شريط الأخبار

السلام يسخن -معاريف

12:11 - 29 حزيران / أغسطس 2011

السلام يسخن -معاريف

بقلم: عوفر شيلح

(المضمون: المواجهة مع حماس متواصلة وستتضمن بين الحين والاخر استخدام للقوة. وحتى لو كانت الحرب الشاملة مع الجيش المصري هي خطر معقوليته في الحد الادنى من المهم الا تجتاز هذه القوة الحدود التي لا تستطيع مصر الجديدة احتمالها - المصدر).

2011 كانت سنة غير طيبة على نحو خاص لشعبة الاستخبارات العسكرية "امان"، او لغيرها من أذرع الاستخبارات، في كل ما يتعلق بتقدير التطورات الاقليمية في الدول العربية. رئيس شعبة الاستخبارات، مثل رئيس الموساد، تحدث في بداية السنة عن أن حكم حسني مبارك في مصر مستقر، وكان التقدير الدارج أن مبارك سينجح في نقل الحكم الى ابنه جمال، قبل أن تحسم صحته المتدهورة أمره.

كل هذا بات معروفا. ما هو معروف أقل هو أن الاسابيع الاولى من الثورة في ميدان التحرير، كانت للجيش الاسرائيلي بالذات تقديرات جيدة عما يحصل وسيحصل حقا. مفاجىء بالتأكيد في ضوء ما اعتدنا على التفكير فيه عن دولة عربية. حتى في اللحظة التي يكافح فيها الحكم في سبيل وجوده وبعد ذلك يسقط. في اللحظة التي تساءل فيها معظم العالم الى أين يتجه الجيش المصري، القوة الاقوى في الدولة، أُلمح لاسرائيل بان في نيتهم الحفاظ على السلام.

في الـ 32 سنة التي مضت منذ اتفاق السلام مع مصر، حافظت مصر بعناية عليه حتى في الايام التي وضعتها أعمال اسرائيلية قيد الاختبار. هكذا حين اجتاحت اسرائيل لبنان وبادرت الى مواجهة مع الجيش السوري في 1982، وهكذا في صيغ مختلفة من العنف بيننا وبين الفلسطينيين. بالتوازي، تطورت في الطرفين علاقات، بقيت في الظل بسبب الحساسية في الجانب المصري، ولكنها نبعت من مصالح مشتركة ومن رأي بموجبه يعد اتفاق السلام ذخرا هاما، لكل طرف مصلحة واضحة في الحفاظ عليه.

هكذا، مثلا، أثنوا في الجيش الاسرائيلي في محافل مغلقة على استمرار التعاون مع مصر رغم النشاط الاسرائيلي. القبض على سفن السلاح المتجهة الى هدف في مصر ومنه الى غزة، هو مثال واحد فقط، معروف أقل عن جملة متواصلة من التفاهم والعلاقات الشخصية التي لا تلغي المصالح ولكنها تؤثر بالضرورة على الطريقة التي تنفذ فيها.

جيش مدرب ومنضبط

        ويجدر بنا أن نتذكر هذه الامور عند البحث في مسألة ماذا سيحصل اذا ما غيرت مصر جلدتها وعادت لتكون عدوا معلنا لاسرائيل. سيناريو الرعب هذا يطرح مرة كل بضع سنوات منذ توقيع اتفاق السلام، وذلك رغم أن مصر نجحت في كل الاختبارات التي خلقتها نشاطات اسرائيلية في جبهات اخرى. واضح أنه اذا ما صعدت الى الحكم في مصر – بموافقة الجيش – جهة معادية، فكل شيء من شأنه أن يتغير. ولكن يخيل أن هذا السيناريو أكثر مما يعبر عن خطر حقيقي، فانه يعبر عن عدم ثقة اساسية لدى الكثير من الاسرائيليين بنوايا العرب بصفتهم هذه. ولمن نسي، فان رئيس الاركان في حينه موطي غور، حذر رئيس الوزراء بيغن من النوايا الهجومية لانور السادات، قبل يومين من هبوط طائرة الرئيس المصري في اسرائيل.

