شريط الأخبار

وطن غير معروض للبيع .. محمد خالد

11:45 - 02 تموز / أكتوبر 2011

مع أصوات المآذن وأجراس الكنائس وكبرياء شاعر العربية العظيم المتنبي:

(أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعت كلماتي من به صممُ)

للمرة الألف نقول لمن في آذانهم صمم: أمريكا ليست وسيطاً، أمريكا عدو، وعدو خطر، نوجه هذا الكلام إلى خريف المسؤولين العرب وربيع الشعب العربي ونطالبهم بأخذ نصيحة هنري كيسنجر على محمل الجد: “إنه لأمر خطر أن تكون عدواً لأمريكا، ولكنه أمر قاتل أن تكون صديقاً لها”، عليكم أن تختاروا أهون الشرين فتكونوا أعداء أمريكا لا أصدقاءها .

نطرح ثلاثة آراء أمريكية بحتة تتعلق بالصراع العربي  الصهيوني:

* الأول: الصحافي الأمريكي تشارلي ريس يقول: لن ينال الفلسطينيون استقلالهم قبل أن ينال الأمريكيون استقلالهم .

* الثاني: الكاتب اليهودي نعوم تشومسكي: حل الصراع في الشرق الأوسط يكون بوجود هيئة دولية نزيهة تحكم بين طرفين: أمريكا و”إسرائيل” في طرف، وبقية العالم في طرف آخر .

* الثالث: كبيرة صحافيي البيت الأبيض هيلين توماس: حل الصراع العربي  “الإسرائيلي” بسيط وهين هو عودة اليهود من فلسطين إلى بلادهم الأصلية .

هذه الآراء تشير بوضوح إلى سهولة الحل وصعوبته البالغة في الوقت نفسه .

وسطاء غير محايدين

قدر الأمة العربية أن تصارع أعتى قوتين في العالم: أمريكا والصهيونية العالمية، وذلك على أرض فلسطين العربية بمشروع استعماري اسمه “إسرائيل” كهراوة غليظة لمنع تقدم العرب وتوحيدهم وإبقائهم ضعفاء مسلوبي الإرادة والسيطرة على نفطهم ومواردهم ومركزهم الاستراتيجي . ولقد أرسل الغرب نذلين دوليين (دنيس روس وتوني بلير) وسيطين ليكوديين لاستنزاف المفاوض الفلسطيني وإذلاله .

أمريكا تحتقر حلفاءها، وتحترم من يؤذيها، وتقبّل يد من يصفع في وجهها، والأخيرة محجوزة ل”إسرائيل” فقط .

أما “إسرائيل” فكما وصفها المؤرخ “إسرائيل شاماك”: “السياسيون يشبهون نوعين من الكلاب: الأول الذي ينبح ولا يعض وهو الليكود، والثاني الذي يهز ذيله لك ثم يعضك وهو حزب العمل” .

من المؤسف أن سذاجة العرب السياسية لاتزال تستقبل هذين النذلين بالبساط الأحمر بدلاً من الحذاء العراقي الذي استقبل به رئيسهما جورج بوش الابن في بغداد .

هناك مسطرة لقياس قامة الشعوب والأوطان والدول تقول: “نحن صغار بحجم الخوف الذي نعيشه، وكبار بحجم العدو الذي نختاره” . لقد سقط الخوف وأصبحنا كباراً بحجم العدوين الأمريكي والصهيوني، ومتواطئ ضد فلسطين كل من يعتقد للحظة أن أمريكا وسيط فقط وليست عدواً . إن الوسيط بيننا وبين هذين العدوين هو المقاومة العربية الشاملة بمنظور استراتيجي طويل الأمد .

خطأ استراتيجي وخطيئة تاريخية

بعد ضياع 20 سنة من المفاوضات البائسة تراجع النضال الفلسطيني خطوتين إلى الوراء: تراجع فتح في الضفة الغربية من المقاومة إلى المفاوضات، وتراجع حماس في غزة من الكفاح المسلح إلى “الكلام” المسلح، وكانت هذه هي النتيجة الحتمية لارتكاب خطأين فادحين:

الخطأ الاستراتيجي بالإقدام على الخطوة الثانية قبل الخطوة الأولى، فجميع حركات التحرر الوطني حررت ثم حكمت، في فلسطين جلست القيادتان في الضفة وغزة على كرسي الحكم أولاً من أجل أن تحررا الوطن ثانياً .

الخطيئة التاريخية: هو الإقرار بالحق المشروع للغزاة المحتلين ب 78 في المئة من الوطن الفلسطيني والقبول بحصة 22 في المئة فقط من كامل التراب الوطني .

نختلف مع حماس في الكثير الكثير من أدائهم وتوجهاتهم، ولكننا نقف معهم ونحثهم بعنف ألا يعترفوا ب”إسرائيل” مهما كان الثمن لأنهم سيسقطون إلى الهاوية إذا تجاوزوا ذلك الخط الأحمر.

عن اليهود يقول جورج واشنطن أول رئيس للولايات الأمريكية المتحدة: “من المؤسف أن الدولة الأمريكية لم تُطَهرْ أراضيها من هذه الحشرات رغم معرفتها بحقيقتهم” .

إن مهمة العرب أصعب بكثير، هي أن نُطَهر أرض وطننا من هذه الحشرات الأمريكية والصهيونية معاً، لأننا نعرف حقيقتهم جيداً جداً .

* الذهاب إلى الأمم المتحدة

الموقف من الذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على دولة ينقسم إلى أربعة:

أغلبية ترى أن الذهاب مفيد في ظل ميزان قوى مختل لمصلحة العدو، إنه مطلب الحد الأقصى حالياً للمحبطين والمتعبين، لقد صفّق العالم كثيراً لفلسطين، وفي الوقت نفسه صفقوا لكلمة “لا” الشجاعة في وجه أمريكا . يقول سارتر: “الحرية هي القدرة على قول كلمة: لا” . ولقد قيلت حرة وجريئة .

موقف يرى أنه كان من الأجدى أن يُطالَب بتطبيق قرار التقسيم عام 1947 حيث أقر العالم قيام دولتين يحصل فيه الفلسطينيون على 46 في المئة من الأرض بدلاً من 22 في المئة، إنه مطلب الحد الأقصى للحالمين في عز الظهيرة .

موقف يرى أن يكون الطرح المطالبة بدولة ديمقراطية واحدة لشعبين، إنه مطلب الحد الأقصى للبراليين عرباً ويهوداً .

الموقف الرابع، هو ليس موقفاً بل برنامج عمل للمستقبل، لأنه برنامج قلة تغرد خارج السرب ولديه قناعة لا تلين بأن مشروع المستقبل القادم هو تحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر وهزيمة المشروع الصهيوني واقتلاعه من الجذور . إنه الموقف الأقل قبولاً حيث يجابه بالهزء والسخرية كمشروع طوبادي غير واقعي .

فلسطين لن تحرر بالحبر على الورق، بل بالدم على الأرض، وأيضاً وللمرة الألف نقول: “إن من يتنازل عن جزء من وطنه لا يستحق الجزء الآخر” .

ومن يرض بخُمس وطن فمعناه أنه قام بخُمس ثورة . . تذكروا أن خُمس ثورة لا تحرر وطناً.

انشر عبر