شريط الأخبار

التهالك على المهالك.. علي عقلة عرسان

01:18 - 09 كانون أول / سبتمبر 2011


التهالك على المهالك.. علي عقلة عرسان                               

 

تتعالى أصوات سوريين معارضين في داخل البلاد وخارجها، تشاطرها أو تتجاوب معها أصوات عربية قليلة وغربية كثيرة، وهي أصوات تنادي بتدخل خارجي في سورية لأن النظام لا يستجيب ولا يرتدع ولا يكف عن استخدام القوة، ومدخل أولئك إلى مطالبتهم تلك أو ذريعتهم هي "حماية المدنيين" وبعضهم يذهب إلى القول بـ " حماية الشعب السوري من بطش النظام".. ومطالب تلك الأصوات تأخذ طريقها إلى إعلام معين يضخمها ويصدرها على نحو مثير ليجعلها صوتاً قوياً عاماً مرتفعاً ومطلباً مشروعاً من جهة، وذريعة بيد مؤسسات وقوى خارجية للتدخل في الشأن السوري من جهة أخرى. وبين أصحاب تلك الأصوات من يفصِّل ويوضح وبينهم من يوجز أو يغمغم ولا يفصح ليكون مع هذا المطلب وضده عندما يتبين له مآل الأحداث والمطالب أو مدى الاستجابة الخارجية لها. وهناك أصوات معارضة ترفض هذا المبدأ من أساسه لكن صوتها لا يرتفع إلى درجة تضاهي ارتفاع الأصوات من النوع الأول، وبعضها يقول بـ " لعم" بمعنى لا ونعم بصورة ضمنية.

وينصرف قول القائلين بالتدخل إلى المطالبة بفرض منطقة حماية أو/ و فرض حظر جوي على سورية، والتعاون مع الشيطان وبأي شكل كان لإسقاط النظام القمعي و.. إلى آخر ما هنالك من المطالب التي من هذا النوع التي لا يمكن أن تقوم بها إلا قوى خارجية، أوربية وأميركية بالتحديد، تتمثل في حلف شمال الأطلسي بالنتيجة، وبين تلك القوى دول تشارك بالأحداث والأزمة والتأزيم على نحو مكشوف ومعروف، وتدفع باتجاه فعل يُبنى على قرار من مجلس الأمن الدولي بمبادرة عربية إن أمكن، ليغطي ذلك كل ما سيجري، على غرار ما حدث في ليبيا حتى لا نذهب إلى ما حدث في العراق.

وعلى هذا فإن مقاربة أولية ضرورية لتبيُّن ما يمكن أن تؤول إليه المطالبة بالتدخل الخارجي في الشأن السوري، وما يتطلبه فرض حظر جوي أو ما يسمى مناطق حماية هنا وهناك في سورية من فعل ذي نتائج كارثية على الشعب والوطن، كل الشعب وكل الوطن.. فهل يدرك أولئك الذين ينادون بالتدخل الخارجي وبفرض مناطق حماية ومناطق حظر جوي معنى ذلك ومغزاه وترجمته على أرض الواقع؟ وهل قرأ أولئك، بمسؤولية وطنية ووعي عميق ورؤية شاملة، معني ودلالات وترجمة ذلك الذي يقولون به على أرض الواقع، وهل قاربوا فعلاً ما بُني عليه وما نتج عنه في المثال الليبي على الأقل حتى لا نذهب إلى الأنموذج العراقي!؟ ربما نعم وربما لا، وفي حال القول بعم فإن المسؤولية تغدو جسيمة إلى الحد الذي يوجب اتهامات خطيرة، وفي حال لا فإن الجهل بالأمر لا يسوغ الإقدام عليه، كما أن الجهل بالقانون لا يعفي من تطبيق أحكامه على من يجهلها. إنني لا أدعي معرفة دقيقة وشاملة وكاملة لتلك المجالات التي يطالها حظر جوي أو فرض مناطق حماية وفق منطق الاستراتيجيين من العسكريين على الخصوص، ولكنني أدرك أن لذلك أبعاداً متعددة: سياسية وعسكرية واستراتيجية واقتصادية واجتماعية، ومقاربتي لما أعرف في هذا السياق قد تساهم في تقديم فكرة لمن يريد أن يستكمل الصورة.. وعليه أقول:

