شريط الأخبار

استعصاءات في المشهد الفلسطيني ..بقلم علي بدوان

10:25 - 31 حزيران / أغسطس 2011

استعصاءات في المشهد الفلسطيني ..بقلم علي بدوان

صحيفة الوطن القطرية

في الوقت الذي تعيش فيه بعض الساحات العربية حالة من الخضات والهزات العنيفة، ومن التوترات والتشنجات التي انطلقت من تونس وامتدت الى بعض البلدان العربية، فإن الساحة الفلسطينية تشهد بدورها حالة من الاستعصاء السياسي الكبير بعد أن راوحت المصالحة الفلسطينية مكانها، وبعد أن اصطدم الطرفان الفتحاوي والحمساوي باشكالات كبيرة مازالت الى الآن تعيق تطبيق بنود المصالحة التي وقعت قبل مدة قصيرة، اضافة لوجود حراكات داخلية في الساحة الفلسطينية حيال المواضيع المطروحة على جدول الأعمال، ومنها ما بات يسمى بـ «استحقاق أيلول»، فضلاً عن انسداد أفق التسوية بعد تجميد المفاوضات، وابتعاد الادارة الأميركية عن ممارسة الضغوط الجدية على حكومة الاحتلال لوقف عمليات تهويد ونهب الأرض.

استحقاق أيلول والفيتو الأميركي

فالقضية الفلسطينية تمر اليوم أمام منعطف سياسي جديد في ظل الحديث المتواتر عن مايسمى «استحقاق أيلول» الذي مازال الى الآن بحكم التداول السياسي بين مختلف الأطراف، وتحديداً بين السلطة الفلسطينية في رام الله، والطرفين الإسرائيلي والأميركي، وبعض الأوساط الدولية ومنها مجموعة دول الاتحاد الأوربي، بالرغم من قرار لجنة المتابعة العربية بتأييد الموقف المعلن للسلطة الفلسطينية بالتوجه الى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية المنشودة التي يشمل اقليمها «الأراضي الفلسطينية» المحتلة عام 1967، والتي تتَّخِذ «القدس الشرقية» عاصمةً لها.

ومع أن التقديرات تتجه للقول بأن العقبات والاستعصاءات كبيرة أمام الفوز الفلسطيني والعربي بـ «استحقاق أيلول» نتيجة الموقف الأميركي المتشنج الذي مازال يرفض حتى الآن الموقفين العربي والفلسطيني بشأن امكانية لجوء الطرف الفلسطيني للأمم المتحدة، حيث تهدد الولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) أمام الاقتراح الفلسطيني بعد رفعه من الجمعية العامة الى مجلس الأمن للموافقة عليه الذي سيتوقف على موافقته امكانية قبول دولة فلسطين من عدمه كدولة كاملة العضوية في الأسرة الدولية، حتى لو صوتت مع قرار القبول أكثر من (130) دولة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أصل (193) دولة في العالم.

فالولايات المتحدة تعتبر أن الاقتراح الفلسطيني للأمم المتحدة حال التقدم به، يتعارض مع الجهود المبذولة لاعادة اطلاق العملية التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، في موقف يخفي حقيقة تقديرات واشنطن التي لاتريد عملياً اشراك الأطراف الدولية المؤثرة خاصة الأمم المتحدة في مسار العملية السياسية في الشرق الأوسط، وتريد ابقاءها تحت رعايتها المنحازة دون غيرها، ووفق رؤيتها المتقاربة في خطوطها العريضة مع الرؤية «الإسرائيلية» للحل على المسار التفاوضي الإسرائيلي/الفلسطيني.

