شريط الأخبار

درس اجتماع- يديعوت

11:21 - 12 حزيران / أغسطس 2011

درس اجتماع- يديعوت

بقلم: ناحوم برنياع

في يوم الاثنين الماضي في حوالي منتصف الليل، رن الهاتف في بيت البروفيسور مناويل (مانو) تريختنبرغ، رئيس اللجنة للتنسيق وتحديد الميزانية لمجلس الدراسات العليا. لم يعتد تريختنبرغ ابن الـ 61 على تلقي مكالمات هاتفية في هذه الساعات ومن رئيس الحكومة بيقين، لكن نتنياهو تعجل الامور. جاء الى مظاهرات سكان الخيام قبل ذلك بيومين، 150 ألف انسان وشاهدها مئات الآلاف في البيوت. واحتفلت وسائل الاعلام. وأدرك نتنياهو انه يجب عليه ان يستحدث أداة تمتص الضغط وتبشر بتغيير.

اختار تريختنبرغ لانه خبير اقتصاد يُعد اجتماعيا قياسا بعدد من زملائه، بيقين. وكان هناك سبب آخر لم يكن أقل أهمية في نظر نتنياهو وهو أن تريختنبرغ طور علاقات ثقة بـ ايتسيك شمولي، رئيس اتحاد طلبة الجامعات. فاذا أقنع تريختنبرغ شمولي بالتعاون فقد يتلاشى الاحتجاج.

اختار نتنياهو تريختنبرغ لكن هذا لم يختره. فقد جاء من الطرف الآخر للقوس السياسية. وقد أفرحته الخيام التي نجمت في مدن البلاد وأثارت فيه الاصوات التي ارتفعت منها الأمل. وقد نشب الصراع بين اليمين واليسار في اسرائيل في ثلاث جبهات متوازية: ارض اسرائيل وفلسطيني، والدين والعلمانية والغنى والفقر. ونشأ فجأة احتمال ازالة الحاجز في الجبهة الثالثة الاجتماعية. فهناك تضامن وهناك حب وقد اعتقد أن هذا رائع.

اعتقد نتنياهو ان هذا فظيع. فهو لم يؤمن لحظة بأن الخيام قامت نتيجة فكرة لامعة شابة كتبت خاطرة عرضية في الشبكة الاجتماعية. وسأل: من أرسلها، كما يسأل الساسة دائما في مثل هذه الظروف وأجاب فورا كما يجيب الجميع: خصومي السياسيون. فلم ينجحوا باسقاطي في الكنيست وهم يحاولون الآن اسقاطي في الشارع. ووسائل الاعلام تضخمهم. فلديها برنامج عمل: انها تتآمر ايضا لاسقاطي. ليس هذا اعلاما مجندا بل هو اعلام مجنِّد.

رفض تريختنبرغ. فهو لن يقبل المنصب. وفي ليل السبت قبل المظاهرة الكبيرة بيوم عاد نتنياهو وهاتف. وطلب أن يأتيه في المساء نفسه في منزل رئيس الحكومة في القدس. وأجاب تريختنبرغ بأنه لا يستطيع. فهو في ليل السبت يستقبل السبت. وطلب نتنياهو أن يأتي في السبت بعد الظهر.

إن تريختنبرغ ارجنتيني ذو وجه مستدير، حسن البشر وعينين ذكيتين تعرفان كيف تنظران الى العالم بنظرة ذكية ومتلهية. حينما كان من خريجي حركة الشباب "البنائين" في الارجنتين، نشب صراع كبير بين التيار الراديكالي الذي أعلن حربا على المؤسسة اليهودية، والتيار البراغماتي الذي تعاون مع الطائفة اليهودية. وكان هواه مع التيار البراغماتي. فالثورات يمكن أن تتدهور الى عنف وفوضى وكارثة – وهذا هو الدرس الذي جاء به من الارجنتين.

في صفحته الشخصية في "غوغل" يعرض صورا له مع زوجته وبناته الثلاث الحسناوات، وصورا له في زي تنكري لعيد المساخر، وديوان شعر كتبه في السبعينيات. فقد كان تريختنبرغ الشاب شاعرا معذبا.

أكيروف زاوية هرتسل

في صباح السبت سافر تريختنبرغ الى برجي أكيروف في تل ابيب. طلب اهود باراك لقاءه واللقاء كعادة باراك لا يحتمل تأخيرا. جلسا في الشقة الفخمة في الطابق الـ 32 التي تمتاز بحسب شهادة المساعدة الفلبينية بعدد كبير من الغرف الفارغة، وزجاجات الويسكي الفاخرة وثلاجة فارغة. وبحثا ازمة الشباب والاحتجاج. وصدرت عن باراك ملاحظة ما عن الفرق بين الشقة في أعلى والخيام في أسفل. فباراك يعرف كيف يضحك من نفسه الى حد ما، وهذا لا يجعله يصحح عيوبه، لكن يعرض عيوبه في ضوء أكثر ليناً.