ـ إن فرض حظر جوي يعني أن تقوم القوة التي تنفذه بالآتي في المراحل الأولى التي تمهد للحظر ومن ثم تفرضه: "تدمير قوى الرصد والكشف والاتصال والضبط والربط، وتدمير قوى الدفاع الجوي السورية من مدافع وصواريخ مضادة للطائرات، وتدمير الطائرات وحظائرها والمطارات العسكرية والمهابط في المطارات التي يمكن أن تمكن طائرات من الحركة. ومن ثم جعل القوة العسكرية السورية الأخرى، بأسلحتها ومعداتها وآلياتها وأفرادها مكشوفة تماماً أمام الطيران الذي يقوم بالحظر.. حيث ينتقل هذا إلى تدمير الجيش وكل ما ومن يقع تحت ضرباته من مدنيين ومنشآت مدنية، وتدمير مخازن السلاح ومقرات القوات وما شاء له أن يدمر من مؤسسات مدنية بذريعة تقديمها دعماً عسكرياً.. و.. و.. والفتك بكل ما من شأنه أن يكوّن مؤسسات وقدرة عسكرية، دفاعية أو هجومية، مما بناه شعبنا منذ الاستقلال وحتى اليوم وقدم ما لا يمكن تقديره وإحصاؤه وحتى تصوره من مال وتضحيات وجهود في سبيل بنائه. 

ـ وإن تدخلاً خارجياً، وحلف الأطلسي هو قوة التدخل وأداته، يعني فعل كل ذلك الذي سبقت الإشارة إليه في الفقرة السابقة، وإفناء ما لا يعد ولا يحصى من السوريين، وإعادة سورية إلىالوراء قروناً وإلى سيطرة الاستعمار، وتفكيك بنية الوطن ولحمة الشعب، وإدخال البلاد في دوامات صراعات إثنية وطائفية ومذهبية وحزبية.. و.. و.. من كل نوع، ليبقى المستعمر ومن يرتبط به فوق الجميع، ويدفع الوطن والشعب تكاليف القتل والنهب والسلب والاستعمار وكل ما يتصل بذلك التاريخ المظلم المعروف لشعبنا وأمتنا.

إن كلامي هذا يعني رفضاً قاطعاً لتدويل الأزمة التي تعيشها سورية ولأي تدخل خارجي من أي نوع في الشأن الداخلي السوري، أياً كانت أسبابه وذرائعه وحجج القائلين به، ورفضاً لاستعداء الآخرين على الوطن أو رهنه وفرض تبعية عليه ليكون فريق فيه مسيطراً على فريق بقوة الدعم الخارجي والتحالف، أياً كان من يفعل ذلك أو ينادي به.. فلا يبرَّر لأي سوري، سواء أكان في السلطة أو في المعارضة، من داخل الوطن أو من خارجه، أن يرهن الوطن والشعب والمستقبل لينتصر أو يحكم أو ليبقى في الحكم ويسيطر على مقاليد الأمور وإرادة الشعب بأي ثمن وبأية وسيلة.

وكلامي يعني أيضاً، وبالدرجة ذاتها من الوضوح والقوة، عدم قبول القمع والقتل ولغة القوة والاحتجاج المسلح للوصول إلى المطالب أو لحسم الصراع الداخلي أو الخلافات التي أصبحت للأسف صراعات دموية مكلفة ومرهقة وتؤسس لما بعدها من ضغائن وعداوات وفتن وصراعات تخرب الوطن والعلاقات الشعبية المتينة التي لأبناء شعبنا بعضهم مع بعض.. إن شعبنا بغنى عن الفتن والصراعات التي من ذلك النوع ويكفيه ما يواجه من تحديات على رأسها تحدي التحرير والتنمية وإعادة التآلف الاجتماعي العام الذي أصيب في الصميم من جراء الأزمة وتطوراتها وأساليب دخولها والتعامل معها.

إن من حق كل سوري معني بهذه الأزمة التي تمر بها سورية، ممن له دور مباشر في الحدث حسب موقعه وموقفه، أياً كان موقعه وموقفه، أن يفكر ويقدر ويقرر ما يشاء، فتلك رؤيته وخياراته وتوجهاته وما يراها مسؤوليته، ولكن عليه أن يعرف أن كل فعل وكل رد فعل وكل حدث وحدث مضاد أو ناتج عنه ومسبب لغيره مما يستدعيه أو يبنى عليه، أياً كان من يقوم به أو يختاره أو يدعو إليه، ينعكس بصورة مباشرة على الوطن والشعب كله، ويمس المواطنين جميعاً ـ لا سيما الأبرياء منهم والأجيال التي لم تبلغ حد النضج والتقرير ـ بصورة من الصور والمواطنون جميعاً شركاء في الخيارات والقرارات والمعاناة والمصير، لا سيما أولئك الذين يعيشون الحدث ونتائجه على أرض الواقع ممن أيديهم في النار ولا يراقبون الأمور والأحداث من وراء البحار.. كما أن عليه أن يدرك ويعرف أن من حق أولئك المواطنين، وهم الكثرة الكاثرة، أن يكون لهم رأي ورؤية وإرادة وموقف وقرار وصوت يرتفع أيضاً ليسمعه كل من يفكر ويقدر ويقرر ويحكم على القائم والقادم من الأحداث والتصرفات والخيارات والتوجهات والممارسات، بوصف أولئك شركاء في المواطَنة ومعنيون بالأحداث ونتائجها وانعكاساتها على المدى القريب والبعيد.. وبوصفهم ـ وفق جزئية مهمة من الجزئيات المكونة للديمقراطية المنشودة وهي رأي الأغلبية التي تحدد عند الحسم بـ 51% من الأصوات ـ بوصفهم الشعب حقيقة، رغم ادعاء من يطالب باسم الشعب ومن يحكم باسمه أيضاً بأنه يمثل إرادة الشعب وينطق باسمه ويقرر نيابة عنه.