وبالطبع، فإن موضوع «استحقاق أيلول» مازال بدوره مثار أخذ ورد بين مختلف الأطراف الفلسطينية الفاعلة، ففي حين ترى حركة فتح وعموم فصائل المنظمة بأن الاقدام على طرق أبواب الأمم المتحدة يعتبر الآن خياراً سياسياً هاماً في المعركة الدائرة مع الاحتلال على المستوى الدولي، فإن حركة حماس وان بدت لاتعارض هذا الجهد السياسي الا أنها ترى بأن الذهاب الفلسطيني للأمم المتحدة دون توافق فلسطيني كامل ودون السير بخطوات ملموسة على طريق المصالحة يضعف المبتغى من هذا الخيار ويجعل منه خياراً محدود الفعالية والتأثير، فضلاً عن تخوف البعض من نسيان قضية اللاجئين الذين يشكلون أكثر من (65%) من تعداد الشعب الفلسطيني، وحشر المسألة بحدود الحديث عن دولة مستقلة والاعتراف بها وسلخ قضية اللاجئين عن الموضوع الفلسطيني، فيما تشكل تلك القضية لباب وجوهر الموضوع الفلسطيني. عدا عن الشكوك التي تراود البعض من القوى ومنها حركتي حواس والجهاد الاسلامي اللتين تريان بأن الخيار المطروح من قبل السلطة الفلسطينية للذهاب للأمم المتحدة هو (خيار وحيد) يغلق ولايفتح القوس أمام امكانية تعدد الخيارات الفلسطينية، وأن الهدف منه «اعادة بناء وضعاً جديداً للتفاوض لا أكثر ولا أقل».

ان امكانية النجاح الفلسطيني والعربي في الأمم المتحدة بقبول «الدولة الفلسطينية «التي يشمل اقليمها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967» عضوًا كامل العضوية في الأمم المتحدة، ينبغي للمنظمة الدولية، أمراً مهماً على كل حال، بغض النظر عم مجموع المواقف المتباينة والمتحفظة بين بعض القوى في الساحة الفلسطينية، ولكل المعركة الأساسية تبقى مستمرة مع الاحتلال من أجل رَفْع الاحتلال الإسرائيلي عن اقليم هذه الدولة، وهو أمر يعيدنا للقول بأن على عموم الحالة الفلسطينية وخصوصاً منها السلطة الفلسطينية في رام الله أن تعيد أمامها توسيع دائرة الخيار والقفز عن القبول أو التركيز على خيار وحيد لاغيره.

منغصات داخلية والمصالحة تراوح مكانها

في هذا السياق، ان التسخين «الإسرائيلي» العسكري على جبهة قطاع غزة، والذي سبق وتلى عملية ايلات، يشير في أحد تجلياته الى جاهزية «إسرائيل» لفتح كل الخيارات لافشال الجهد العربي والفلسطيني في الساحة الدولية فيما الجهد الفلسطيني يغلق الطريق أمامه بالسعي لخيار وحيد دون غيره.

فاستمرار العدوان على قطاع غزة، واحتمال انطلاق عمليات عسكرية «إسرائيلية» جديدة ضد القطاع يبقى أمراً وارداً الآن وفي المستقبل المنظور، وقد تكون الاغتيالات واحدة من تجلياتها كما هدد بعض قادة جيش الاحتلال وبعض قادة الأذرع الأمنية «الإسرائيلية.

وقد أدى التدخل المصري الأخير الى احداث نوع من التهدئة أو بالأحرى تجديد (تفاهم التهدئة) بين مختلف الأطراف الفلسطينية و«إسرائيل» عبر الاتصالات التي أجرتها الجهات المصرية المعنية التي استقبلت مؤخراً بعض القيادات الفلسطينية المعنية من حركتي حماس والجهاد الاسلامي بشكل رئيس حيث زار الدكتور رمضان القاهرة لهذا الغرض (حيث مازالت حركة الجهاد تتحفظ على موضوع التهدئة).

كما تعيش القضية الفلسطينية الآن، ظروفا استثنائية انطلاقاً من استمرار عمليات التهويد والاستيطان في مناطق القدس ومحيطها، وفي عموم الضفة الغربية، حيث انتقلت المعركة الضروس التي تشنها سلطات الاحتلال «الإسرائيلية» على مدينة القدس وعلى الوجود العربي المسيحي والاسلامي فيها الى طور جديد مع تواصل عمليات التهويد والاستيطان الاجلائي وتغيير معالم الوجود التاريخي العربي بشكل غير مسبوق، في حملة «إسرائيلية صهيونية» تستهدف ما تبقى من هوية القدس العربية، وكان آخرها تحويل القصور الأموية في البلدة القديمة الى مكان مقدس لليهود من خلال اقامة المدرجات والساحات وربطها بساحة البراق التي تحولت الى «مصلى لليهود» وتشكيل حزام تهويدي حول المسجد الأقصى يحيط به من كل الجوانب.

