شريط الأخبار

في مسار صدام..إسرائيل اليوم

11:03 - 09 كانون أول / سبتمبر 2011


بقلم: شلومو تسيزينا

اتخذ رئيس الحكومة في نهاية الامر قرار أننا لن نعتذر. فبعد مباحثات طويلة استمرت الى الليل، ومبعوثين تبدلوا وما لا يحصى من الاتصالات، كان الشعور في ديوان رئيس الحكومة ان الاتراك لا يتركون خيارا آخر. وبعد أن أحرق الاتراك الجسور الاصطلاحية التي عُرضت واحدا بعد الآخر حول طلب الاعتذار، رفضوا امكانية تأجيل نشر تقرير بالمر نصف سنة كما طلب بنيامين نتنياهو.

        طلب الاتراك الحفاظ على قنوات سرية لكنهم خرجوا بتصريحات علنية هجومية. ومنذ نشر تقرير بالمر يوم الجمعة الماضي استعمل رئيس الحكومة التركي رجب طيب اردوغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو خطة المراحل السبع التي أعداها لمجابهة اسرائيل. ففي اسبوع واحد استطاع الاتراك فعل الكثير. من طرد سفير اسرائيل ونائبته وسائر الحلقة الدبلوماسية الرفيعة لاسرائيل الى اعادة ناسهم من تل ابيب حتى مستوى امين السر الثاني، وتجميد العلاقات العسكرية والامنية والعلاقات الاقتصادية والتجارية والحومية، وإذلال مسافرين اسرائيليين في المطار المحلي، الى اطلاق تصريحات بأن تركيا ستزيد في وجود سفنها الحربية في شرق البحر المتوسط.

        الاعتذار لن يُغير

        ان هذه التصريحات عن زيادة الوجود شرقي البحر المتوسط جزء من خطة لاعادة السيطرة على البحر الى أيد تركية كما كان الامر ايام مجد الدولة العثمانية. وقد هدد اردوغان في الماضي ايضا بأنه سيرسل قوة بحرية مهددة الى قطاع غزة لكن ذلك كان قبل انتخابات وهو الآن لا يجري الى أي مكان. وهو الآن الى ذلك يتمتع باستطلاعات رأي تدل على أنه الزعيم الأكثر شعبية في العالم العربي.

        في القدس وأنقرة خطوا نحو هذه الازمة على علم. ففي مباحثات في اسرائيل خلصوا الى استنتاج ان الاعتذار لتركيا غير مجدٍ. توجد احيانا حالات يجب فيها على دولة الاعتذار، كما يعترفون في المستوى السياسي، لكن الحال ليست كذلك. فلا سبب يدعو الى منح الاتراك انجازا. وهكذا فان القرار على عدم الاعتذار نبع من تفكير ومن جملة تقديرات: ماذا يريد الاتراك، وهل سيعيد الاعتذار العلاقات الى ما كانت عليه، وهل من الصحيح التنازل عن الكرامة الوطنية في الوضع الجغرافي السياسي الحالي. وتوجد فوق السياسة ايضا مسألة عدالة النهج.

        في المباحثات في الثمانية قاد نائب رئيس الحكومة، الوزير موشيه يعلون، خط عدم الاعتذار. وزعم انه من وراء اجراءات تركيا عمود فقري قوي لا يتعلق باسرائيل ولا بهذه الحكومة أو غيرها بيقين. وقد بدأ كل شيء في دافوس 2009 حينما غادر اردوغان منصة مشتركة مع الرئيس شمعون بيرس على أثر "جرائم في الانسانية" نفذتها اسرائيل في الفلسطينيين. الاعتذار لن يُغير شيئا.

        ووافقه على ذلك وزير الخارجية افيغدور ليبرمان وأيده، لكنه كان ايضا متبحبحا. فقد بين علنا أنه اذا قرر نتنياهو الاعتذار فسيكون خطأ لكنه لن يسقط الحكومة. أنت رئيس الحكومة ويحق لك أن تقود اخطاءك، بين ليبرمان. وأقنع الوزراء باراك وشتاينيتس ومريدور نتنياهو بأنه يجب عليه ان ينهي الازمة مع تركيا بـ "اعتذار مخفف" بصيغة "اسرائيل تعتذر عن أخطاء تمت"، دون تفصيل. ووافق الاتراك على هذه الصيغة بحسب ما يقول مقربون من الوزير انشغلوا في الصيغة المتحدث عنها، لكن الاتراك من الغد صدروا بتصريح معلن بأنهم غير مستعدين لأية صيغة مصالحة ومعنى هذا ان الاتراك وجهوا أنفسهم الى مسار صدام.

        استخذاء امريكي

        أفضت المواجهة التركية الى شعور كبير بالمرارة في القدس نحو البيت الابيض، فاسرائيل خائبة الأمل بعدم وجود الحزم الامريكي مع اردوغان. فلا شك انه كان يمكن قيادة اجراءات مختلفة في اتجاهات مختلفة ووقف الحماسة التركية للمجابهة قبل ذلك.

        تم بحث وضع العلاقات بين اسرائيل وتركيا في لقاء وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون مع وزير الخارجية التركي في باريس في الاسبوع الماضي، في محادثات السفير الامريكي في أنقرة مع ممثلي السلطات في تركيا. وتمت محادثات موازية مع كبار المسؤولين في اسرائيل.

