شريط الأخبار

آلاف يسيرون في مسيرات نحونا ولا يقفون، ماذا نفعل؟..يديعوت

10:40 - 16 كانون أول / سبتمبر 2011


بقلم: عوديد شالوم وعكيفا نوبك

تبدو رام الله من أعلى وكأنها قد حصلت على استقلال. عندما أشرفنا ظهر يوم الاثنين من هذا الاسبوع على المدينة، كان المؤذنون قد بدأوا بالضبط يؤذنون لصلاة الظهر. وقفنا في الطرف الغربي من مستوطنة بسغوت على أمتار معدودة من السور المحيط بها، وانبسطت رام الله تحتنا حتى أقصى الأفق في الغرب. الرافعات مغروسة فيها مثل صوارٍ، وينتصب الى جانبها أبراج زجاجية عصرية، وتزدحم في شوارعها صفوف من السيارات.

        المسافات قصيرة جدا. ان أمتارا معدودة تفصل البيوت الفلسطينية القريبة عن المستوطنة، وهناك بضع مئات من الأمتار فقط من الشوارع تحتنا الى السور نفسه. هل سينشأ الشر من هنا في الاسبوع القادم؟.

        سألنا افيغدور شاتس، ضابط الامن في المجلس الاقليمي "متيه بنيامين"، ألديه علم بما يقع هنا تحت الجدار الذي نقف الى جانبه. إن شاتس رجل مديد القامة قوي الجسم، أصلع يضع على رأسه قبعة منسوجة، وجه الينا نظرة جدية. "بيّنا لي أحدا يعرف أن يقول ماذا سيحدث، لا أعرف أحدا كهذا. استطيع أن أقول إنني لم أهدأ قط. يدفعون إلي مالا كي لا اهدأ وكي أقلق".

        قبل ذلك بيوم اجتمعت لجنة التدبير من اجل الطواريء في المجلس. إن الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك والتباحث في اعتراف بدولة فلسطينية هما في ظاهر الامر شأنان من السياسة الدولية لكن "ايلول" أصبح اسما شيفريا مخيفا في الاشهر الاخيرة و"ايلول" أصبح هنا. هناك احتمال ألا يكون من الممكن بعد اسبوع أن نقف بثقة كهذه عند السور، وندخن سيجارة ونطل في هدوء على الجيران الفلسطينيين. ومن جهة ثانية يُخيل الينا ان الصباح من غد التباحث في الامم المتحدة سيبدو بالضبط مثل الصباح الذي سبقه، هادئا مطمئنا. ولما كان من غير الممكن توقع ما الذي سيقع من السيناريوهين، يستعد السكان في يهودا والسامرة للاسوأ.

        خمس دقائق عن بيت إيل

        ان الاسم الشيفري الذي منحوه في الجيش للاستعدادات للأحداث التي قد تنشأ بعقب الاعلان عن الدولة الفلسطينية في الامم المتحدة هو "بذور الصيف". عند جهاز الامن سيناريوهات ممكنة، لكنه لا توجد حتى الآن معلومات استخبارية محددة عما قد يحدث. يفترض أن يخطب رئيس السلطة أبو مازن في الجمعية العامة في يوم الجمعة القادم، يوم الصلاة في المساجد. يزور مئات الآلاف المساجد في أنحاء الضفة في هذا اليوم، ومن ذا يعلم كيف قد تتطور مظاهر الفرح العفوية.

        السيناريوهات متنوعة: فجمع جموع متحمسة فرحا في ميدان المنارة في مركز رام الله يمكن ان يصبح مسيرة مواطنين، مع نساء واولاد في المقدمة، نحو مفترق "أيوش" على مبعدة خمس دقائق سيرا على الأقدام من مستوطنة بيت إيل. ويستطيعون بالصورة نفسها أن يسيروا نحو بسغوت على مبعدة عشرين دقيقة سير على الأقدام من مركز المدينة.

        قد تصبح المسيرات نحو المحاور الرئيسة أو المستوطنات اليهودية اخلالا جماعيا بالنظام. يتحدث أحد السيناريوهات عن امكانية اطلاق عناصر ارهابية النار من بين الجموع على قوات الجيش الاسرائيلي التي ستقف في المقابل. وماذا سيحدث اذا لم تقف الجموع الفلسطينية عند نقاط الاحتكاك، واستقر رأيها على الاستمرار في السير نحو المستوطنات؟ وماذا سيحدث اذا نجح بضع عشرات بالدخول الى بيت إيل أو عوفره أو بسغوت؟ هل سيستقبلهم المستوطنون بالزهور والحلوى؟.