إن على الذين يذهبون بسورية إلى المجهول، ويجرونها إلى المهول من الأحداث والفتن والوقائع، ويجعلون جزءاً من تاريخ هذه الأزمة يكتب بالدم ويورث الدم ويؤسس لما بعده من علاقات مسكونة بضغائن ووساوس وعداوات وثارات..إلخ عليهم أن يدركوا حقائق على رأسها أنهم لا يملكون البلاد والعباد ومصائر الناس، وليس لديهم تفويضاً مطلقاً بالتصرف بمصير البلاد على هواهم حتى لو انطلقوا من نوايا حسنة وحرص شديد، وأنه لا يجوز لهم أن ينطقوا باسم الشعب ويقرروا باسمه من دون تفويض محدد الهدف والمدى والمدة يتم بديمقراطية كاملة النزاهة والدقة والوضوح.. ذلك لأن الشعب هو كل أبناء الوطن وليس فئة منهم، وهو يعبر عن رأيه وموقفه، ويمنح الثقة ويحجبها وفق أصول وبطرق ديمقراطية سليمة معروفة جيداً لمن يريد ديمقراطية وحرية ومساواة حقيقية بين الناس وحكماً عادلاً باسم الشعب والقانون، يعزز مكانة الشعب وسيادة الوطن، ويرسي دعائم العدل وسلم القيم، وينجز عملاً وطنياً وقومياً يأخذ بخيارات الشعب وتوجهاته ويعبر عن إرادته ويلبي احتياجاته.

إن لحل الأزمة السورية التي طال أمدها وما زالت نارها تعسَّ في أنفس ومواقع وتشتعل في أخرى، إن لحلها مداخل، حين تصدق النوايا وتقوم العلاقات على أرضية من الاحترام والثقة المتبادلين بين الأطراف المعنية بحلها، وهي مداخل يراها ويعرفها ويهتدي إليها ويُقبل بها ويقبَل بها من يرفع شأن الوطن ومصلحة الشعب وصوت العقل والضمير وروح الشرع والقانون فوق كل الأمور والاعتبارات والخلافات والضغائن الأخرى.. ولتلك المداخل شروط ومناخ ومواصفات لا بد ن مراعاتها والتمهيد لها، ويأتي على رأسها نبذ التعصب والتطرف وروح الانتقام والأخذ بفضيلة التواضع الذي يقتضي من كل طرف التراجع عن ادعاء العصْمة وامتلاك الحقيقة، والزعم بالأهلية التامة على الحكم على الآخرين من دون دليل أو خارج تحكيم القانون ومؤسسة القضاء وروح المنطق.. وحين يهيأ المناخ والشروط والثقة والنوايا الحسنة ويُعلى شأن الشعب والوطن ومصالحهما وإرادتهما على كل المصالح والإرادات.. يصبح كل معني وحريص وطالب لموقع ومنصب خادماً وصالحاً للخدمة بمقدار ما يملك من معرفة وعلم وحكمة ومهارة وقدرة على الأداء ضمن الأسس والمواصفات المحددة بإرادة الشعب، ويعلو ويتقدم بمقدار ما يضحي ويرتفع ويترفع عن الصغائر والمفاسد، وبمقدار ما يُقبل على الحكمة والعقل والمصلحة العليا للشعب والوطن الأمة بروح إيجابية غيرية بعيداً عن الأنانية المتورمة والعدائية المجانية والتعصب والتطرف والارتباطات الضيقة، سواء أكانت داخلية أو خارجية.. عند ذاك ندخل من أبواب الحل من باب الحوار الضيق الذي يتسع مداه بالثقة والتفاهم ليتسع لكل رأي حسن ورؤية سليمة وموقف شجاع.. وعند ذاك نقدر وندبر وننصف ونعطي أنفسنا للوطن ولا نرهن الوطن لأنفسنا.. فهل إلى ذلك من سبيل قبل فوات الأوان؟ نسال الله سبحانه أن يهدينا سواء السبيل وأن يجنبنا كل ما يفضي إلى التهالك على أعراض الدنيا المفضي بدوره إلى المهالك.. فنحن أحوج ما كون إلى تجنب التهالك على المهالك.

 

 

انشر عبر