شريط الأخبار

أسئلة مشروعة حول خطوة صائبة../ علي جرادات

10:59 - 07 تموز / سبتمبر 2011

أسئلة مشروعة حول خطوة صائبة علي جرادات

"السياسة جبر وليس حساباً"، ما يوجب عدم تبسيط قضاياها، والخطوة الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة، خطوة سياسية معقدة، ويصعب التعامل معها، أو الحكم على نتائجها، بمنطق نعم أو لا، فهي خطوة صائبة، بل ضرورية، في مبدئها، لكنها تحتاج إلى تمحيص وتدقيق في ملموسها، من حيث: دافعها، (إدارة أزمة التفاوض الثنائي برعاية أمريكية وليس الخروج منها)، وسقفها، (عضوية الدولة الفلسطينية وحدودها وليس ملف القضية الفلسطينية برمته)، وعلاقتها بالانقسام الوطني، ( تهدئته وليس إنهاءه)، وهدفها، (الضغط التكتيكي على الرعاية الأمريكية وليس استبدالها)، علاقتها كخطوة سياسية دبلوماسية بالنضال الشعبي، (بالمعني الواسع للكلمة)، (محاولة تحريكه لحظياً وليس إستراتيجياً).

   

   في المبدأ ليس لأحدٍ أن يجادل في صوابية خطوة إعادة ملف جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، القضية الفلسطينية، إلى هيئة الأمم المتحدة، إلا أن يكون، (بمعزل عن النوايا)، إما جاهلاً، أو قليل معرفة، بحقيقة أن القضية الفلسطينية، كانت، ولا تزال، نشأةً ومساراً ومآلاً، قضية دولية بامتياز. ولكن إعادة ملف القضية الفلسطينية برمته، رعاية ومرجعية، إلى هيئة الأمم المتحدة شيء، والتوجه إلى هذه الهيئة بطلب الحصول على عضوية دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، شيء آخر، والفرق هنا هو كالفرق بين أن تكون خطوة التوجه للأمم المتحدة بمثابة خطوة ضمن إستراتيجية جديدة تقطع بالكامل مع خيار المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية، وبين أن تكون مجرد خطوة تكتيكية ضاغطة في إطارها.

  

   وفي المبدأ أيضاً، ليس لأحدٍ أن يجادل في الأهمية السياسية لهذه الخطوة إلا أن يكون إما عدمياً، أو غير واعٍ تماماً لحقيقة الترابط الموضوعي بين النضال السياسي، بجبهاته، ومنها الدولية، وبين باقي أشكال النضال، التي خاضها الشعب الفلسطيني، ولا يزال، بهدفِ استرداد حقوقه الوطنية والتاريخية المغتصبة، وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.ولكنالإقرار بأهمية النضال السياسي شيء، واختزاله في العمل على الجبهة الدولية شيء آخر، والفرق هنا هو كالفرق بين أن تكون خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة خطوة ضمن إستراتيجية متكاملة للعمل السياسي، وبين أن تكون مجرد خطوة دبلوماسية.

  

   وفي المبدأ أيضاً، ليس لأحدٍ أن يجادل في أهمية هذه الخطوة وصوابيتها، ذلك أن النضال الوطني الفلسطيني، بكافة أشكاله، وعلى امتداد مسيرته المديدة والمُعقَّدة، وبمعزل عن تحولات وتيرته من مرحلة إلى أخرى، تبعاً للتحولات الذاتية والموضوعية المحيطة، كان، ولا يزال، نضالاً سياسياً في جوهره، ودفاعياً مفروضاً في أشكاله ووسائله، ما ينفي عنه وصمة "التخريب" و"الإرهاب" وعمل قطَّاع الطرق، كما أشاع وعبأ وحرضَ، بتخطيط واعٍ مدروسٍ وممنهجٍ، قادة إسرائيل، ومَن يواليهم لمصلحة أو لجهل، ما يحيل إلى حقيقة أن النضال الوطني الفلسطيني، إنما يستهدف، (أولاً وأخيراً)، تحقيق هدفٍ سياسي، يتمثل في استعادة حقوقٍ وطنيةٍ وتاريخيةٍ مغتصبةٍ، تعترف بمشروعيتها، وتقر بعدالتها، قرارات دولية، عطلت تطبيقها دولٌ غربيةٌ استعماريةٌ عظمى ذات تحالف مصلحي، تقودها اليوم أمريكا، مع مغتصبِ هذه الحقوق، إسرائيل، قوة الاحتلال المحترفة للحروب، والماضية في التوسع الاستيطاني التهويدي والعدوان، والرافضة للتسويات السياسية، اللهم إلا إذا جاءت على مقاس رؤيتها وشروطها التعجيزية، التي تحيل التسوية إلى استسلام. ولكن الإقرار بالجوهر السياسي للنضال الوطني الفلسطيني شيء، وعزله عن باقي أشكال النضال شيء آخر، والفرق هنا هو كالفرق بين أن تكون خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة مدعومة بخيار النضال الشعبي، وليس بالضرورة المسلح فقط، وبين أن تكون معزولة عن هذا الخيار.