        السبب الثاني في أن سيناريو مصر تغير جلدتها يطرح بين الحين والاخر، هو الجدال على الميزانية وعلى مبنى القوة. تغيير طبيعة الاعداء – من دول ذات جيش نظامي كبير الى منظمات شبه دول، ومن تهديد مناورة في ميدان المعركة الى تهديد صواريخ على الجبهة الداخلية – خلق ضغطا على الجيش الاسرائيلي لتقليص القوات المناورة لديه. بين الحين والاخر يذكر أحد ما بان الحرب المتماثلة لم تختفي من العالم. اذا ما تحولت مصر مرة اخرى الى عدو، فان الحديث يدور عن جيش نظامي كبير، يختلف تماما عما يوجد اليوم حتى لسوريا، دون الحديث عن حزب الله وعن حماس. وزير المالية الحالي يوفال شتاينتس درج على أن يطرح هذا الموضوع عندما كان يشغل منصب رئيس لجنة الخارجية والامن.

        الجيش المصري هو جيش كبير بالفعل. حسب تقرير مركز بحوث الامن القومي من العام الماضي، فانه يعد نحو 450 الف جندي في الخدمة النظامية ونحو  250 الف في الاحتياط. في السنوات التي تلت اتفاق السلام حل تغيير أساسي واحد: الموردة الاساسية للمعدات القتالية هي اليوم الولايات المتحدة، التي باعت مصر اداتين حربيتين هامتين للغاية: اكثر من 200 (التقرير يذكر رقم 2011) طائرة اف 16، ونحو 1.000 دبابة ابرامز متطورة (الـ 100 الاخيرة تنتج في مصر نفسها وتوجد في مراحل التزويد للجيش).

        وينبغي ان يضاف الى هذا نحو 2.500 دبابة أقدم اخرى، سلاح بحرية متطور (وفيه ضمن امور اخرى 4 غواصات)، اكثر من 100 بطارية ثقيلة مضادة للطائرات، نحو 4.200 مجنزرة ونحو 4.000 مدفع، قسمهم القليل فقط متحرك مثل تلك التي لدى لجيش الاسرائيلي.

        هذه أرقام مثيرة للانطباع، في قسم من الاصناف المنافسة لتلك التي لدى الجيش الاسرائيلي. صحيح أن الـ اف 16 هي منصة. ما تحمله في سلاح الجو الاسرائيلي، من ذخيرة والكترونيات معظمها من انتاج أزرق – أبيض اكثر تقدما مما يوجد لدى المصريين. ولكن الحديث يدور عن جيش مدرب، منضبط مثلما كان يمكن ان نرى في اثناء المظاهرات ضد النظام، جيش قادر على أن يلحق ضررا حقيقيا.

        غير أنه في سيناريو المواجهة بين اسرائيل ومصر ينبغي أن نتذكر ما تجاهله زعماء اسرائيل الامنيون لشدة المصيبة، في السنوات التي سبقت حرب يوم الغفران. بين مصر والحاضرة الاسرائيلية الاولى تمتد مسافة هائلة. شبه جزيرة سيناء كانت ميدان المعركة لثلاث حروب مناورة كبرى من النوع القديم، من حرب السويس وحتى حرب يوم الغفران. غير أنه بطبيعة هذه الحروب طرأ تغيير هائل، وجد تعبيره الكاسح في الاجتياح الامريكي للعراق في 2003.

        جيش صدام حسين كان كبيرا بقدر لا يقل عن الجيش المصري وان كان أقل تطورا منه. وقد هزم دون معركة حقيقية وعمليا حتى دون أي صدام بالدبابات – مجرد وجود مثل هذا الصدام، لو وقع، كان سيكون فشلا أمريكيا.

        القدرات النارية المضادة لاسرائيل، من الصواريخ وحتى غيرها من القدرات التي لا تزال سرية، تستهدف جعل تقدم الجيش عبر ارض مثل سيناء شرك موت.