وقد أضافت سلطات الاحتلال الى اجراءتها التهويدية الاستيطانية المباشرة على الأرض مؤخراً، قيامها بتغيير أسماء الشوارع والأماكن وتشويه ملامحها العربية والاسلامية، بشكل بات يهدد هوية القدس وتاريخها وطابعها وارثها العربي الاسلامي.

لكن التطور الجديد في عمليات التهويد والاستيطان بات ينطلق الآن مع انتقال عشرات المشاريع والتصورات «الإسرائيلية» للتطبيق على أرض الواقع مع جرف مساحات متزايدة من مقبرة (مأمن الله) الاسلامية التاريخيه والتي تضم رفات العشرات من الصحابة، ومنهم قبر الصحابي (عبادة بن الصامت).

اضافة الى ذلك، فهناك واحداً من المنغصات الكبيرة مازال يترك أثاره السلبية على حال الساحة الفلسطينية، ونقصد استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني. فعملية المصالحة الفلسطينية مازالت تراوح مكانها، وقد باتت تشكل الآن عامل احباط جديد عند الناس في فلسطين والشتات بعد مرور أكثر من ثلاثة شهور على توقيعها (تم توقيعها في الرابع من مايو الماضي 2011) دون أن يتم احراز خطوات ولو متواضعة على الأرض، بما في ذلك الخطوة الأساسية الأولى المتعلقة بتشكيل حكومة تكنوقراط موحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واستمرار الخلاف على شخص واسم رئيس الوزراء المقترح، وهو ماعطل امكانية الانطلاق الى باقي النقاط الأساسية في عملية المصالحة.

وبالمحصلة، وبرغم رياح الربيع العربي المبشرة بشكل عام والمحبطة في جوانب منها نتيجة تداخل الأشياء (كما يحصل في ليبيا الآن)، فإن الوضع الفلسطيني الحالي «يسر العدو ولايفرح الصديق» مع استمرار قضم الأرض ونهبها، واستمر حصار القطاع، وغياب حالة التوافق وتعثر خطوات المصالحة، والركون الى خيارات وحيدة حتى لو كانت خيارات ايجابية شيئاً ما باعتبارها تفتح دائرة الاشتباك السياسي مع «دولة الاحتلال». فالقيادة الفلسطينية الرسمية، واذا ما أخفقت في مساعيها في الأمم المتحدة، فسيكون ذلك بمثابة تعزيز لباقي الفصائل المعارضة وخصوصاً حركة حماس، وتعزيز للخيارات المتعددة التي طالما نادت بها بعض القوى الفلسطينية بما فيها بعض القوى من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تعتبر ثاني القوى الفلسطينية في المنظمة بعد حركة فتح.

لقد كان من الأسلم والأفضل والأنجع السير بخطوات مترافقة انطلاقاً من الاسراع بتطبيق بنود المصالحة الوطنية الفلسطينية، والتوافق السياسي معاً من أجل الذهاب للأمم المتحدة، واعتبار هذا الذهاب واحدة من المعارك السياسية والاعلامية التي لا تلغي ولاتتعارض مع كل الخيارات المفترضة، بما فيها خيار العمل الانتفاضي وحتى الكفاحي المسلح في وجه الاحتلال وعصابات المستوطنين فوق عموم الأرض المحتلة عام 1967.

أخيراً، ان «الإسرائيليين» يخشون في قرارة نفسهم من أنّ خيبة جديدة للفلسطينيين، قد تشعل الأرض من تحتهم، وقد تؤدي لاندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، بالرغم من حالة الارهاق والانهاك التي تسيطر على الفلسطينيين بعد سنوات طويلة من الحصارات «الإسرائيلية» ومن اتساع دائرة المتاعب الاقتصادية والاجتماعية والحياتية لعموم الناس في فلسطين.

 

انشر عبر