فوجيء تريختنبرغ بأن يعلم مبلغ التنسيق بين نتنياهو وباراك. فقد تلقى باراك مهمة أن يُلين معارضته قُبيل اللقاء مع نتنياهو في القدس بعد الظهر فجند للمعركة قوة اقناعه كلها.

جاء تريختنبرغ الى منزل رئيس الحكومة في حوالي الثانية، واستعد للقاء قصير يعلن فيه أن رفضه نهائي. وقد حدثه نتنياهو عن كتاب قرأه مؤخرا عن هرتسل. وتعلم منه أن هرتسل كان زعيما براغماتيا جدا. فحينما لم ينجح في اقناع السلطان التركي، مضى الى القيصر الالماني. وعندما زادت المقاومة للاستيطان اليهودي في ارض اسرائيل أيد استيطان اليهود في اوغندا. كان هذا هو المشبه به، أما المشبه فهو أنا، نتنياهو، فأنا كهرتسل. وأنا ايضا قادر على تغيير تصوري العام إزاء واقع متغير.

طلب نتنياهو من تريختنبرغ أن يقول ماذا كان يفعل لمواجهة موجة الاحتجاج. وسأل تريختنبرغ نتنياهو هل ينوي كسر اطار الميزانية، فأجابه نتنياهو بـ لا. ومال تريختنبرغ الى الموافقة، فليس هذا هو الوقت. وبالتدريج توصلا الى تفاهم على أن المجال الرئيس الذي يمكن فيه الآن احداث تغييرات هو فرض الضرائب. ينبغي خفض عبء الضرائب غير المباشرة. وتجميد الخفض أو حتى رفع الضرائب المباشرة. وزعم نتنياهو أنه فعل ما يكفي في الشؤون الاخرى التي رفعتها موجة الاحتجاج الى السطح، فحكومته حررت اراضي للبناء. وأزالت سدادات. وبعد قليل ستبدأ اسعار السكن في الانخفاض، وقد أصبحت تنخفض.كان خفض الضرائب المباشرة – ولا سيما ضريبة الشركات – دُرة تاج سياسة نتنياهو الاقتصادية في ولايته الحالية. وكان رافعته لزيادة النمو وبدء فخره. وقد دل استعداده للتخلي عنها على مبلغ اقلاق موجة الاحتجاج إياه. إن الاحتجاج لا يكسر الائتلاف بل يجرحه. والائتلاف سينزف أو قد أصبح ينزف. وستأتي العقوبة في الانتخابات. فقد ينتهي الامر الى 12 نائبا كما في 2006.

فكر تريختنبرغ ايضا بمفاهيم سياسية. هل موجة الاحتجاج ستسقط الحكومة؟ الجواب بالنفي أو أن ذلك ليس في أجل قريب، بيقين. فالائتلاف قوي والذعر يزيد في وثاقته. إن أكثر اعضاء الكنيست لا يهبون للمضي الى الانتخابات. وكديما ليس في صورة البديل الآن. لو كان هناك احتمال لاسقاط الحكومة فلربما وجد مكان للرفض لكنه في الوضع الذي نشأ يحسن استغلال ضعف الحكومة وأن تُقاد الى اصلاحات اجتماعية. إن السلطة التي ستتعطى للفريق هي أن يوصي فقط لكن حينما تُقدم التوصيات لن يتجرأ نتنياهو على الاعتراض عليها لانه سيخاف رد الشارع.

قال نتنياهو لتريختنبرغ انه يستطيع ان يختار بنفسه اعضاء فريقه. وسأل: هل تستطيع أن تقدم إلي توصيات في غضون اربعة اسابيع، فقال تريختنبرغ: في غضون ستة اسابيع. ووافق نتنياهو فورا.

حينما خرج تريختنبرغ من منزل رئيس الحكومة تبين له ان اللقاء دام مدة لا تقل عن اربع ساعات. وكان رجال الشرطة قد أقاموا حواجز في شارع غزة قرب المنزل استعدادا للمظاهرة التي ستجرى هناك في المساء، في موازاة المظاهرة الكبيرة في شارع كابلان في تل ابيب. وقدد قررت بناته أن يخرجن للتظاهر.

