شريط الأخبار

الصراع العربي - الصهيوني وكيانية فلسطين .. يوسف مكي

10:05 - 22 تشرين أول / سبتمبر 2011

الصراع العربي - الصهيوني وكيانية فلسطين  .. يوسف مكي

نميز في هذه القراءة بين هدف تحرير فلسطين، وبين وجود أطر تمثيلية للكيان الفلسطيني. ونجزم أن إنجاز الاستقلال الكامل لفلسطين، ليس خارج معادلة التلازم بين هدف التحرير واستراتيجية بلوغه. إن أي محاولة للفصل في هذه المعادلة، هي تكريس للتكتيكات والممارسات التي ثبت عقمها، منذ إعلان وثيقة الاستقلال بالجزائر، في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1988م، التي صدرت عن المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الخامسة عشرة.

 

ذلك لا يعني، على أية حال، التقليل من أهمية وجود مؤسسات تمثيلية للشعب الفلسطيني، تضطلع بمهمة التحرير. لكن هدف التحرير شيء مختلف تماماً عن وجود مؤسسات تمثيلية لا تضع التحرير في مقدمة أهدافها، وتكون خاضعة لأجندات وسياسات لا تتوافق مع الحق في الاستقلال وتقرير المصير. ليس من شك في أن تعقيدات القضية الفلسطينية، وتشابكها وارتباطاتها الإقليمية والدولية، والطابع الاستيطاني لاحتلالها، جعل منها قضية مستعصية، وجامعة للعرب. وإن تلازم مشروع النهضة العربية بقضية تحرير فلسطين، قد رتب عليهما مهمات مركبة. لقد كان التدخل فاضحاً، للحيلولة دون تحقيق وحدة المشرق العربي، بفرض اتفاقية سايكس- بيكو كأمر واقع. وكان كذلك في مسألة اغتصاب فلسطين، بفرض وعد بلفور كأمر واقع أيضاً. وكان ذلك أحد أوجه التشابك بين مشروعي النهضة، وتحرير فلسطين. وقد تكشّف لاحقاً أن العجز عن تحرير فلسطين، هو ذاته العجز عن تحقيق التنمية والتقدم والنهضة.

 

نفخت النكبة روح التمرد على الواقع الفاسد، وتأكد أن خلل التوازن في الصراع مع الصهاينة ليس عسكرياً فقط، وأن الحل يكمن في كنس الترسبات الراكدة في الواقع العربي، ومنذ ذلك الحين، أصبح النظام العربي يستمد مشروعيته من ارتباطه بالقضية الفلسطينية. لكن المقاومة المعاصرة، لم تنطلق بزخم قوي، إلا مع حركة فتح، ولم تأخذ حيزها الحقيقي إلا بعد نكسة 1967.

 

في بداية الستينيات عملت "إسرائيل" على تحويل مياه نهر الأردن إلى الصحراء النقب، وتداعى القادة العرب، بدعوة من الرئيس عبدالناصر، إلى قمة عقدت بالقاهرة عام 1964م، لاتخاذ الخطوات الضرورية لمنع تنفيذ هذا المشروع. في هذا المؤتمر أقر تشكيل كيان سياسي للفلسطينيين حيثما وجدوا، وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من رحم ذلك المؤتمر. ذلك يعني بداهة، أن تأسيس الكيان السياسي الفلسطيني لم يكن قراراً ذاتياً مستقلاً، بل جرى تبنّيه ليخدم استراتيجيات عربية في مرحلة تاريخية محددة.

 

في الدورة الرابعة للمجلس الوطني التي عقدت بالقاهرة في تموز/ يوليو 1968، تسلمت المقاومة الفلسطينية قيادة منظمة التحرير، وأصبح ياسر عرفات، رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة. وخلالها، هيمنت حركات المقاومة على قيادة منظمة التحرير، ونقلت معها توجهاتها الأيديولوجية والسياسية المختلفة والمتباعدة التي مثلت التيارات السياسية السائدة في الوطن العربي، وكان عدم التجانس في المواقف بين حركات المقاومة هو وجه آخر للخلافات العربية- العربية.

 

لقد أفرز زلزال يونيو/ حزيران 1967 حقائق جديدة في علاقة الأنظمة العربية بالمقاومة، فالمشروع الصهيوني، لم يعد مجرد خطر جاثم على الواقع العربي، وبتوسّع كيانه وتمدده واستيلائه على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وسيناء وهضبة الجولان، أصبح يحتل أراضي عربية، من خارج فلسطين.

