شريط الأخبار

حين تضرب الأزمات أركان الأرض ..طلال عوكل

12:05 - 13 حزيران / أغسطس 2011

حين تضرب الأزمات أركان الأرض ..طلال عوكل

بعد حراك شبابي فلسطيني استلهم جرأته ومبادرته من ربيع الثورات الشعبية العربية، هدأته ثم بددته، اتفاقية المصالحة الفلسطينية، التي لا تزال حبيسة الحسابات السياسية وإجراءات قمعية قامت بها القوى السياسية المسيطرة على الحال الفلسطيني، يبدو أن على الفلسطينيين أن يقدموا على طريقهم ووفق ظروفهم الخاصة، معاولهم لربيع الثورات العربية.

 

القوى السياسية المسيطرة على النظام السياسي الفلسطيني لا تزال تمتلك القدرة على اتخاذ مبادرات، تقطع الطريق أمام تبلور وتطور حراك شبابي وشعبي فلسطيني، هو موضوعياً ضرورة لتجاوز الإرث الثقيل الذي تركته مرحلة أوسلو، وما ترتب عليها ونجم عنها من تغييرات أصابت كل أطراف وتيارات الحركة الوطنية التحررية الفلسطينية. منطقها بمحاكاة ربيع الثورات العربية، ولقطع الطريق، أو لتأخير ظهور حركات اجتماعية وسياسية فلسطينية جديدة، تقدم القوى المسيطرة عنوانين، كل منها يركز على واحد ويعطيه الأولوية.

 

إذ ترى حركة المقاومة الإسلامية حماس أن تحقيق المصالحة يشكل الأولوية الأولى للحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية، فيما ترى حركة فتح عملياً أن استحقاق سبتمبر هو الذي يتقدم أولويات العمل الفلسطيني في المرحلة الراهنة، وأن ملف المصالحة ما يزال صالحاً، وساري المفعول، لكن نقله إلى حيز التطبيق العملي ينبغي أن يخضع لحسابات ربح المعركة في الأمم المتحدة.

 

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الموقف أو ذاك، فإن افتراق حساب الأولويات بالنسبة للحركتين الكبيرتين يعكس اختلافاً في قراءة المشهد السياسي، وفي قراءة مآلات الأوضاع قبل سبتمبر في حال تحققت المصالحة، وبعد سبتمبر فيما لو تحققت قبله.

 

أعتقد أن المنطق السياسي السليم والموضوعي، يفيد بأن المرحلة التي نعيش وتمر بها المنطقة بأكملها، تتسم بطبيعة انتقالية يصعب خلالها وقوع تغييرات جذرية أو اتخاذ قرارات من طبيعة استراتيجية.

 

يفيد المشهد السياسي أن كل الأطراف الفاعلة وذات الصلة بأحوال الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي تمر في أزمة، وفي حالة من عدم الاستقرار، ومن الاستعداد لتغييرات مقبلة. الولايات المتحدة الأميركية، وهي اللاعب الأكبر والأقوى والأكثر تأثيراً في مجريات الصراع والأحداث، تعاني من أزمة اقتصادية متفاقمة، ما إن ترقع بعض جوانبها حتى تنفجر أخرى أشد خطورة، وهي بالإضافة إلى ذلك وبسبب انحيازها الكامل والمتزايد لصالح السياسات والمصالح الإسرائيلية، لم تعد قادرة أو مؤهلة على الاستمرار في التحكم بملف المفاوضات والعملية السلمية.

 

فشل الدور الأميركي في عملية السلام، والذي لا تعترف به إدارة الرئيس براك أوباما، لا يرافقه تصاعد في دور أي طرف آخر من أطراف الرباعية الدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي الذي يفترض أنه المؤهل موضوعياً لخلافة الدور الأميركي، ولأن الفلسطينيين يدركون ذلك، فإنهم يتوجهون إلى الأمم المتحدة وإلى المجتمع الدولي، الأمر الذي يشكل استفزازاً كبيراً للولايات المتحدة و"إسرائيل"، لكنه أيضاً يعني بطريقة غير مباشرة التحول عن المراهنة على الدور الأميركي والرباعية الدولية.

