شريط الأخبار

ما هو مصير اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل؟ ..بلال الحسن

02:01 - 29 تموز / أغسطس 2011

ما هو مصير اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل؟ ..بلال الحسن

لا تزال عملية إيلات (أم الرشراش) الفدائية ضد المواقع الإسرائيلية والتي أنجزت يوم 19/8/2011، تتفاعل وتكبر ككرة الثلج. فهي عملية مجهولة المصدر، إذ ليس هناك معلومات جازمة حول من قام بها، ومن أين جاء هؤلاء الفدائيون المجهولون. "إسرائيل" تقول إن المنفذين خرجوا من غزة، واجتازوا سيناء، ودخلوا أرض مصر، وهاجموا الإسرائيليين انطلاقاً من الأرض المصرية. ولكن المسؤولين في غزة نفوا ذلك نفياً قاطعاً. كما أن المنطق يجعل من هذه الرواية ضربا من الخيال، إذ ليس في إمكان أي تنظيم فدائي فلسطيني أن ينظم هذه العملية بهذا الاتساع الجغرافي منفرداً، وبسبب ضعف هذا الاحتمال برزت آراء أخرى تتحدث عن أطراف متعددة، بعضها من بدو سيناء، وبعضها الآخر من داخل مصر، وكل هذا لم يثبت حتى الآن. إذ يبدو الأمر وكأن هناك تنظيماً من نوع جديد لم تألفه الساحة الفلسطينية من قبل.

 

"إسرائيل" تمسكت بروايتها الأولى، بأن العملية فلسطينية بحتة، وأنها انطلقت من غزة، وأنها هاجمت من مصر، وقامت بسبب ذلك بتصعيد الهجمات الجوية ضد قطاع غزة، وقامت أيضاً بغارة على الحدود مع مصر أسفرت عن مقتل ضابط وجنود مصريين. وهنا تطور الوضع نحو ما هو أخطر، إذ رفضت مصر الرواية الإسرائيلية، وحذرت "إسرائيل" من تصعيد ضرب قطاع غزة، ولم تستثن في إطار تحذيرها هذا من احتمال إعادة النظر باتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية. وبهذا تطورت الأمور من عملية فدائية حدودية إلى تهديد الوضع الاستراتيجي القائم في المنطقة منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل" قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

 

وهنا جوهر المسألة التي تستحق المناقشة؛ هل ستبقى معاهدة السلام هذه قائمة على حالها أم ستلغى، أم سيعاد النظر فيها؟ وفي محاولة الجواب على هذا السؤال الكبير لا بد من استعراض مواقف الأطراف المختلفة.

 

أولاً "إسرائيل": لقد مثل رد فعل "إسرائيل"، بتوسيع قصف قطاع غزة، وبتوسيع نطاق القصف نحو الحدود المصرية، حالة استخفاف إسرائيلية عنوانها أن "إسرائيل" لا تفكر إلا بنفسها، ولا تحاول أن تدرس حتى احتمال ردود أفعال الآخرين، وبخاصة مصر التي تعيش حالة مخاض لتغييرات كثيرة ممكنة. وهي لا تكاد تلتفت إلى المشاعر والعواطف المصرية، والتي تترجم نفسها بتحركات شعبية وسياسية، لا تستطيع القيادة المصرية (المجلس العسكري الأعلى) أن تتجاهل ضغوطها ومطالبها. ولكن حين وصلت الأمور إلى حد البحث بمستقبل عملية السلام، أدركت "إسرائيل" أن مواصلة الاستخفاف بمواقف الآخرين سوف ينعكس عليها بنتائج استراتيجية، لذ أوقفت هجوماً برياً كبيراً كانت تستعد للقيام به ضد قطاع غزة، وبعد تحذير مصري من نتائج ذلك. وساعد على ذلك أيضاً أن حركة حماس تجاوبت بعقلانية مع دعوة للتهدئة، ما لبثت "إسرائيل" أن خرقتها بتوجيه ضربات جديدة للجهاد الإسلامي.

 

ثانياً مصر: حصل في مصر تغير داخلي كبير، شعبياً ورسمياً، لم تستطع "إسرائيل" كالعادة أن ترى فيه إلا نفسها، ولذلك أخذت ردود فعل "إسرائيل" طابعاً عدائياً فحسب، فهي لم تستطع أن تفهم معنى أن القيادة الجديدة في مصر لم تعد تتصرف على أنها حليف سياسي ل"إسرائيل"، وبالتالي فإن هذه القيادة لن تتصرف على أن حركة حماس المحاذية لها جغرافيا في قطاع غزة، هي حركة إرهابية عدوة، بل سعت إلى التعامل معها على قدم المساواة مع السلطة الفلسطينية، وعبرت عن ذلك عملياً بالدعوة للحوار والمصالحة التي أنجزت في مصر، وبرعاية مصرية. وكان من نتائج ذلك بدء التفكير المصري بفتح معبر رفح، الأمر الذي كان على وشك أن يتم لولا بروز ضغوط دولية كثيفة. ولكن الأمر لا يزال ممكناً وموضوعاً على جدول الأعمال.