دخل في الفترة الاكثر تحديا لحياته المهنية – إزاء سكان الخيام الذين لا يصدقونه تحت رئيس حكومة تبنى التغيير كأنما أصيب بمس.

بهجة القوة

ألقى نتنياهو على "فريق مانو" – كما يسمون اللجنة في ديوان رئيس الحكومة، وكأن الحديث عن رحلة بحرية لذيذة لـ "سفن مانو" الى قبرص – مهمتين.الاولى أن يصوغ توصيات لتغيير السياسة الاقتصادية؛ والثانية أن يحادث سكان الخيام. والمهمتان تناقض الواحدة الاخرى: فقرارات التغيير مطلوبة فورا لملاقاة المزاج العام وللبرهان على ان الحكومة تقرر وتفعل؛ والتحادث يحتاج الى زمن واصغاء وصبر.

منذ يوم الاحد تبادل تريختنبرغ وايتسيك شمولي رئيس طلبة الجامعات رسائل قصيرة. وأجريا محادثة هاتفية واحدة. وكان يفترض أن يلتقيا في مساء يوم الثلاثاء لكن شمولي ألغى اللقاء.

يشعر نتنياهو بأنه مرفوض. وسلوك مُحدثي الاحتجاج يثير غضبه. ففي الاسبوع الاول وعد طلبة الجامعات بافضالات مبالغ فيها لكنهم اختاروا البقاء في الخيام. وكل قرار اجتماعي قرره منذ ذلك الحين حظي بجامات الاحتقار. وهو يقول انهم يطلبون كل شيء ويردون باستخفاف على كل شيء يعطونهم إياه.

انه لا يفهمهم، ونشك أن يفهمهم في يوم ما. فهم يظهرون عدم الثقة بكل ما يتصل بالمؤسسة أو بسياسي أو موظف أو حزب. وهو على ثقة بأن عدم الثقة محصور فيه. وهم يرجون الاصغاء والحوار. وهو يفهم كلمة الاصغاء فهما مختلفا تماما: فهو حينما يجلس الى مستشاريه ويقرر احسانا اجتماعيا يبرهن على الاصغاء. وهم يقولون ان الاصغاء يتم تبادله وهو يقول ان الاصغاء يُعطى فانه لا يجب علي أن أستمع لكم. واذا كنت آخذ في الحساب مطالبكم فأنا مصغ.

إن المؤتمر الصحفي الذي عقده نتنياهو في الاسبوع الاول في مكتبه، مع تمجيد الذات والضحك ورشوة الطلبة الجامعيين المكشوفة، كان خطأ شديدا. كان سيحسن الصنع لو استأجر في ذلك الصباح القاعة الرياضية للمدرسة الثانوية البلدية أ. على مبعدة 300 متر من جادة روتشيلد. ولو أنه مثل هناك في التاسعة صباحا وأعلن قائلا: سأجلس هنا حتى منتصف الليل اذا شئتم أو حتى بزوغ الصبح، جئت للاصغاء. كل من عنده مطالب واعتراضات وأفكار لتحسين السياسة الاقتصادية والاجتماعية مدعو للحديث. 100 أو 200 شخص. أحضرت معي بدفتر كبير، سأكتب فيه كل كلمة، وأنا شخصيا لن استشيط غضبا ولن أجادل. وسأقول في النهاية إن كل شيء سيفحص عنه ويوزن وأنهي ذلك باطراء المحتجين: فأنا مع الكثرة الكاثرة من المتحدثين وخبراء العلاقات العامة الذين يعملون حولي ما كنا قادرين على التوصل الى جزء من ألف من انجازاتكم وما تزالون في بداية الطريق. لكم كل الاحترام.

تم تجربة هذا الاجراء بنجاح، وبصيغ مختلفة على شعوب مختلفة آلاف السنين. فالملك يجلس عند مدخل المدينة ويصغي لشعبه، وقد طور بن غوريون فن الكتابة في دفتر مذكرات أو في دفتر. وتبنى تلميذه اريك شارون ذلك بحماسة. أحب الناس أن يروا في شارون تلميذا دؤوبا يثبت بالكتابة كل كلمة تخرج من أفواههم وشعروا بأنهم مؤثرون ويتركون بصمة، انهم جزء من التاريخ.

لا يولي نتنياهو هذه اللقاءات أهمية وهو يسميها "مسرحا سياسيا".

وأصبح ذلك الآن متأخرا جدا بالطبع. فمن تلقى أطنان حب من ربع مليون انسان لا يشبه من انشأ مقصفا صغيرا في طرف روتشيلد. زاد التبجح وسيطرت الشعارات وأخلت بهجة الشباب مكانها للشعور بالقوة. وأصبح محدثو الاحتجاج الآن على يقين بأنهم هم الشعب. والشعب لا يجري تفاوضا مع حكومته بل يأمرها بما تفعل.

