شريط الأخبار

أوباما مع ليبرمان ضد العالم.. علي جرادات

10:29 - 25 تشرين أول / سبتمبر 2011

في مايو/ أيار الماضي صفَّق أعضاء صانع السياسة الأمريكية، الكونغرس، طويلاً، للاءات “إسرائيل” القاطعة المانعة، التي أطلقها نتنياهو، وكشف من خلالها عن زيف استعداد قادة “إسرائيل”، ونظامهم السياسي العدواني التوسعي، لدفع استحقاقات تسوية سياسية متوازنة للصراع العربي الصهيوني، وجوهره القضية الفلسطينية . ويوم الأربعاء الماضي، وفي معرض الرد على مطالبة الشعب العربي الفلسطيني بالحصول على حقه العادل والمشروع في دولة مستقلة وسيادية، أعلن الرئيس الأمريكي، أوباما، من على منصة هيئة الأمم، عن دعمه، كمنفذٍ للسياسة الأمريكية، لذات اللاءات “الإسرائيلية”، ليحظى بترحيب جميع قادة “إسرائيل”، وفي مقدمتهم الفاشي ليبرمان، ليكون محقاً كلُّ مَن اعتبر أن أوباما بموقفه هذا، إنما يكون قد وقف مع ليبرمان ضد العالم .

والسؤال هنا: كيف يمكن تفسير هذا الموقف الأمريكي السافر في عدائه لقضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية، بل، ولكافة قضاياهم؟ هل هو مجرد موقف تكتيكي، تستدعيه حاجة أوباما للصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية المقبلة، أم أنه، علاوة على ذلك، إنما يحيل إلى ما هو ثابت وأكثر إستراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، بصرف النظر عن تبدل اللون الحزبي لإداراتها؟

إن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال المفتاحي، لا تقتضيها فقط مصلحة فك الارتباط بين القضية الفلسطينية وبين الرعاية الأمريكية للمفاوضات العبثية حولها، بل، وتقتضيها أيضاً، المصالح العليا للأمة العربية وشعوبها في هذه المرحلة المفصلية التي تعيشها المنطقة العربية، ذلك أنه من التسطيح السياسي تجاهل أن الموقف الأمريكي المتماهي مع الموقف “الإسرائيلي” تجاه القضية الفلسطينية، حدَّ التطابق مع أكثر أجنحته تطرفاً وعدوانية، إنما يعكس في مغزاه الأعمق، موقفاً أمريكياً متطابقاً مع الموقف “الإسرائيلي” المعادي للحراك الشعبي العربي، كحدث تاريخي، يعي صناع السياسة في أمريكا و”إسرائيل”، مقدار تأثيراته السلبية الاستراتيجية في مصالحهم ونفوذهم في المنطقة، ما يعني بقاء خيارات السياسة الأمريكية “الإسرائيلية” في التعامل مع التحولات الإستراتيجية التي تشهدها المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، خاصة في ظل ما تعيشه الولايات المتحدة، ومعها بقية دول العالم من أزمة مالية، ذات انعكاس سياسي واضح .

هنا حريٌ الإشارة إلى أنه بقدر ما تكون “الحرب تعبيراً حاداً عن السياسة”، وبقدر ما تكون “السياسة تعبيراً مكثفاً عن الاقتصاد”، فإن ثمة علاقة نسبية بين الأزمات الاقتصادية العالمية وتفجُّر الحروب . فالحربان العالميتان، (مثلاً)، أشعلتهما تحولات سياسية خلقتها أزمات اقتصادية عالمية . واليوم، ومع تفاقم الأزمة المالية العالمية الآخذة بالتحول إلى أزمة اقتصادية، تلوح في الأفق ملامح تحولات سياسية دولية جديدة، عنوانها الأبرز بدايات التراجع الملحوظ لنظام القطب الواحد، لمصلحة نظام متعدد الأقطاب . والسؤال هنا: هل يمكن أن يقود هذا الانعكاس السياسي السلبي للأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة على الولايات المتحدة، وبالتالي على حليفتها الإستراتيجية، “إسرائيل”، إلى نشوب حروب جديدة، وإن نشبت، ما حدودها، وأي المناطق يمكن أن تكون مسرحاً لها؟

