شريط الأخبار

ثمّ ماذا بعد الخطاب؟!../ رشاد أبوشاور

09:08 - 28 حزيران / سبتمبر 2011

ثمّ ماذا بعد الخطاب؟! رشاد أبوشاور

لامس خطاب الرئيس ( أبومازن) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها ال66 ضمائر كثير من ممثلي دول العالم، فما سرده من الرواية الفلسطينيّة ذكّر ببعض فصول معاناة شعب فلسطين، وبفداحة الظلم الواقع على الفلسطينيين، وبجرائم الاحتلال الصهيوني.

ولاقى الخطاب رضى كثير من الفلسطينيين، ربما لسبب أحسب أنه يجدر التذكير به، علما أن شعبنا لم ينسه.. وهو خطاب الرئيس عرفات في حديقة البيت البيض بتاريخ 13 أيلول 1993، المؤسف حقا، الذي تجنب قول ما يمكن أن يغضب الراعي الأمريكي، وشريك السلام الذي تكلم باسمه أمام الحشد والإعلام العالمي، الجنرال رابين الذي لم يبق شيئا من أساطير التوراة إلاّ واستشهد به، إضافة إلى الابتزاز المتجدد بـ(المحرقة) التي هي أوربية غربية تتحمل أوزارها الجهة التي اقترفتها، وليس عرب فلسطين.

الخطاب الفلسطيني المتمسكن الهزيل آنذاك هدف إلى كسب رضى الراعي الأمريكي، انطلاقا من الشعور بالواجب في إنجاح ( العرس ) الذي تكشف على مدى السنوات الـ18 أنه ( عرس بغل) - رحم الله الكاتب الجزائري الصديق الطاهر وطّار صاحب الرواية التي تحمل هذا العنوان- رغم سياسة البوس، والمهادنة، والتزلف، والمجاملة، والرضى بالقليل، والتنسيق الأمني!

الخطاب الفلسطيني بلسان أبي مازن هو مزيج من خيبة الأمل بسلام أوسلو، والغضب من المأزق الذي دُفع إليه الجانب الفلسطيني الذي انخرط في خيار أوسلو.. وما بعد أوسلو!.

والسؤال هو: هل بقي مجال أمام الفلسطينيين الذين كان خيارهم سلام أوسلو، ليواصلوا السير مرددين عبارات الأمل التي تهدهد خيبات شعبهم المكتوي بجحيم الاحتلال، وقد بلغوا حافة الهاوية الرهيبة التي لا قرار لها؟!

خطاب أبي مازن جاء بعد 18 عاما من الخطاب الفلسطيني الرسمي.. فما الذي حققته القيادة الفلسطينية للشعب الفلسطيني؟!

خطاب أبي مازن أجاب على السؤال: الاستيطان اقتلاع الزيتون، تدمير الاقتصاد الفلسطيني، ألوف الأسرى، سرقة المياه، تهويد القدس.. ولائحة الخسائر تطول، ومن شاء استذكارها فليعد وليقرأ الخطاب الذي هو في جانب منه جردة حساب بالخسائر الفلسطينية التي لم يعد بمقدور القيادة الفلسطينية الرسمية المفاوضة تحمل تكلفتها الرهيبة.

حتى لا يبدو الأمر مقارنة خطابي أبي عمّار وأبي مازن، فإنني الفت الانتباه إلى أن أبامازن كان هو المنجز الفعلي لاتفاق أوسلو.. رغم أنه حرم من ريع جائزة نوبل للسلام التي منحت لعرفات ورابين وبيرس!

طاقم أوسلو الفلسطيني لم يتغيّر، نقص واحدا هو أحمد قريع، ولكنه هو هو نفسه من كان في حديقة البيت البيض بواشنطن في أيلول 1993 ، وهو هو نفسه في هيئة الأمم المتحدة في أيلول 2011.

ما الفرق إذا؟!

خيبة الأمل.. وربما اكتشاف أن حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة واصلت الاستيطان، وتهويد القدس، وتضييق المساحة المأمول بناء الدولة الفلسطينية عليها.

أُذكّر بما قاله مبكرا المفكر إدوارد سعيد بثاقب نظره: في السنة الأولى لأوسلو أعادوا انتشار القوات العسكرية الموجودة على الأرض الفلسطينية، ليكملوا ويواصلوا بناء المستوطنات، وتغيير الخريطة الفلسطينية لصالحهم (النص بلسانه من الفيلم الوثائقي عن حياته.. وهو متوفر حاليا على موقع عــ48ـرب).

منذ الرئيس الأمريكي ترومان، الذي كان نائبا للرئيس روزفلت، وتولى الرئاسة عقب وفاته، والذي من أجل الفوز بالرئاسة منح الوكالة الصهيونية كل ما تطلبه، وأجاب على تساؤلات واحتجاجات الحكومة العمّالية البريطانية التي رأت في سياسته المؤيدة لتهجير 100 ألف يهودي إلى فلسطين، المخالفة للكتاب الأبيض، وتوصيات اللجنة الفنية المشتركة البريطانية الأمريكية: لا يوجد للعرب مئات ألوف الأصوات في أمريكا

في الجوهر، رؤساء أميركا منحازون لليهود توراتيا.. وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، وهذا اتضح منذ بدأ هذه السياسة ترومان، ورسّخ جذورها، فباتت ثابتة لا يحيد عنها أي رئيس من بعده.

