شريط الأخبار

تركيا والدور الإقليمي المتعاظم .. غسان العزي

04:44 - 01 حزيران / أكتوبر 2011

منذ ستينات القرن الماضي تطلعت تركيا للانضمام إلى المجموعة الأوروبية، وكانت وقتها أمة إسلامية لكنها علمانية قريبة من الغرب ليس فقط بحكم انتمائها إلى الحلف الأطلسي، ولكن بحكم خياراتها الاستراتيجية العميقة . وبعد تأسيس الاتحاد الأوروبي بديلاً من المجموعة الاقتصادية الأوروبية، جدّدت تركيا طلبها الذي لاقى قبولاً مبدئياً لدراسته واتخاذ القرار بصدده . إلا أن الأوروبيين لم يملوا من فرض الشروط تلو الشروط المتنافية عموماً مع الثقافة ونمط العيش التركيين، من أجل قبولها عضواً في الاتحاد .

واضطرت تركيا مرغمة على قبول الكثير من الشروط، الأمر الذي أدى إلى أزمات داخلية وصراعات حزبية وغيرها . ولم يبد الأوروبيون عموماً رفضاً أو قبولاً علنياً لانضمام تركيا إلى اتحادهم، لكن جاك شيراك وغيرهارد شرودر ربطا موافقتهما بإجراء استفتاء شعبي في أوروبا، وهو استفتاء نتيجته معروفة في ظل انتشار اليمين الشوفيني المتعصّب . وحين وصل ساركوزي إلى السلطة في فرنسا أعلن صراحة عن عدم تأييده لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مع الموافقة على إقامة علاقات جد مميزة معها .

بالطبع أثارت هذه المماطلة الأوروبية حفيظة الأتراك، لاسيما “حزب العدالة والتنمية” الذي يمتلك رؤية خاصة للدور التركي ولموقع بلاده في الخريطة الدولية . وصل هذا الحزب إلى السلطة مع استراتيجية جديدة تتضمن “تصفير” المشكلات مع الجيران، وعودة تركيا إلى منطقتها الأساسية، حيث التاريخ والدين والثقافة والمصالح المشتركة  . وبدأ العمل على صياغة منطقة تبادل حر إسلامية تسهم في فتح أسواق جديدة للصناعات التركية الصاعدة .

وعرف الأتراك أن ثمة باباً عريضاً للنفاذ إلى قلوب الشعوب العربية هو الموقف من القضية المركزية فلسطين . وقد أصابت رؤيتهم الهدف، فبعد الموقف الشهير الذي اتخذه رئيس الوزراء أردوغان في قمة دافوس حيال الرئيس “الإسرائيلي” بيريز، في بداية العام ،2009 بدأت أسهمه بالارتفاع ليس في فلسطين وحدها بل في العالم العربي عموماً . ثم جاءت قضية السفينة التركية “مرمرة”، في العام المنصرم لتزيد شعبية أردوغان ارتفاعاً . وبمعزل عما إذا كان موقف الرجل ناجم عن حسابات، أو أنه انعكاس لمبادئ وقناعات، فإن السياسة التركية إزاء “إسرائيل” تسهم في توكيد مواقع تركيا الجديدة في العالم العربي . ثم جاءت الثورات العربية التي وقفت فيها تركيا إلى جانب الشعوب العربية الثائرة وليس الأنظمة، رغم علاقاتها السابقة الجيدة بها، لتحوّل أردوغانَ “ملكاً” للشارع العربي بعد الشارع التركي، كما أظهرت نتائج الانتخابات الاشتراعية التركية في يونيو/ حزيران الماضي .

لكن يلاحظ المرء أنه في الآونة الأخيرة تبدو أنقرة وكأنها انتقلت من سياسة “تصفير” المشكلات مع الجيران، إلى سياسة حافة الهاوية في كل سياساتها الخارجية تقريباً . فمع “إسرائيل” يبدو أن الأمور تسير حثيثاً على طريق القطيعة بعد تعليق كل الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية وغيرها، بل إن التوتر وصل إلى حد تهديد أردوغان بإرسال الأسطول الحربي التركي لحماية سفن تخترق الحصار على غزة . وبمناسبة قرار قبرص التنقيب عن النفط في المتوسط، هدد بإرسال الأسطول نفسه لحماية التنقيب التركي عن النفط هناك والذي هو من حق قبرص التركية . والأخطر من ذلك أنه هدد، على لسان نائبه بشير أتالاي، بتجميد كل العلاقات القائمة مع الاتحاد الأوروبي إذا لم يتم التوصل إلى حل للمسألة القبرصية في غضون نهاية العام الجاري، وإذا تولت قبرص اليونانية الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي كما هو مقرر في يوليو/ تموز المقبل .

هكذا انتقلت أنقرة من استجداء مقعدها في الاتحاد الأوروبي إلى تهديد هذا الأخير بالقطيعة معه . وانتقلت من التحالف مع “إسرائيل” إلى معاداتها عملياً، ومن الدبلوماسية التي طال انتظار نتائجها، في المسألة القبرصية، إلى الهجوم الدبلوماسي والتهديد العسكري . ومع سوريا فإن القطيعة باتت معلنة ولا تنتظر سوى إجراءات عملية تركية قد تفتح الباب على المجهول الكبير في المنطقة . وموقفها من سوريا ومن اليونان الداعمة لقبرص العضو في الاتحاد الأوروبي يفتح عليها باب التوتر مع روسيا، هذا في وقت عادت فيه مشكلتها الكردية إلى الواجهة بعد أن ظن كثيرون أن نارها بدأت تخبو .

ويبدو أنه بقدر ما تبتعد أنقرة عن “إسرائيل” فإنها تقترب من الولايات المتحدة ومن حلف الأطلسي الذي كانت قد ابتعدت عنه قليلاً بمناسبة الحرب الأمريكية على العراق في العام ،2003 لكن الموافقة على نشر الصواريخ الواقية من الدروع على الأراضي التركية أثار حفيظة الكثير من المراقبين العرب الذين اشتموا من هذا الموقف محاولة لإرضاء الغرب وحلف الأطلسي على حساب العلاقة مع إيران .

من الواضح أن أنقرة بصدد صياغة استراتيجة جديدة تخولها تبوّؤ مركز القوة الإقليمية العظمى والإسهام في صياغة مشهد متوسطي جديد بعد الثورات العربية . وقد أعلن أحمد داوود أوغلو ذلك صراحة من مصر التي عرض عليها تحالفاً ديمقراطياً يغيّر وجه المنطقة . زيارة أردوغان إلى الدول العربية التي انتصرت فيها الثورات الشعبية والاستقبالات الحافلة التي لاقاها هناك، والعقود التجارية المهمة التي وقعها (مليار دولار في يوم واحد مع مصر)، تدل على ذلك . فتركيا تدرك أنها قوية بجغرافيتها الممتدة ما بين القارتين الآسيوية والأوروبية والمطلة على بحور عديدة منها المتوسط، وموقعها الحضاري كجسر عبور بين الشرق والغرب، واقتصادها الذي خولها مقعداً في جماعة العشرين، ونموذجها الإسلامي- العلماني الفريد وبراغماتية قادتها، وحاجة الولايات المتحدة التي تغادر المنطقة إليها، كما حاجة حلف الأطلسي إلى أن تبقى عضواً فاعلاً فيه .

 

انشر عبر