 

"إسرائيل" بدورها تمر في أزمة حقيقية، لها علاقة في الأساس بأعراض الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب الدول الرأسمالية، إذ تواجه حكومة نتنياهو حركة اجتماعية شعبية متصاعدة عنوانها الغلاء الفاحش في أسعار العقارات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وهي أزمة تهدد بسقوط الائتلاف الحاكم في إسرائيل. وبالإضافة إلى هذه الأزمة الداخلية الحادة، تواجه "إسرائيل" التحدي الذي يطرحه عليها الفلسطينيون ممثلاً بإصرارهم على الذهاب إلى الأمم المتحدة، حيث من المتوقع أن تتعمق عزلة "إسرائيل" الدولية وأن يتسبب ذلك في إحراج الولايات المتحدة.

 

الفلسطينيون هم أيضاً يعانون من أزمة كبيرة تضعف قدرتهم على الصمود والمجابهة فهم لا يزالوا على حالهم من الانقسام، الذي مكن "إسرائيل" من إضعاف قدرتهم على التوحد الكامل، وتحقيق التواصل المطلوب، فضلاً عن أنهم أي الفلسطينيين ما يزالوا يختلفون في برامجهم وتوجهاتهم وحيازاتهم السياسية، ويختلفون أيضاً بشأن رسائل وأشكال خوض الصراع المفروض عليهم من قبل "إسرائيل".

 

في الواقع فإن مرحلة الانقسام الطويلة، أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن خيار المفاوضات قد فشل ووصل إلى طريق مسدود، وأن برنامج المقاومة المسلحة لم يعد قادراً وفق المعطيات الملموسة على تحقيق إنجازات، وهذا يعني أن على الفلسطينيين أن لا يكتفوا بالمصالحة واستعادة الوحدة فقط وإنما يترتب عليهم قبل كل شيء الاتفاق على خيارات واستراتيجيات جديدة تلائم المرحلة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية، والمنطقة العربية برمتها.

 

على أن المبادرة الفلسطينية لتبني خيارات واستراتيجيات جديدة، تعتمد على ثلاثة عوامل، الأول، وهو العامل العربي والإقليمي الذي يشهد حراكاً سريعاً وواسعاً من غير المتوقع أن تستقر ملامحه قبل بضع سنوات، أما العامل الثاني فيتصل بالأوضاع والتوازنات الدولية، فالأزمة الاقتصادية تضرب أعتى الدول الرأسمالية، وما تزال لم تستنفذ آثارها السلبية، ومن غير المحتمل معالجتها بوسائل اعتيادية، الأمر الذي سيخلق وضعاً دولياً مختلفاً عما عليه الحال، وقد يكون من بين النتائج، تراجع مكانه ودور وقوة الولايات المتحدة.

 

العامل الثالث وهو الأساس يتصل بالوضع الفلسطيني من حيث قدرة الفلسطينيين على تجاوز الوقائع الصعبة التي تركتها مرحلة الصراع والانقسام، نحو بناء وحدة وطنية حقيقية، لا تقف عند حدود المحاصصة بين حركتي فتح وحماس، التي تتضمنها وثيقة المصالحة التي يجري الحديث عن ضرورة تنفيذها.

 

إن وثيقة المصالحة بما هي عليه تنطوي على إمكانية تقاسم ومحاصصة، وإقامة علاقات بين غزة والضفة، أقرب إلى الكونفدرالية، واعتراف فتح وحماس كل للطرف الآخر بالسيطرة على «إقليم جغرافي"، والتذرع بتدخل الاحتلال لمنع التواصل الجيوسياسي بين الضفة وقطاع غزة.

 

في ضوء هذه الأوضاع المتأزمة، يترتب على الفلسطينيين أن يتقدموا لتحمل مسؤوليتهم التاريخية إزاء شعبهم وقضيتهم، عبر مراجعة التجربة السابقة، واستشراف المستقبل لتأهيل أنفسهم، باعتبارهم الطليعة التحررية للأمة العربية، من أجل خوض ومتابعة الصراع بما يسمح بتحقيق منجزات، وانتزاع حقوق، ترفض إسرائيل الاعتراف بها، حرباً أو سلاماً.

 

إن العالم يمر في مرحلة انتقالية صعبة جداً، كانت طبيعة الأزمات التي تضرب أركانه، تحتمل وربما تتطلب شن حروب كبرى، لكن المرحلة المقبلة أي مرحلة ما بعد هدوء هذا الاضطراب العالمي، ستشهد أيضاً تحولات وتغييرات، وانزياحات كبرى، مما يترتب على الفلسطينيين أن يغادروا المربع السلبي إلى المربع المتفاعل مع أنفسهم ومع المحيط بما يخدم قضيتهم.

 

[email protected]

 

 

انشر عبر