شريط الأخبار

مجزرة صبرا وشاتيلا .. أمجد عرار

01:59 - 17 حزيران / سبتمبر 2011

كما تخبو النار المهملة تغيب الذكريات القاسية عن بعض العرب الذين يتعمّدون تجاهلها، حتى لا تذكّر الأمة بمعسكر أعدائها . وما دام الأمر كذلك تمرّ الذكرى التاسعة والعشرون لمجزرة صبرا وشاتيلا بلا أقلام إلا ما ندر، وبلا تقارير مرئية إلا من باب رفع العتب.

وحدهم ذوو شهداء المجزرة من سلكوا طريقهم الوحيد نحو إحياء الذكرى، وهو الطريق إلى المقبرة، علّهم يمنحون المناسبة بعضاً من أريج أكاليل الورد . شكراً للمقبرة لأنها أبقى من الثوابت الوطنية والقومية التي حوّلها البعض إلى أطباق بلاستيك للاستخدام مرّة واحدة . شواهد القبور وحدها بقيت الشاهدة على أن شهداء مدفونين هنا وما زال القتلة الصهاينة طلقاء، وما زال القتلة الصغار من أدواتهم يمارسون هواية الميكروفونات والمزايدة.

ذات يوم قال إيهود باراك “لو كنت فلسطينياً، لكنت فدائياً”، وبإمكان أي إنسان أن يقول “لو كنت “إسرائيلياً” لما قبلت أقل من أرييل شارون نموذجاً” . لماذا الألوان الرمادية في غير لوحات الرسّامين؟ المجرم لا تكتمل مواصفاته إن تدثّر بالدبلوماسية، والضحية تفقد حقّها إذا جاملت قاتلها . وقياساً على “ليس بعد الكفر ذنب”، فإن ما بعد جريمة الاحتلال والاستعمار، جرائم تفصيلية صغيرة، فلا احتلال بلا قهر ولا استعمار بلا نهب واستغلال، ولم نعرف في التاريخ عبداً لو لم يكن هناك "سيده".

لا جدوى، إذاً من الحديث عن الراعي والمشرف والمنفّذ “الإسرائيلي” للمجزرة، فهي الطريقة الوحيدة لتبرير وظيفته وإعطاء المعنى لنقيض الإنسانية . هذا مغتصب يدافع بأسنانه وأظفاره، وبسلاح أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا عن صيده الثمين، وهي تدعمه لأنه عمود خيمتها وضمانة استمرارية استعمارها بشكله الجديد.

"صبرا وشاتيلا" سلسلة من دروس التاريخ لمن يأخذون من التاريخ عبرة . فهي كشفت الطبيعة الإجرامية للمشروع الصهيوني ترجمة لمقولات معلنة تعتبر دم العربي لا شيء، ودلّلت على العقلية “الإسرائيلية” القائمة على منطق الإرهاب لكسر الإرادات بوصفها العامل الأبرز في جسر الهوة بين ميزاني القوى . وكشفت في الوقت ذاته مدى خطورة ودناءة وحقارة أدوات العدو واستمرائهم الخيانة والتحوّل إلى ممسحة إذا طلب منها ذلك .

"صبرا وشاتيلا" كشفت أيضاً مدى تواطؤ ما يسمى المجتمع الدولي مع "إسرائيل"، ولا بد من التذكير بأن المبعوث الأمريكي أعطى ضمانات للزعيم الراحل ياسر عرفات بحماية المخيمات الفلسطينيية بعد مغادرة المقاتلين للبنان . هذا “المجتمع الدولي” لم يتغيّر وليس مستعداً لأن يتغيّر طالما أن “إسرائيل” جزء من المعادلة . فاليوم ونحن نحيي هذه المناسبة خرجت علينا بريطانيا بتعديل لقوانينها بحيث تعفي مجرمي الحرب “الإسرائيليين” من الملاحقة القضائية في بريطانيا . ماذا يعني هذا الكلام في وقت تبدو بريطانيا كأنها على وشك استبدال نشيدها ب "الربيع العربي"؟ وعندما تصبح "إسرائيل" فوق القانون الدولي وفوق القوانين المحلية، وخارج أية مساءلة، فإنها ستمتص هذه الفرص وتستغلّها في معركة كسب الوقت قبل المزيد من تغيّر موازين القوى في غير مصلحتها.

"صبرا وشاتيلا" ليست الميدان الوحيد الذي يلقى الفلسطيني والعربي فيه حتفه، لكنها كشقيقاتها كفر قاسم ودير ياسين والدوايمة وغزة وبحر البقر والأسرى المصريين وقانا، تمثّل الفاجعة المكثّفة، فمن يراجع ويتأمّل ير أن عدد الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين قضوا فردياً وثنائياً بين كل مجزرتين يفوق من قضوا في المجازر نفسها. ومع ذلك يجب ألا ننسى أن المجزرة السياسية الجارية لا تقل خطورة.

انشر عبر