        في جلسة لجنة تدبير ساعة الطواريء في مجلس متيه بنيامين تم استعراض جميع الاحتمالات. يمكن أن يحدث وضع  يغلق فيه الفلسطينيون بعض محاور الحركة. وحذر الحاخام يعقوب ليبي، مدير قسم التربية، من ان الحافلات التي تنقل الطلاب اليوم لا يصحبها الجيش. وقال: "يوجد فيها في واقع الامر بالغ واحد هو السائق. ماذا سيحدث اذا لقيت حافلة مليئة بالاولاد سدا حجريا في أحد الشوارع وعشرات من الفلسطينيين يقفون على جانب الطريق؟".

        تحدث جميع أصحاب الوظائف المتصلة بساعة الطواريء واحدا بعد آخر وكان يبدو أنهم جميعا يستعدون، ولا سيما فرق الاستعداد في المستوطنات، لكن اذا تحقق واحد من السيناريوهات المتحدث عنها والتي فيها احتمال مصادمة، فليحفظنا الله.

        يقول ضابط الامن شاتس ان عنده اسبابا جيدة تجعله لا يكون هادئا. "نحن نوشك أن نواجه شيئا جديدا تماما. إن جهاز الامن عالم بمحاربة الارهاب ومواجهة انتفاضة مسلحة ومظاهرات مدنية لجهات يسارية اسرائيلية ومواطنين فلسطينيين عند الجدار. لكننا لم نلق بعد مظاهرات مدنية غير عنيفة. لم نلق حتى اليوم حيوانا كهذا. إن الجيش في مظاهرات الفلسطينيين يلقى دائما رمي الحجارة والزجاجات الحارقة والحواجز الحجرية. وهكذا اذا كانت مظاهر احتجاج الفلسطينيين مدنية تماما بلا عنف فسيكون ذلك مفاجأة".

        ولن تكون هذه مفاجأة فقط بل ستكون مشكلة كبيرة ايضا. ان التعاون مع اجهزة الامن الفلسطينية في أفضل مستوى له منذ سنين. هناك حديث هاتفي عن كل مشكلة صغيرة، ومعرفة شخصية بين القادة في القطاعات المختلفة ولقاءات يومية تقريبا. وتقول جهات الجيش ان الاجهزة تلقت أمرا واضحا من المستوى السياسي في السلطة بعدم تمكين الجموع من التجمع للسير نحو المستوطنات اليهودية ونحو قوات الجيش الاسرائيلي المنتشرة خارج المناطق التي تقع تحت سيطرة فلسطينية كاملة. لكن كيف تتصرف قوات الجيش الاسرائيلي اذا سار جمع من آلاف الفلسطينيين في مسيرة نحوها ولم يستجب لنداءات الوقوف؟ إن قنابل العفن التي سيطلقها الجيش الاسرائيلي هي ضربة لم يخلقها الشيطان لكنها ليست شيئا يصعب على أصحاب المعد الصلبة مواجهتها. يقول شاتس انه يوجد حظر واحد واضح على المستوطنين: "الفلسطينيون لا يدخلون مستوطنة يهودية. نقطة. لا يدخلون ببساطة!".

        العودة الى العصر الحجري

        ليست مستوطنة عوفره محاطة بسور. تجاورها قريتان فلسطينيتان كبيرتان هما عين يبرود من الغرب وسلواد من الشمال. والحديث عن مسافة قصيرة تبلغ عشر دقائق الى ربع ساعة من مركزي القريتين الى المستوطنة. لكن مئير نحليئيل، أمين سر عوفره، لا يخشى شيئا. "سنعود في الحد الاقصى الى العصر الحجري وبعد بضعة ايام سينقضي الامر. في المساء سيشوون اللحم ويرقصون لكن الفلسطيني آخر الامر سيستيقظ من غد نقاش الاعتراف في الامم المتحدة على الواقع نفسه. لن تكون لهم عملة، ولن يبنوا مطارا، ونشك في أن يُزيلوا حواجز. لن يتغير أي شيء في الحقيقة في الواقع العملي. ما كان هو ما سيكون".