        هذا الاسبوع زار اسرائيل مستشار رئيس الولايات المتحدة، دنيس روس، الذي جاء مع المبعوث الخاص الجديد الى الشرق الاوسط، ديفيد هيل، ومع مستشار اوباما السابق الذي أصبح اليوم سفير الولايات المتحدة في اسرائيل، دانييل شابيرو. والتقوا مع رئيس الحكومة ووزير الدفاع وأُثيرت جميع المشكلات وعلى رأسها ازمة اسرائيل مع تركيا. وكان واضحا للطرفين ان الامريكيين رفعوا أيديهم حينما فهموا ان اسرائيل لن تعترف اعترافا كاملا وان الاتراك غير مستعدين للمرونة.

        لا ينبع سبب التخلي الامريكي من يأس في مسارات التفاوض بين اسرائيل وجاراتها بل بسبب شكر الامريكيين الاتراك لنصب رادار مهم للحماية من الصواريخ البالستية نُصب على ارض تركيا بعد طلبات كثيرة من براك اوباما. ودفع البيت الابيض ضريبة صمت، وتضررت اسرائيل.

        وكانت زيارة اخرى هذا الاسبوع الى القدس لوزير دفاع اليونان عدو تركيا. ان العلاقات بين اسرائيل واليونان توثقت جدا في فترة حكومة نتنياهو. فالعلاقات التي بدأت في لقاء عرضي بين نتنياهو ورئيس الحكومة اليوناني جورج بباندريو في مطعم في موسكو أفضت الى تعاون استراتيجي. ويبدو أن كل شيء متصل بكل شيء. فقد هددت تركيا هذا الاسبوع قبرص بألا تجري تنقيبا بحريا وإلا فسترسل الى المنطقة اسطولها البحري. ودعت اليونان تركيا الى الهدوء.

        الجبهة بين تركيا وسوريا غير هادئة ايضا. وهناك في وزارة الخارجية من عرّف تركيا بأنها "فتى يتجول ويريد أن يصبح أزعر الحي". وفيما يتعلق بالشؤون غير العسكرية، يُبينون في اسرائيل أن "عندنا أدوات ضغط ايضا" واذا كانت تركيا تسير في الخط الهجومي المدمر الذي اختاره اردوغان فستُهدم العلاقات الاقتصادية والسياحية ويتضرر الاتراك ايضا.

        صمت هادر

        في الاسبوع الذي هدرت فيه المدافع من أنقرة، صمتت عندنا. فنتنياهو وليبرمان بل داني ايلون صمتوا ببساطة. يريد اردوغان ان ينفذ في اسرائيل آذار تركيا، قالوا هذا الاسبوع في القدس، لكن يجلس أمامها لاعب شطرنج. يريد الاتراك مواجهة ويريدون اعلانا ولن نُجر الى زاوية في هذه السوق التركية. في يوم الثلاثاء فقط استقر رأي نتنياهو على ارسال مبعوث من قبله الى وسائل الاعلام يتحدث في الموضوع. وفي مراسم افتتاح عطفة جديدة في مفترق "هموفيل"، دخل نتنياهو ووزير النقل العام اسرائيل كاتس في سيارة وتحدثا في هذا الموضوع. وخرج كاتس الى الصحفيين وتحدث عن ان رئيس الحكومة محق وانه لا يوجد ما يُعتذر عنه لتركيا وأوضح انه اذا كان يُحتاج الى اسماع اعتذار فيجب ان يكون اعتذارا تركيا لاسرائيل.

        وذكّر كاتس بطلب اردوغان ازالة الحصار عن غزة باعتبارها شرطا لتطبيع العلاقات. وهذا طلب يميلون الى نسيانه وحصر العناية في طلب الاعتذار. وهو طلب كرره تكريرا خاصا بعد ان نشرت الامم المتحدة يوم الجمعة الماضي تقرير بالمر الذي بين قانونية الحصار البحري الاسرائيلي. وقد فرض الاتراك اللجنة الدولية لكن عندما بينت استنتاجاتها ان الحق مع اسرائيل أعلن اردوغان ان التقرير باطل ملغى.

        نظروا هذا الاسبوع في وزارة الخارجية في صورة الزعيم التركي: ان رجب طيب اردوغان ذو لقب جامعي في الاقتصاد من جامعة مرمرة، ورئيس بلدية اسطنبول السابق والذي يريد ان يعيد تركيا الى ايامها إذ كانت امبراطورية اقليمية. وهو اسلامي فشل في محاولته ضم دولته الى الاتحاد الاوروبي. غير أن كل شيء في الشرق الاوسط يتحرك سريعا. ان مواطنة الشرف التي حصل عليها اردوغان في طهران في 2009 والجائزة الدولية لحقوق الانسان باسم معمر القذافي في 2010 لم تعودا ذواتي صلة بالربيع القاتم لـ 2011. والسؤال هو كيف سيُسير هذا الربان الاكبر سفينته – مثل قرصان أم يتنبه ويقود المنطقة كلها الى شاطيء الأمان.

انشر عبر