 

ثم كان هناك الضغط الشعبي المصري الداخلي، وبخاصة بعد استشهاد العسكريين المصريين، حيث من المؤكد أنه كان لهذا الحدث تفاعلاته الحادة داخل الجيش المصري، ثم كانت له تفاعلاته في الشارع، من خلال المظاهرات الضخمة حول السفارة الإسرائيلية التي أنزلت العلم الإسرائيلي وطالبت بطرد السفير، ثم طالبت بإلغاء اتفاقية السلام المعقودة مع "إسرائيل". ومع أن القيادة المصرية لم تتجاوب كليا مع هذه المطالب الشعبية (الصعبة)، فإنها وبالمقابل لم تتجاهلها، وأدركت ضرورة التناغم معها. وهنا بدأ موضوع إعادة النظر بالاتفاقية يطرح نفسه من مدخل جديد.

 

ثالثاً اتفاقية السلام: لا بد من البحث في هذه المسألة في إطارها الموضوعي وليس في إطار المطلب الشعبي الحماسي فقط. وهذا الإطار الموضوعي هام جدا وإن كان لا يصل إلى مستوى إلغاء اتفاقية السلام. وهنا لا بد أن نلاحظ أن "إسرائيل" هي أول من تحدث عن مصير مجهول يواجه هذه الاتفاقية، بل وبدأت تتحدث عن بناء قوة عسكرية جديدة لمواجهة مصر. ومن المؤكد أن هذه الدعوات الإسرائيلية للمواجهة سيكون لها رد فعل داخل الجيش المصري. كذلك لا بد أن نلاحظ أن شبه جزيرة سيناء هي واقعيا خارج إطار النفوذ المصري بسبب اتفاقية السلام التي تمنع مصر من دفع قوات إلى تلك المنطقة تتجاوز 800 شرطي. وبهذا أصبح المجال مفتوحاً أمام تحرك بدو سيناء على صعد متعددة: اقتناء السلاح، وتهريب السلاح، وأشياء أخرى، وتسهيل حصول قطاع غزة وحركة حماس على السلاح، وبخاصة الصواريخ المتطورة. وتسهيل وجود تنظيمات مسلحة ولو صغيرة، يبادر إليها أهل سيناء أنفسهم. وإذ تشكو "إسرائيل" من كل ذلك فإنها لا تستطيع أن تلوم مصر، فهذه هي شروطها ومطالبها من خلال اتفاقية السلام.

 

وحين يطرح هذا الوضع للنقاش، يتم مباشرة طرح تعديل اتفاق السلام هذا. والتعديل هنا يطرح المسائل الأساسية التالية:

 

أولاً: إن مصر تحتاج من أجل حماية أمنها، ومن أجل معرفة ما يجري في سيناء إلى إدخال قوات عسكرية وأمنية إضافية إلى المنطقة، وهو ما يقتضي تعديلاً جوهرياً في بنود اتفاقية السلام، سيتم كأمر واقع، إن لم يتم بحوار واتفاق.

 

ثانياً: إن مصر وفي سعيها للتجاوب مع الجو الشعبي المصري ومطالبه، تسعى لكي تفهم "إسرائيل"، أن معاهدة السلام هي معاهدة بين مصر و"إسرائيل" فقط، وهي معاهدة لها عنوان واحد هو عدم قيام طرف بمهاجمة الطرف الآخر عسكرياً.

 

ثالثاً: إن على "إسرائيل" أن تدرك أن مصر دولة عربية قائدة، وعليها بسبب ذلك مسؤوليات تجاه العرب الآخرين، فهي ليست مع "إسرائيل" ضد العرب، بل هي مع العرب إذا تعرضوا لتهديد من قبل "إسرائيل"، وهذا يشمل جغرافيا: فلسطين ولبنان وسوريا والأردن. وهذا هو جوهر القول بأن سياسة مصر في التعامل مع "إسرائيل" هي سياسة دولة تجاه دولة، وليست سياسة تحالف بين دولتين بسبب المعاهدة، وهذا هو جوهر التغير في الوضع السياسي المصري الجديد تجاه "إسرائيل" بدلاً من سياسة النظام السابق.

 

إن تعديل اتفاقية السلام، المستند إلى التغير القائم في الوقائع، بدأ يفرض نفسه كأمر واقع، وليس من خلال مفاوضات وتعديلات مكتوبة. وربما كان التحذير المصري الذي وجه إلى "إسرائيل" بوقف الهجمات على غزة، وبوقف عملية عسكرية ضخمة كانت على وشك البدء في غزة، هو التعبير العملي عما نشير إليه.

 

صحيفة الشرق الأوسط

 

انشر عبر