (5550)، أسيراً وأسيرة، يتوزعون على 23 سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف وتحقيق.

واليوم تعود قضية معاناة الأسرى الفلسطينيين وبطولاتهم إلى الواجهة من جديد، بعد أن بادر مئات منهم منذ التاسع والعشرين من الشهر الماضي، إلى إشعال الشرارة الأولى لمعركة جديدة في مواجهة سياسة تصعيد القمع والتنكيل "الإسرائيلية"، وأعلنوا الإضراب المفتوح عن الطعام، ليحذو حذوهم سريعاً بقية الأسرى الفلسطينيين، بكل ألوان طيفهم السياسي، وفي جميع السجون والمعتقلات "الإسرائيلية"

لم يغب عن ذهن الأسرى الذين تقدموا الصفوف لفتح معركة جديدة من معارك الأمعاء الخاوية، أن خطوتهم تأتي في شرط وطني مجافٍ، يتمثل في الانعكاسات السلبية للانقسام الوطني الداخلي على وحدة الأسرى، مع ما ينطوي عليه ذلك من زيادة شهية "مديرية مصلحة السجون الإسرائيلية"، ومن خلفها حكومة نتنياهو- ليبرمان الفاشية العنصرية للتنكيل بهم . لكن هؤلاء الأسرى قرروا عدم الاستسلام لانعكاسات هذا الانقسام الوطني على واقعهم، بل قرروا المساهمة الإيجابية في الحد منها . ولعل هذا ما يفسر اختيار ما طرأ من تحسنٍ نسبي على الأجواء الوطنية الفلسطينية الداخلية بعد خطوة التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة، وما أحدثته من حراك شعبي يمثّل فرصة مناسبة لبدء خطوتهم النضالية، لا سيما أن المعركة باتت مفروضة، إذ لم يعد أمام الأسرى من مجال لتفاديها، في ظل تفاقم معاناتهم، بعد تعرضهم لحملة غير مسبوقة، من إجراءات القمع والتنكيل التي كانت قد باشرت تنفيذها “مديرية مصلحة السجون الإسرائيلية”، تنفيذاً لقرار سياسي صريح، كانت قد اتخذته الحكومة “الإسرائيلية”، وأعلنه رئيسها، نتنياهو، لوسائل الإعلام بتاريخ 25-6-،2011 بمناسبة مرور خمس سنوات على اختطاف الجندي “الإسرائيلي” غلعاد شاليت .

أجل، الأسرى الفلسطينيون، الصفحة المشرقة الثانية، بعد صفحة الشهداء، في النضال الوطني الفلسطيني، وكعادتهم دوماً، تقدموا الصفوف، رغم إدراكهم الشرط السياسي الوطني المجافي، بعد أن لم يعد بمقدورهم احتمال العيش في ظل ظروف حياتية تمس الكرامة، بالمعنيين الوطني والإنساني، فالإجراءات الجديدة والقاسية لحكومة نتنياهو- ليبرمان الفاشية لم يعد بالمقدور تحملها . فالكتب والصحف والعديد من محطات التلفاز أصبحت ممنوعة . والتعليم بمستوييه الثانوي والجامعي أصبح ممنوعاً . وزيارات الأهل جرى تقليص مدتها، بل، ويخرج الأسير إليها مقيد الأيدي والأرجل، فضلاً عن حرمان الكثيرين منها . والرعاية الصحية زاد تغييبها والإهمال فيها . والعقوبات والغرامات المالية زادت وباتت تُفْرضُ لأتفه الأسباب . ومدة النزهه اليومية، (الفورة)، تم تقليص مدتها . والتحويلات المالية تم منعها . والتفتيشات التخريبية لمقتنيات الأسرى زادت، وأصبحت عادة يومية يتسلى بها حراس السجن . والمداهمات الليلية المرعبة لأقسام الأسرى وغرفهم وزنازينهم، مع ما يرافقها من اعتداءات وتعرية جسدية مهينة، زادت بصورة غير مسبوقة . والاعتداء النفسي والجسدي على الأسرى أثناء النقلِ للمحاكم ولسجون أخرى، أصبحت ممارسة يومية . وسياسة العزل الانفرادي، (بل الموت البطيء)، في زنازين ضيقة، زادت حدتها، لتشمل عشرات الأسرى . و . . إلخ، من إجراءات التنكيل والقمع الأخرى، التي لا يعرف مدى ما تسببه من أذى للأسير، إلا من عاش تجربة التعرض لها .

لقد أدرك الأسرى الفلسطينيون أن الطابع الشامل والحاد وغير المسبوق لهجمة حكومة نتنياهو- ليبرمان على مكتسباتهم وإنجازاتهم النضالية، قد تجاوزت هدفها المُعْلن، أي الضغط لتحسين شروط صفقة تبادل الأسرى، وأنها، إنما تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة، وإعادة شروط اعتقالهم عقوداً للوراء، من خلال سحبِ مكتسبات نضالاتهم المديدة التي شكل خوضُ العشرات من معارك الإضراب المفتوح والجزئي عن الطعام عنوانها الأبرز، علماً أن تلك النضالات أسفرت فيما أسفرت، وفقاً لمعطيات وزارة شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الفلسطينية، عن استشهاد 187 أسيراً منذ العام ،1967 مع عدم نسيان أن هذا الرقم لا يشمل نحو 50 شهيداً جرى إعدامهم ميدانياً بعد إلقاء القبض عليهم خلال سنوات انتفاضة الأقصى، (2000-2004) .

إن الأسرى الفلسطينيين بخطوتهم النضالية الجديدة، لا يدافعون عن مكتسبات نضالاتهم المديدة فقط، بل، ويكشفون مجدداً أن “مديرية مصلحة السجون الإسرائيلية”، الذراع التنفيذية لسياسة القمع الرسمية “الإسرائيلية”، لا تفهم لغة الحوار الذي أداروه بصبرٍ على مدار ثلاثة شهور، من دون أن يفضي إلى نتيجة . هنا لم يعد أمام هؤلاء الأسرى من خيار سوى خيار التحدي والنضال في إطار شعارهم الأثير: “نعم، وألف نعم، لآلام الجوع، ولا، وألف لا، لآلام الركوع”، مع إدراكهم الأكيد أن معركتهم شاقة وقاسية، بل، وتنطوي على احتمال استشهاد عدد منهم، لكنهم لم يترددوا في خوضها، من على قاعدة أن الدفاع عن الكرامة الوطنية والإنسانية لا يمكن أن تقف في وجهه الحسابات النظرية التي تتراجع إلى الخلف، وتتقدم عليها إرادة الاقتحام وتحدي الصعاب، مدركين أن شعبهم لن يتخلى عنهم، فهم الرمز الثاني، بعد الشهداء، لقضيته ونضاله الوطني التحرري المديد، بل، ومدركين أن أحرار أمتهم العربية لن يتركوهم وحدهم، وهذا حال أحرار العالم، وكل صاحب ضمير حي فيه . وبإيجاز، مرة أخرى يقتحم أسرى الحرية في فلسطين عنان السماء، وأعتقد أن إسنادهم والتضامن معهم ليس واجباً وطنياً لكل فلسطيني فحسب، بل، هو واجب قومي لكل عربي، وواجب إنساني لكل حرٍ في العالم، أيضاً، كل من موقعه، وبما يستطيع.

انشر عبر