شريط الأخبار

السياسي الذي لا يرى إلا ما يريد أن يرى ... بلال الحسن

10:20 - 22 تشرين أول / أغسطس 2011

السياسي الذي لا يرى إلا ما يريد أن يرى ... بلال الحسن

بنيامين نتنياهو نموذج للسياسي الذي لا يرى إلا ما يريد أن يرى، وأحياناً تكون هذه الظاهرة سمة للكثير من القادة الإسرائيليين، يندرج في إطارها شخص من نوع إيهود أولمرت، وحتى شخص من نوع إيهود باراك. وهذان الأخيران أدارا مفاوضات مع الفلسطينيين، لم يتصورا أثناءها إلا أن على المسؤول الفلسطيني أن يوافق على رؤيتهما وعلى المخطط الإسرائيلي الخاص بهما.

 

هكذا فعل أولمرت مع الرئيس محمود عباس، وفشلت المفاوضات معه، ولم يستخلص من ذلك أي درس. وهكذا فعل إيهود باراك مع الرئيس ياسر عرفات في كامب ديفيد، وفشلت المفاوضات معه، ولم يستخلص من ذلك أي درس.

 

الآن، يطبق نتنياهو النهج نفسه، إنما على صعيد أوسع وأشمل، يتجاوز الفلسطينيين إلى العرب وإلى المجال الإقليمي.

 

مع الفلسطينيين توقفت المفاوضات زمناً طويلاً، ومن دون أي إشارة لإمكان تجددها. وحين ارتأى محمود عباس، بعد أن وجد طريق التفاوض مسدوداً، أن يذهب إلى الأمم المتحدة، ليطالب باعتراف دولي بمبدأ الدولة الفلسطينية، ثارت ثائرة نتنياهو، وتمثلت ثورته بشتم الفلسطينيين واستنكار موقفهم «الدبلوماسي» هذا، كما تمثلت ثورته بجهد إسرائيلي لكسب دول مؤيدة لموقفه، وهو يردد بكل اهتمام أنه يعمل لكسب تأييد موقف 60 – 70 دولة، مقابل 120 إلى 130 تؤيد موقف الفلسطينيين. وهو يردد أيضاً بكل غباء تحذيراً يوجهه إلى الإسرائيليين لكي يستعدوا لمواجهة مظاهرات فلسطينية حاشدة، ستجتاز حدود الضفة إلى داخل حدود دولة "إسرائيل"، معتبراً فقط أن الخطر يأتي من هذه الناحية، ولا يأتي أبداً من ناحية الموقف الإسرائيلي الذي يرفض كل شيء حتى في الإطار «الدبلوماسي».

 

وحالياً، طورت "إسرائيل" موقفها هذا، ودخلت في حالة مواجهة مع مصر، الدولة التي تقيم "إسرائيل" معها أوثق اتفاق أمني يحمل اسم «اتفاق كامب ديفيد». والسبب الآني والمباشر لهذه المواجهة هو أن الجيش الإسرائيلي أقدم على شن غارة عند حدود "إسرائيل" مع مصر، أسفرت عن مقتل 3 عسكريين مصريين، وردت مصر على هذه الخطوة بأبسط درجات الاحتجاج، فأعلنت استدعاء سفيرها من تل أبيب وطلبت أن تقدم "إسرائيل" اعتذاراً رسمياً عما فعلت، وبدلاً من التعامل دبلوماسياً مع هذه الأزمة، ترد "إسرائيل" مصعدة فتعلن أنها تبحث رسمياً في سحب سفيرها من مصر، وهي التي تحذر دائماً من احتمال تضرر اتفاق كامب ديفيد، وهو تضرر تخسر منه "إسرائيل" الشيء الكثير، بينما تتخلص مصر من عبء كبير.

 

لكن التطور الإسرائيلي الأبرز، حول نتنياهو الذي لا يرى إلا ما يريد أن يرى، يتعلق بتركيا؛ فمنذ جريمة العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، ومنذ الإعلان عن محاصرة غزة ومنع الغذاء عن مليون ونصف مليون نسمة من سكانها، ومنذ تحرك السفن المدنية الدولية والتركية التي توجهت نحو غزة، في تحرك رمزي يرفع شعار فك الحصار عن غزة، لم تجد "إسرائيل" نتنياهو رداً على ذلك سوى أن تهاجم سفن السلام هذه في المياه الدولية، وتستهدف إحدى السفن التركية بالذات، وتهاجمها مباشرة، وتقتل تسعة من النشطاء المدنيين الأتراك على متنها، وكان كل ما طلبته تركيا إزاء هذه الجريمة هو أن تعتذر "إسرائيل" عن جريمتها. وحتى حين دخلت الولايات المتحدة الأميركية على الخط قبل أيام، وطلبت من "إسرائيل" علناً أن تقدم الاعتذار المطلوب منها، على أمل أن يعود التحالف التركي - الإسرائيلي القديم، إلا أن نتنياهو رفض الاستجابة لطلب أميركا هذا، مع ما يعنيه ذلك من تخريب لتصور استراتيجي. ولسان حال نتنياهو هنا أن على تركيا أن تعتذر ل"إسرائيل" لأنها أرسلت سفينة نحو غزة متحدية بذلك السياسة الإسرائيلية. نتنياهو لا يريد أن يرى جريمة غزة، ولا يريد أن يرى احتجاج تركيا، ولا يريد أن يرى قتل "إسرائيل" للمواطنين الأتراك، ولا يريد أن يرى الطلب الأميركي ومعانيه السياسية، ويصر على أن يرى فقط أن "إسرائيل" يجب ألا تعتذر لأحد. فهي مصيبة دائماً، والآخرون كلهم على خطأ دائماً، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية، أكبر حليف ل"إسرائيل".