لقد قاد تغول نظام القطب الواحد إلى التدخل السافر في سيادة الدول، وإلى شن الحروب ضد بعضها، بذرائع حماية الأقليات والشرعية الدولية وحقوق الإنسان . وكان لمنطقة الشرق الأوسط عموماً، وللمنطقة العربية خصوصاً، النصيب الأكبر من هذه الحروب، التي أدت إلى إثارة النعرات الإثنية والطائفية والمذهبية، لتكون النتيجة ما جرى، وما زال يجري، في العراق وأفغانستان والسودان ولبنان وفلسطين والصومال وغيرها، من تفتيت .

واليوم، صحيح أن تباشير حلول نظام دولي متعدد الأقطاب، لا تعني نشوء نقيض لدول مركز النظام الرأسمالي الذي تقوده أمريكا، بقدر ما تعني إعادة تنظيم وتوزيع لمستويات القوة والنفوذ في ما بينها، ما يجعل احتمال أن تفضي التحولات الجارية على النظام الدولي إلى نشوب حرب عالمية على غرار ما وقع في الحربين العالميتين، احتمالاً مستبعداً وغير وارد .

ولكن من الصحيح أيضاً أن تراجع نظام القطب الواحد، يتيح لبعض دول الشرق الأوسط، (ولدول “العالم الثالث” عموماً)، التي قطعت شوطاً في التنمية والديمقراطية أن تفلت من إسار التبعية، بل، ويحفز حركات التحرر الوطني في هذه الدول على النهوض من جديد، وطرح معادلات أكثر توازناً لعلاقة بلدانها بالولايات المتحدة، (وببلدان المركز الرأسمالي الغربي عموماً) . هكذا على الأقل تقرأ الولايات المتحدة وحليفتها الإستراتيجية، “إسرائيل”، تداعيات الحراك الشعبي العربي الجاري، الذي يخطئ كلُّ مَن يعتقد أن مطلبي تصويب العلاقة بأمريكا، ووضع حدٍ للعربدة “الإسرائيلية”، لن يكونا مطلبين بين مطالب هذا الحراك، حتى وإن تأخر تجليهما، أو التبس مؤقتاً.

عليه، وبحسبان منطقة الشرق الأوسط، وضمنها المنطقة العربية، بما تمتلكه من موقع إستراتيجي، وثروات هائلة، المنطقة الأهم في حسابات الولايات المتحدة لإدامة سيطرتها الأحادية على العالم، فإن من غير المستغرب، بل، من الطبيعي، أن تكون هي المنطقة الأكثر استهدافاً في مرحلة تزعزع نظام القطب الواحد، بعد أن كانت أكثر المناطق التي عانت ويلات تسيُّده، وما أفضى إليه تغوله من حروب، استهدفت في ما استهدفت الحفاظ، بل وتعزيز، تفوق ولادة الحروب، “إسرائيل”، على ما عداها من دول المنطقة وقواها . وهذا، فضلاً عن دافع الولايات المتحدة لإدامة سيطرتها على ثروات المنطقة، دافع إضافي وأساسي لإبقاء الباب مفتوحا على احتمال نشوب المزيد من الحروب، مباشرة أو بالوكالة، في منطقة الشرق الأوسط .

وبإيجاز، أعتقد أن هذه هي الدلالة الأعمق لسفور الموقف الأمريكي الأخير في هيئة الأمم ضد حق الشعب العربي الفلسطيني العادل والمشروع في دولة مستقلة وسيادية، إذ لا أظن أن صناع السياسة في أمريكا غافلون عن ما يجلبه لهم هذا الموقف السافر من مشاعر الغضب والسخط العربي، على المستويين الرسمي والشعبي، الماضي في انتفاضاته، التي تبقى القضية الفلسطينية، نواة مضمرة فيها، تقدم الأمر أم تأخر.

انشر عبر