 

   وفي المبدأ أيضاً، ليس لأحد أن يجادل في أهمية هذه الخطوة وصوابيتها، خاصة وأنها تأتي بعد عقدين مِن صَلْبِ ملف القضية الفلسطينية على جدار ملهاة مفاوضات ثنائية عبثية وعقيمة، بل، وضارة، برعاية أمريكية معادية، أي بعد رهان أكثر، وأطول، من اللازم، على هذه المفاوضات، وعلى راعيها الأمريكي، الذي اتخذ قراراً سياسياً معلناً بمواجهة هذه الخطوة، سواء من خلال التهديد، (استخدام الفيتو في مجلس الأمن)، أو من خلال الابتزاز، (وقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية)، أو من خلال الضغط لإجبار الفلسطينيين بالتراجع عن هذه الخطوة، أو من خلال الضغط لتقليل عدد الدول، (وخاصة ذات الثقل النوعي في السياسة الدولية)، التي يمكن أن تدعم هذه الخطوة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو من خلال العمل على تجويف هذه الخطوة، إذا ما أصبحت حقيقة واقعة. ولكن الإقرار بوصول الرهان على الرعاية الأمريكية للمفاوضات إلى طريق مسدودة شيء، واستمرار الرهان على إمكان تعديل هذه الرعاية بخطوات تكتيكية ضاغطة شيء آخر، والفرق هنا هو كالفرق بين أن تكون خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة خطوة ضمن إستراتيجية سياسية تسعى، ولو بتدرج، إلى سحب ملف القضية الفلسطينية من الاحتكار الأمريكي، وبين أن تكون مجرد خطوة تكتيكية في إطاره.  

 

   بلى، في المبدأ ليس لأحد أن يجادل في أهمية وصوابية خطوة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة، لكن في التطبيق العملي، وارتباطاً بكون الخطوة ليست خطوة ضمن إستراتيجية جديدة تقضي بالقطع الكلي مع خيار المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية، وبنقل ملف القضية الفلسطينية برمته إلى هيئة الأمم، رعاية ومرجعية، ومطالبتها بإلزام إسرائيل بتنفيذ قراراتها التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، فإن ثمة أسئلة تثير الخشية، وتستحق التبصر، وتحتاج إلى إجابات دقيقة، لعل أهمها:

 

   في ضوء الفيتو الأمريكي الجاهز في مجلس الأمن، فإن أكثر ما يمكن أن تحرزه هذه الخطوة هو قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعترف بعضوية دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، كدولة غير عضو، (non member state)، التي رغم أهميتها من حيث أنها تتيح، خلافاً لمكانة عضوية منظمة التحرير الفلسطينية، كعضو مراقب، الانضمام إلى الهيئات المتخصصة للأمم المتحدة، إلا أنها تفتح الباب على سؤال جدي حول مكانة منظمة التحرير، بوصفها حركة تحرر وطني، تناضل من أجل استرداد كامل الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية المغتصبة، وبوصفها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والسؤال هنا: هل يكفي لتجنب هذا المحظور القول: بأن طلب عضوية الدولة الفلسطينية سيقدَّم باسم منظمة التحرير؟ فهل حالَ، (مثلاً)، التفاوض وتوقيع الاتفاقيات وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية باسم منظمة التحرير، دون تهميشها، ودون الإحلال العملي للسلطة محلها؟

 

   قصارى القول، على الرغم من أن ليس لأحدٍ أن يجادل في مبدأ أهمية وصوابية، بل وضرورية، التوجه الفلسطيني إلى هيئة الأمم، إلا أن الخطوة الملموسة لهذا التوجه، يكتنفها فعلاً العديد من الأسئلة الجدية التي تستدعي مزيداً من التبصر، وتحتاج إلى تقديم إجابات أكثر دقة.    

انشر عبر