تحدثت هذا الاسبوع مع ايتسيك شمولي عن الحضور القوي الذي نشأ له فجأة. قلت له ان عاموس كنان كتب ذات مرة جملة غير دقيقة لكنها لاذعة، فقد كتب ان بن غوريون لم تكن له قوة حضور حتى سنة 1948.

قال: "ان ديوان بيبي لا يفهم الحراك، فأنت لا تستطيع أن تدعو الى تحادث وتنفذ بعد ذلك اجراءات من طرف واحد. انهم يحتالون علينا".

سألته: ألا تخشى على مصير نضالكم؟. توجد ازمة اقتصادية عالمية.

"أنا غير مذعور من التهديد الايراني ولا من الانخفاض في البورصة الامريكية. فلي شقة مستأجرة. ويوجد معنا ناس ليس لهم شيء".

ما الذي تخشاه، سألته.

قال: "العنف. فقد يتدهور هذا الى العنف".

سمعت هذا الاسبوع مخاوف مشابهة من آخرين داخل الخيام وخارجها. ورأى الناس الصور من لندن. وقد هاتف عضو مركز ليكود سابق. فهو على ثقة بأن الناس سيبدأون نهب الحوانيت واختراق المصارف. واذا لم تعالج الحكومة غلاء المعيشة بتصميم سيوجد هنا حمام دماء.

لا يتوقع نتنياهو أن يحدث هذا. بل يرى الخطر في مكان آخر، في رفض قبول كل اقتراح رفضا باتا، ولا يمكن على هذا النحو ادارة دولة.

يقول شمولي: "كنا نستطيع التوصل الى صياغة مطالب محددة، فأوقفت ذلك. فأنا أعلم أنني كلما حددت المطالب انشأت عدم اتفاق وأبعدت عنا جزءا من المؤيدين. فلماذا أفعل هذا الآن ونتنياهو ما زال لم يُبين ما الذي يريده وكيف وما هي السلطة".

البقرة المقدسة

يُقدر نتنياهو أننا على أبواب ازمة اقتصادية عالمية. والكلمة الصحيحة هي تسونامي. ففرنسا في ورطة ايضا بعد اليونان والبرتغال واسبانيا وايطاليا. فالحديث عن 180 مليون اوروبي. وستبلغ الازمة المانيا بالضرورة ايضا، ولم تعد احتياطيات الولايات المتحدة تقضي ديون الحكومة.

وهو يؤمن بأن الأنباء عن الازمة في الخارج ستغير الخطاب العام في الداخل. سيدركون ان العالم في دوامة كبيرة جدا وأنه لا يجوز التصرف بعدم مسؤولية. في العالم اقتصادات مبنية على السقوط واقتصادات مبنية على النمو. ومكان اسرائيل في الصنف الثاني.

وهذا ما يثير بالضرورة سؤال ماذا سيحدث للبقرة الأقدس، أعني ميزانية الدفاع. إن المطالب التي أثارها جهاز الامن للسنة القادمة مبالغ فيها، ويقول اعضاء في لجنة الخارجية والامن مجنونة. وتعليل ذلك التغييرات في وضع المنطقة. فمصر غير مستقرة. ويجب الاستعداد لامكانية أن يُنقض اتفاق السلام. ويحصل حزب الله على كميات كبيرة من السلاح من ايران مباشرة. ويجب شراء نظم اخرى من القبة الحديدية من اجل لحظة يتجدد فيها اطلاق الصواريخ من قطاع غزة.

لم يرد شيء في كتاب تعيين لجنة تريختنبرغ عن ميزانية الامن. وهذا التجاهل ليس عرضيا، فمن السهل على الحكومة أن تزيد ميزانية الامن من تحت الرادار. ولا يجب أن يمنع هذا اللجنة عن أن تقول قولها. كان تريختنبرغ عضوا في لجنة برودت التي رسمت مخططا لنفقات الامن. وتستطيع لجنته أن تدعو الحكومة الى العودة الى المخطط. يريد نتنياهو أن يزيد على الأمن، لكنه يدرك أنه لا يستطيع إزاء الازمة في العالم، فهو يؤيد الآن التجميد. وتهدده ثلاثة عوامل مختلفة: الاحتجاج الاجتماعي والازمة في العالم وسيناريوهات جهاز الامن. وهو يناور بين الثلاثة.

 

انشر عبر