ولذا فإنه من الغباء، وتضليل النفس، أن يظن أي فلسطيني، أو عربي، أن أي رئيس أمريكي يمكن كسبه لصالح قضية فلسطين، لأن السياسة الأمريكية ثابتة في معادلتها: مع ( إسرائيل) في كل ما تطلب، وتحتاج لمواجهة العرب والتفوّق عليهم، وضد العرب الذي لا أصوات انتخابية لهم في أمريكا، ولا تأثير لهم على سياستها، واقتصادها، لأن حكوماتهم، وحكامهم تابعون.. لا يأبهون بشعوبهم!

باراك أوباما.. الرئيس الضعيف، المشغول بهاجس انتخابه لدورة رئاسة ثانية يحتاج لأصوات اليهود الأمريكيين المنحازين للكيان الصهيوني، ولذا فإنه في صلب السياسة الأمريكية منحاز للكيان الصهيوني.. وأيضا محتاج للدعم اليهودي، ولرضى اللوبي اليهودي الصهيوني، وهو في سباق مع الجمهوريين على الأصوات، وتمويل حملته، والدعم الإعلامي اليهودي.. فلماذا يضيع رئاسة أميركا من أجل خاطر الفلسطينيين و..العرب الذين هم أعجز من أن يهددوه بشيء؟!

لم يتراجع أبومازن وقدم طلب عضوية دولة فلسطين لأمين عام هيئة الأمم المتحدة.. وعلنا، رغم التهديد الأمريكي الوقح بلسان أوباما نفسه، الذي أضاف له تهديدات حقيرة أثناء لقائه معه في البيت البيض، لتخويفه وثنيه عن تقديم طلب العضوية!..أترون ديمقراطية أوباما وأخلاقه، ومصداقية أمريكا التي توزع نصائحها ليل نهار على الشعوب العربيّة، والحكام العرب، وتتبنّى التظاهرات والاحتجاجات، والانتفاضات، والثورات العربيّة!..والتي تصدع رؤوس البشر في العالم بالشرعية الدولية.. وتحرم الفلسطينيين من هذه الشرعية الدولية التي اختاروا اللجوء إليها؟!

التساؤل عن سبب ثبات أبي مازن، ورفضه للتهديدات الأمريكية، يعود بالتأكيد إلى أنه لم يعد هناك أي أفق للسلام، ولم يعد هناك مجال لقبول المزيد من الخسائر، وأن شعب فلسطين سيحمّل أصحاب خيار أوسلو مسؤولية النكبة الجديدة التي لم يتبق سوى القليل لاكتمالها!

هل تغيّر شيء في التفكير بين الخطابين عام 1993 و2011 ؟!

لا.. ولا كبيرة، لأنهما طالبا بدولة فلسطينية في حدود ال67 تضم الضفة والقطاع والقدس الشرقية، أي على خُمس مساحة فلسطين!

منذ الخطاب الأوّل في حديقة البيت البيض لم تعد الضفة الغربية هي الضفة الغربية، ولا القدس هي القدس، فالاحتلال غيّر المعالم، بعد أن كسب كل الوقت.. ولم يجابه سوى بالاحتجاجات والحرد.. مع مواصلة التنسيق الأمني، ومطاردة المقاومين وزجهم في السجون وتعذيبهم.. لأن الخيار هو المفاوضات، والمفاوضات فقط!

الخلل في خطاب أبي مازن أنه كرر نفس الكلام عن دولة فلسطينية لم يعد هناك أي احتمال لنشوئها، لاستحالة هدم المستوطنات، واجتثاث الأحياء التي دمر الاحتلال الأحياء العربية في القدس وبنى فوق  جذورها قلاعا يهودية.. إلاّ بمواجهة طويلة ضارية تعود فيها فلسطين قضية عربية أولى بامتياز.. في زمن الثورات العربية الشعبية التي لا تثق بأمريكا ونفاقها وأكاذيبها وانحيازها الصهيوني.

بناء على قرار التقسيم 181 قبل الكيان الصهيوني( دولة) في الأمم المتحدة.. فلماذا لم يطرح أبو مازن العودة لهذا القرار الذي يكفل الاعتراف بدولة عربية فلسطينية؟ (أنا وكثيرون لسنا مع هذا القرار.. لأن فلسطين عربية وجدت وستبقى دائما عربية مهما طال الصراع).

بعد خطاب أبي مازن، والموقف الأميركي الرافض والمتآمر، ودور الرباعية المنافق، وساركوزي السمسار.. آن أن تنجز الوحدة الوطنية، وليست المصالحة، بناء على برنامج مقاوم بكافة الأشكال للاستيطان، والاحتلال...

على ضوء الخطوات القادمة، وفي وقت غير بعيد، سيتحدد مستقبل قضيتنا، فإما عودة للأوهام، وإما وضع برنامج وطني شامل للمواجهة، بمشاركة كافة القوى داخل فلسطين وفي الشتات.. لأن الصراع سيكون مفتوحا، وضاريا.

آن أن تعود فلسطين إلى موقعها عربيا، وعالميا، في زمن رياح الثورات العربيّة.. آن أن يكون الخطاب الفلسطيني موحدا جامعا.. وواضحا مؤثرا في سمع العالم!

انشر عبر