        إن مُركزة الجمهور في المستوطنة، هيلا فيتكن، أقل هدوءا: "أنا في المستوى الشخصي جبانة جدا. فأنا أخاف على أبنائي، واحاول طوال الوقت أن الائم قيمي. يوجد ناس ليس عندهم خوف، فقد ولدوا في هذا الواقع وولدوا في الانتفاضات. أما أنا فنشأت في العفولة أصلا بحيث ان هذا الواقع يُصيب أحشائي بالاضطراب".

        لي اربعة اولاد. يتعلم الأكبر في حسفين في هضبة الجولان، والثاني في الصف السابع في المدرسة الاقليمية في بيت إيل والاثنان الآخران في مدرسة ابتدائية في عوفره. "كل واحد هو والد اولاد يفكر فيهم قبل كل شيء، نحن الآن في حياة طبيعية. أولادي يركبون دراجات هوائية عند طرف المستوطنة، ولا أضغط عليهم كي لا يبتعدوا.

        "عندما يكون الحديث في الحاصل عن سيناريوهات، فلا حاجة الى ضغط السكان، استطعت ان ابدأ الطلب من السكان ان يساعدوا ويجمعوا الاغذية ويحملوا السلاح في كل مكان، لكن لي مسؤولية جماهيرية. ان قوتنا هي في الحفاظ على الحياة العادية. ما يزال الناس لا يعيشون الاسبوع التالي أو الاسبوع الذي يليه. قد يكون في الداخل خوف ما لكنه ما يزال لا يوجد شيء نحو الخارج. ليس هذا موضوع حديث ألبتة. لا تنسوا ان الحياة هنا تختلف عن الحياة في تل ابيب وانه يوجد تيقظ هنا دائما".

        لكل مستوطنة في يهودا والسامرة جماعة استعداد. والحديث عن بضع عشرات من السكان – والامر متعلق بكبر المستوطنة – يفترض ان يردوا فورا على كل حادثة امنية تقع داخل المستوطنة. يحمل أفراد جماعة الاستعداد سلاحا مرخصا وتجري عليهم تدريبات خاصة عدة مرات كل سنة بمصاحبة الجيش واشرافه. وفي هذا العام جرى التبكير بالتدريبات لجماعات الاستعداد لشهور الصيف من اجل الاستعداد لأحداث اعلان الدولة الفلسطينية. والامر ان أفراد جماعات الاستعداد هم ناس عاملون خارج المستوطنة نفسها في الأكثر، يخرجون في الصباح ويعودون بعد الظهر أو في المساء. يقول يحيئيل غروسبرغ، وهو من فريق صيانة عوفره وعضو في جماعة الاستعداد، ان التدريب الذي جرى عليهم في الصيف مثل حادثة اخلال بالنظام من واحدة من القرى المجاورة بلغت الى المستوطنة.

        سألنا هل سيطلقون النار في هذه الحال على من يدخلون المستوطنة. واختار ألا يجيب، فأجاب بدلا منه مُركز الامن في عوفره، يئير شوسهايم: "هذا سؤال جيد. عند الجيش خطوط رد ابتداءا من 400 متر الى 300 متر عن ارض المستوطنة يطلق الجنود غازا مسيلا للدموع. وعند 150 – 200 متر ينتقلون الى اطلاق رصاص مطاطي. واذا لم يساعد هذا ينتقلون الى اطلاق نار على الأرجل. لكننا قد نواجه مشكلة لأنهم اذا أقاموا نساءا واولادا في مقدمة المسيرة فلن يستطيعوا في الجيش اطلاق النار. فالأوامر الى الجيش هي عدم اطلاق النار على النساء والاولاد".

        وماذا ستفعلون اذا دخل الاولاد والنساء عوفره عليكم؟

        "لا أقول اننا سنطلق النار، لكن كيف نعلم من يبغي السلام ومن لا يبغيه؟ ان اولادا فلسطينيين من أبناء الثالثة عشرة قد قتلوا في الماضي. أوضحت لقائد اللواء أننا لن نتحمل دخول فلسطينيين الى المستوطنة، لكننا سنستعمل تقدير الامور".