        لاسرائيل، من جهتها لا يوجد أي سبب سياسي او مهني لمحاولة الهجوم على مصر من خلال المناورة. من ينتظر الايام الستة رقم 2 أو اجتياز آخر للقناة يعيش في ايام انقضت من العالم.

        جنوب لبنان في سيناء

        ليس المقصود ان مواجهة بين مصر واسرائيل هي سيناريو متعذر. أحداث الاسبوعين الاخيرين تبين كم هو الوضع حساس. في نهاية المطاف، يخيل أن رئيس الوزراء نتنياهو تمكن من تخفيض مستوى النار، ومرة اخرى ثبت ان المصلحة الاساس للطرفين لم تتغير. ولكن مصر لا تزال في عملية تغيير وتكوين لا يمكن لاحد أن يخمن الى اين ستؤدي.

        ومع ذلك، يمكن الافتراض بانه حتى لو قرروا في نهاية المطاف في القاهرة بان زمن السلام مع اسرائيل انتهى، فان ما من شأنه ان يحصل لن يكون مشابها للمواجهات القديمة والتعاظم الذي اقلق جدا شتاينتس، سيستخدم بقدر أكبر لردع اسرائيل منه كتهديد حقيقي عليها. للمصريين توجد أدوات ممكنة اكثر نجاعة، تشبه ما تفعله سوريا ضدنا منذ سنين. تنغص حياة اسرائيل ولكن يصعب الرد فيها ضد مصر نفسها.

        الخلية التي مرت من غزة الى سيناء، ومن هناك تسللت الى اسرائيل للقيام بعملية اجرامية في الاسبوع الماضي، استغلت هزال القوات المصرية وربما أيضا غياب الدافعية من جانبهم. ولكن في حالة المواجهة من شأن شبه جزيرة سيناء أن تصبح جنوب لبنان على مستوى أكبر بكثير. لا تنقص منظمات فلسطينية يسرها استغلال غض النظر او التشجيع المبطن من القاهرة كي تستخدم مناطق سيناء لتنظيم عمليات او لاطلاق الصواريخ، دون أن تضطر القاهرة الى توسيخ اليدين.

        المعنى هو أنه بدلا من الانشغال بالسيناريوهات المتطرفة غير المعقولة على جهاز الامن ان يفعل ما كان ينبغي له ان يبدأ به منذ زمن بعيد، وما لا يحب أن ينشغل فيه: ان يعد منظومة دفاعية مناسبة على الحدود المصرية. خلافا لبعض من ردود الفعل الهستيرية على العملية في الجنوب لا ينبغي ان يقام هنا عائق مثل جدار الفصل او الجدار السياجي على حدود اخرى. لاسرائيل يوجد ما يكفي من وسائل الرقابة المتطورة والقدرات المتحركة، التي الى جانب معلومات استخبارية يمكنها أن توفر حماية ناجعة من منظمات الارهاب. سياج بسيط جدا ورخيص نسبيا مطلوب بالذات ضد خطر تهريب الافراد والوسائل القتالية من سيناء الى داخل اسرائيل.

        بالتوازي، يجب الاعتراف بان رد فعل مصر لن يكون بعد اليوم وقوفا تلقائيا الى جانبنا، سواء بالامتناع عن الفعل أم بالتأييد الحقيقي. لم يعد ممكنا الاعتماد على ان في القاهرة يجلس نظام كل عملية بالقوة من جانبنا مقبولة عليه. اذا كان ثمة في التصعيد الاخير امر يجابي واحد فهو يكمن في أن القيادة السياسية، خلافا للاصوات المغفلة التي انطلقت من الجيش وتحدثت عن "فقدان الردع" تمكنت من أن تفهم بان رد القاهرة اصبح عاملا ذا مغزى في المعاملة. المواجهة مع حماس متواصلة وستتضمن بين الحين والاخر استخدام للقوة. وحتى لو كانت الحرب الشاملة مع الجيش المصري هي خطر معقوليته في الحد الادنى من المهم الا تجتاز هذه القوة الحدود التي لا تستطيع مصر الجديدة احتمالها.

انشر عبر