 

وبعد هذه الأزمات الثلاث: مع الدبلوماسية الفلسطينية، ومع مصر، ومع تركيا، تبرز أزمة إسرائيلية جديدة مع غزة. فحين ينطلق صاروخ واحد، نعم صاروخ واحد، على تخوم مستوطنة ما، تقوم "إسرائيل" بشن غارة تأديب على غزة تدمر فيها المنازل وتقتل الناس. وأيضاً ما إن يحدث صدام مع مسلحين بعيداً عن غزة عشرات الكيلومترات، وقريباً حتى من حدود مصر، حتى تقوم "إسرائيل" بشن غارات على غزة. غزة دائماً هي المذنبة، والقذيفة سواء جاءت من داخل غزة أو من خارجها، فإن المسؤولية تقع على عاتق غزة.

 

وليت الأمر يقف عند هذا الحد؛ إذ ثمة أزمة خامسة تنشب حالياً داخل المجتمع الإسرائيلي. ولا يستطيع نتنياهو، حتى داخل المجتمع الإسرائيلي، أن يرى إلا ما يريد أن يرى. المجتمع الإسرائيلي يتحرك محتجاً، ولأول مرة، على أولويات صرف الميزانية الإسرائيلية؛ إذ تذهب هذه الأولويات إلى الصرف على الجيش وعلى بناء المستوطنات، وهو يريد تحويل هذا الاتجاه نحو الصرف على الخدمات الاجتماعية وعلى بناء المساكن للناس العاديين.

 

وقد جرت العادة أن يكون الحديث عن نفقات الجيش أمراً محرماً؛ لأنه، حسب معاييرهم، أمر مقدس، لكن الغضب الاجتماعي تجاوز هذه المسألة، وبدأ يقول صراحة إن هذا المحرم ليس محرماً بل هو مطلب طبيعي ومحق. وقد جاء رد نتنياهو مدوياً ضد هذا المطلب، واتهم الذين يرفعونه بأنهم يهددون أمن "إسرائيل"، لكن المفاجأة جاءت هذه المرة من الجنرالات؛ إذ طالب شاؤول موفاز (رئيس أركان سابق ووزير دفاع سابق) بإجراء تقليص فوري للميزانية العسكرية، وذهب إلى حد القول إن الموازنة مضخمة بالنفقات البيروقراطية، وهي حتى لو كانت مقدسة، فإنها لا تعود كذلك حين يخرج إلى الشوارع 300 ألف متظاهر يطرحون مطالب عادلة لإزالة الظلم الاجتماعي والاقتصادي.

 

وبهذا تتكون لوحة سياسية شاملة، ويوجد داخل هذه اللوحة فلسطينيون ومصريون وأتراك وأميركيون وإسرائيليون، وكلهم ينتقدون مواقف نتنياهو، لكن نتنياهو يواجههم جميعاً، ويرفضهم جميعاً، ويعلن على الملأ أنه هو وحده فقط من يملك الرأي الصواب.

 

إلى متى يستطيع حاكم من هذا النوع أن يصمد في موقفه؟ البعض يقول إنه يستطيع أن يصمد إلى زمن طويل، ما دام الكونغرس الأميركي يقدم له الدعم المطلق، حتى ضد رئيسه الأميركي. ألم يجبر الكونغرس رئيسه الأميركي على أن يغير مواقفه علناً ليرضي مطالب نتنياهو، وحين كان نتنياهو يجلس في لقاء الكونغرس نفسه، ويتصرف وكأنه هو الرئيس الأميركي، بينما يوجه له الرئيس الأميركي كلمات الاعتذار؟

 

هل يمكن لهذا الواقع المقلوب أن يستمر؟

 

وهل يمكن لعجائب الدنيا السبع أن تصبح ثماني عجائب؟

 

انشر عبر