        لا يريد العاد شيلي، ضابط الامن في بيت إيل، ان يفكر ألبتة في هذا السيناريو: "الحديث عن كارثة علينا وعلى الفلسطينيين. ان بيت إيل رمز، فهي ملتصقة برام الله ومحاطة بقرى فلسطينية. أومن أن الجيش سينجح في وقفهم قبل المستوطنة، وان الجنود سيكونون ذوي تصميم كاف على منع وصولهم الينا، أدعو الله ألا نضطر الى العمل. إن وجود 100 فلسطيني أو 200 داخل بيت إيل كارثة".

        يقول شوسهايم: "فكرا في الصورة التالية: آلاف يسيرون في مسيرة من ميدان المنارة الى مفترق "أيوش"، والمسافة كيلومتر ونصف. لا يطلقون النار ولا يرمون الحجارة بل يسيرون فقط. يطلقون الغاز عليهم ولا يقفون. ويطلقون الرصاص المطاطي ولا يقفون. ويرشون الماء ويستعملون المادة الكريهة الرائحة وهم سائرون. وآنئذ ينتقلون الى اطلاق نار حية والله يستر".

        يقول موتي يوغاف، نائب رئيس المجلس الاقليمي "متيه بنيامين" انه يشعر بأن الاعداد للاحداث كان يمكن ان يكون أفضل. وهو يلقي التبعة على قائد فرقة "أيوش" (ارض اسرائيل والسامرة)، العميد نتسان ألون. ويزعم يوغاف انه "منذ تولى عمله، لم يُجر تحادثا معنا ولم يبن ثقة. والشعور هو بأن عدم التحادث يضر بالاستعدادات للأحداث التي قد تتطور هنا، مثل موضوع أوامر اطلاق النار على المدنيين، كله. لم يحدد الجيش لجماعات الاستعداد بصورة واضحة كيف يجب عليهم العمل اذا وجدوا أنفسهم في خطر على حياتهم".

        جاء عن متحدث الجيش الاسرائيلي ردا على ذلك ان "الجيش الاسرائيلي يرفض هذا الكلام بامتعاض. فالحديث عن زعم بائس لا يستوي مع الواقع ولا يساوق جملة الاعداد والاستعداد عند الجيش الاسرائيلي عامة وقيادة المركز خاصة قُبيل ايلول 2011. الجيش الاسرائيلي جاهز ومستعد للتحديات وسيستمر على تحقيق عمله في الدفاع عن سكان الدولة".

        سنوقفهم بكل ثمن

        اجتزنا كروما في الطريق الى البؤر الاستيطانية في منطقة شيله و"شفوت رحيل". كتب في اللافتة عند مدخل واحدة منها: "زراعة هنا – وطن هنا". في عدي – عاد، وإيش – كوديش، وكيداه، وأحياه، وغال – يوسف وهبيت هأدوم يسكن اليوم نحو من مئة عائلة ونحو من عشرين أعزبا. ثلاثة كيلومترات مربعة بلا أسوار وبلا كاميرات مراقبة. كل شيء مفتوح الى الطبيعة. والجيران الفلسطينيون في قرى المغير وكسرى وجلود وامثالها موجودون غير بعيد عن هنا.

        يسكن مئير بارتلر في "هبيت هأدوم"، على تلة صغيرة مقابل البؤرة الاستيطانية "عدي – عاد". وهو في الخامسة والعشرين، ومتزوج ووالد لثلاثة اولاد صغار، يعتاش بكونه وكيل مبيعات وممثلا للبؤر الاستيطانية عند وسائل الاعلام. وهو يسكن وحده بلا جيران، وفي الليل لا يقفل الباب، ويترك المفاتيح داخل السيارة.

        "أنا غير قلق ألبتة"، يقول ويبدو هادئا حقا، "لا أرى أي انفجار في الأفق. ليس لاعلان الفلسطينيين أي معنى عندي وعند من يعيشون هنا، سنستمر في الغرس والبناء والتطور. يقلقني أكثر من ذلك ان حكومة اسرائيل لا تنوي الرد على الاعلان الفلسطيني بضم يهودا والسامرة".

        ماذا ستفعلون اذا سار العرب في مسيرات الى هنا؟

        "لن يقترب أي عربي من هنا. لن ندع أحدا يدخل اراضينا ولا حتى على مسافة نظر من بيوتنا. سنوقفهم بكل ثمن. في اللحظة التي يبدأون فيها السير نحونا، سنأخذ الاولاد والنساء ونسير في مسيرة نحوهم الى قراهم".

انشر عبر