 

هذا يعني أن شكل الصراع العربي- الصهيوني قد تغير جذرياً، في دول المواجهة، من موقف تضامني مع الأشقاء، إلى اندماج بالصراع، من خلال وجود أراض محتلة لهذه الدول بقبضة الكيان الغاصب. لقد تغيرت الأجندات العربية، من الهدف الاستراتيجي البعيد، تحرير فلسطين، الذي أثبتت حرب حزيران بالدليل عدم القدرة على تحقيقه، إلى إزالة آثار العدوان.

 

ومادام الهدف الرئيس، قد اختزل من التحرير الشامل، إلى التعامل مع نتائج النكسة، بما يتسق مع قراري مجلس الأمن الدولي 242، 338 التي تعاملت مع الصراع باعتباره نزاعاً على الحدود وليس قضية شعب حرم من حق تقرير مصيره، فإن معالجة نتائج النكسة لا تستلزم بالضرورة إسناداً استراتيجياً للمقاومة. ومن وجهة نظر دول المواجهة، كما عبر عن ذلك مؤتمر القمة بالخرطوم، يمكن أن تتم معالجة نتائج حزيران بجهد دبلوماسي، وتنسيق مع الأمم المتحدة. ومع تبني القادة العرب لسياستهم الجديدة، أصبح حضور الفعل المقاوم رديفاً تكتيكياً، للموقف الرسمي العربي، الهادف ليس إلى تحرير فلسطين، ولكن إلى إزالة آثار العدوان.

 

لكن النجاح المطرد للمقاومة الفلسطينية، بعد حزيران، وخاصة نتائج معركة الكرامة، أدى إلى تأجيج مشاعر التأييد العربي للمقاومة، وأصبحت المقاومة عنواناً للمرحلة بز في مشروعيته، مشروعية نظم المواجهة.

 

هكذا وجدت الأنظمة العربية نفسها أمام واقع جديد، أصاب مشروعيتها في مكمن.،فلم تعد فلسطين، ورقة يمكن العبث بها، فهزيمة الجيوش العربية، أمام الصهاينة كشفت السوءات وعرت العجز. وهكذا اعتمدت الحلول السياسية، بديلاً من المواجهة العسكرية، لإزالة آثار عدوان يونيو/ حزيران.

 

وحتى حرب الاستنزاف التي مثلت ملحمة بطولية من ملاحم الكفاح العربي، في مواجهة "إسرائيل"، لم تخرج عن إطار التحضير لإزالة آثار العدوان. وتزامنت مع تحركات سياسية، قام بها المبعوث الدولي، غونار يارنغ، واختتمت بقبول مشروع روجرز، ومن ثم رحيل القائد جمال عبد الناصر، إلى العالم الآخر.

 

إن الحقائق الجديدة، جعلت المنظمة أكثر ارتباطاً بالأنظمة العربية، فالمؤسسات التي جرى بناؤها بحاجة إلى تمويل مستمر، وانسيابية هذا التمويل رهن للقبول بمواقف سياسية. ومن جهة أخرى، فإن منظمة التحرير، بعد انشغالها بأحداث لبنان، والنهوض الفلسطيني بالضفة الغربية الذي نقل جاذبية الصراع من المخيمات الفلسطينية بالخارج، والضربات المتتالية من العدو الصهيوني، والأبرز بينها اجتياح مارس/ آذار عام 1979، وغزو بيروت في صيف عام 1982، جعلها أكثر ميلاً إلى الحلول السياسية منها، إلى استراتيجية الكفاح المسلح.

 

وهكذا رأينا أن التغيرات في التوجّه السياسي من تبني التحرير الكامل لفلسطين إلى القبول بدولة فلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة، تكون عاصمتها القدس الشريف، قد تم طرحه لأول مرة في فبراير/ شباط 1974، بعد أشهر عدة من حرب أكتوبر/ تشرين الأول التي مثلت انتقالاً في الاستراتيجيات العربية، باتجاه القبول بالتصالح مع الكيان الصهيوني.

 

وخلال العام نفسه، اتخذ القادة العرب في مؤتمر قمتهم الذي عقد بالرباط في أكتوبر/ تشرين أول عام 1974 قراراً باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن المنظمة هي الجهة المخولة بقيادة نضال هذا الشعب نحو الحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة. فإذا بالاعتراف بالكيانية السياسية الفلسطينية، يصبح تنصلاً كاملاً لهؤلاء القادة من مشروع التحرير، وإذا بوحدانية التمثيل تنتهي، بعد انتفاضة بطولية لأطفال الحجارة، بتوقيع اتفاق صغير، عرف باتفاق غزة - أريحا، التزم به الجانب الفلسطيني من جانب واحد، وضرب الكيان الصهيوني بجلّ بنوده عرض الحائط.

 

وتبقى محاور أخرى مهمة، في طريق التحول الفلسطيني من كيانية السياسة إلى كيانية الجغرافيا، باتجاه المطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ستكون موضوع حديثنا المقبل بإذن الله.

 

 

انشر عبر