شريط الأخبار

أخيراً غضبت مصر .. فهمي هويدي

10:18 - 22 حزيران / أغسطس 2011

أخيراً غضبت مصر .. فهمي هويدي

"إسرائيل" اعتبرت مجرد الغضب المصري الجديد يخل بتصورهم للسلام

 

رغم تضارب الأخبار المتعلقة بعملية قتل الإسرائيليين للضابط والجنود المصريين، إلا أن الأمر الواضح أن "إسرائيل" تلقت رسالة لم تألفها من الجماهير المصرية الغاضبة التي احتشدت أمام السفارة وظلت طوال الليل تنادي بطرد السفير. ذلك أن الجماهير التي تمردت على المهانة والاستبداد انتهزتها فرصة لكي تعلن على الملأ أن مجرد الوجود الإسرائيلي في قلب القاهرة يظل أحد رموز إهانة المصريين وجرح كبريائهم.

 

التضارب الذي أعنيه لم أقصد به ذلك الذي اكتنف موقف الحكومة فقط، وإنما وجدناه أيضاً في التفاصيل التي نشرت عن الحادث. فقد بينت صحيفة «الشروق» أمس كيف أصدرت الحكومة المصرية ثلاثة بيانات مختلفة بخصوص العملية خلال 12 ساعة.. إلى أن سحب البيان الأخير بحجة انتظار نتائج التحقيقات الجارية في الموضوع. ولم يكن هناك من تفسير لذلك سوى أن المجلس العسكري آثر التريث وعدم التصعيد السياسي لحسابات قدرها، في حين أن الحكومة تأثرت بانفعالات الشارع المصري وسارعت إلى اتخاذ خطوات بذاتها للرد على الجريمة الإسرائيلية من ثم فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن موقف الحكومة كان متأثراً بانفعالات الشارع في حين أن موقف المجلس العسكري كان متأثراً بحسابات الدولة وتوازناتها.

 

من ناحية أخرى فإن معلومات العملية الإسرائيلية ذاتها سادها الارتباك والتضارب. فالرواية الشائعة في الصحف المصرية أن الإسرائيليين تتبعوا بواسطة طائرة هليكوبتر مجموعة فلسطينيين كانوا قد وصلوا إلى رفح المصرية، قرب موقع لقوات الأمن المركزي. وحينما أطلق الإسرائيليون عليهم النار فإنهم قتلوا أحد الضباط المصريين وخمسة آخرين من الجنود، إلا أن صحيفة «هآرتس» نشرت في 19/8 أن تتبع الفلسطينيين تم بواسطة عملية مشتركة جرى التنسيق فيها بين المصريين والإسرائيليين. وهي الرواية التي بثتها الصحيفة مرة واحدة على موقعها ثم سحبتها بعد ذلك. الأمر الذي يشكك في صدقيتها.

 

تحدثت مع بعض الخبراء في هذا الصدد فرجحوا أن يكون قتل المصريين بالنيران الإسرائيلية تم على سبيل الخطأ، ولكن الإسرائيليين أرادوا من خلاله أن يوجهوا أيضاً رسالة جس نبض إلى النظام الجديد في مصر. كي يكتشفوا من خلالها موقف المجلس العسكري ومدى «مرونته» في التعامل مع الملف الإسرائيلي بعربدته وتجاوزاته.

 

كنت قد قرأت قبل أسبوعين تقريراً إسرائيلياً امتدح الرئيس السابق حسني مبارك وذكر أنه نجح في جميع الاختبارات التي وضعتها "إسرائيل" أمامه لكي تطمئن إلى حقيقة مشاعره إزاءها، وكان العدوان الإسرائيلي على غزة واجتياح لبنان من الاختبارات التي اجتازها مبارك بنجاح مشهود، حيث لم يستطع حتى إدانة العدوان، إلى غير ذلك من «النجاحات» التي دفعت "إسرائيل" إلى اعتباره صديقاً عظيماً وكنزاً إستراتيجياً. وليس سراً أنه بعد ثورة 25 يناير فإن "إسرائيل" سعت إلى إخضاع النظام المصري الجديد إلى اختبارات أخرى كان الابتزاز عنواناً رئيسياً لها. من ذلك أنها ظلت تسرب أخباراً عبر صحفها تتحدث عن زيادة معدلات تهريب السلاح إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، كما تتحدث عن ارتخاء القبضة المصرية على سيناء، وزعمهم أن ذلك أسهم في ظهور بعض جماعات العنف المسلحة.

 

مسارعة "إسرائيل" إلى محاولة تطويق الحادث تدل على مدى حرصها على عدم استفزاز النظام الجديد أو التصعيد معه. إذ عقد نتنياهو اجتماعاً تشاورياً مع حكومته حول الموضوع. كما أعرب وزير الدفاع عن أسفه لوقوع الحادث، وتم إيفاد مبعوث خاص إلى القاهرة «السفير الإسرائيلي السابق» لتهدئة الموقف وامتصاص غضبها.

 

إن شئنا أن نكون أكثر دقة فسنقول إن مظاهرات المصريين وانفجار مشاعر الغضب لدى شبابهم لم تبعث برسالة إلى الإسرائيليين فحسب، ولكنها بعثت برسالة أخرى إلى المجلس العسكري ذاته تنبهه إلى طبيعة المزاج الشعبي المسكون بالرفض والنفور من مجمل السياسات الإسرائيلية التي تتسم بالاستهتار والعربدة.

 

لقد أطلقت تسيبي ليفني زعيمة المعارضة في الكنيست تصريحاً عقب الحادث ذكرت فيه أن الجبهة المصرية لم تعد حدود سلام في تعبير عن استيائها من غضبة المجتمع والسلطة في مصر. وهو كلام لا يخلو من تدليس وتحريض، لأن كل ما فعلته مصر أنها عبرت عن غضبها واحتجاجها إزاء ما جرى. ولم تلجأ إلى ما يمكن أن يخل بمعاهدة السلام التي لم تكف "إسرائيل" عن انتهاكها. ولكن لأنهم هناك اعتادوا على أن تحني مصر رأسها لمثل هذه الحوادث في السابق، فقد اعتبروا مجرد الغضب ورفض الانصياع والاستسلام من جانب النظام الجديد أمراً مستغرباً يخل بتصورهم للسلام الذي يرتاحون إليه.

 

صحيفة الشرق القطرية

 

انشر عبر