شريط الأخبار

نافذة لمستقبل جديد- يديعوت

10:03 - 05 تموز / أغسطس 2011

نافذة لمستقبل جديد- يديعوت

بقلم: دافيد غروسمان

مع خروج السبت الاخير، في المظاهرة في القدس، نظرت حولي ورأيت نهرا من الناس يجري في الشوارع. كان هناك الاف الناس ممن لم يُسمعوا اصواتهم منذ السنين. وفقدوا كل أمل بالتغيير وانطووا داخل مشكلاتهم ويأسهم.

لم يكن سهلا أن انضموا الى الصرخات الموقعة للشباب ذوي مكبرات الصوت. فربما كان هذا حرج من لم يعتد أن يجهر بصوته، ويخشى الصراخ ويحجم عن الصراخ في جماعة. شعرت للحظات أننا، سائرين في المسيرة، ننظر الى أنفسنا في دهشة وشك طفيف، وأننا لا نؤمن بأنفسنا تماما وبما يصدر عنا: فهل نحن في الحقيقة "جمهور" كهذا، جمهور غاضب يلوح بقبضات أيديه، كما رأينا في مظاهرات مشابهة في تونس ومصر وسوريا ولبنان؟ هل نريد أن نكون جمهورا كهذا؟ وهل نعني بجدية ما نصرخ به ههنا بايقاع أي "الثورة؟" وماذا سيحدث اذا نجحنا "فوق الحاجة"، وانهارت دعائم هذه الدولة الهشة؟ وماذا سيحدث اذا أصبح الاحتجاج والحماسة فوضى؟

لكن بعد عدة خطوات يحدث شيء ما ويدخل الدم. الايقاع والزخم والمشاركة. انها ليست مشاركة مهددة ممحوة الوجه بل هي مشاركة غير متجانسة وفسيفسائية ومختلطة وعائلية ومع شعور قوي بأننا نفعل الشيء الصحيح، نفعل الشيء الصحيح آخر الأمر. وآنئذ يثور التساؤل أيضا: أين كنا الى اليوم؟ وكيف سمحنا لهذا بان يحدث؟

كيف سلمنا لان تجعل الحكومات التي اخترناها صحتنا وتربية أبنائنا ترفا؟ وكيف لم نهب عندما سحق موظفو المالية العاملين الاجتماعيين وقبلهم المعوقين والناجين من المحرقة والشيوخ والمتقاعدين؟ وكيف دفعنا طوال سنين الجائعين والفقراء الى بيوت الصدقة وجمعيات التفضل وحياة الذل الطويلة، وكيف تخلينا عن العمال الاجانب لتنكيل مطارديهم وصياديهم، وتجارة عبيد وتجارة نساء؟ وكيف سلمنا بعروض الخصخصة الساحقة وفي خلال ذلك فتتنا كل شيء عزيز علينا – التكافل والمسؤولية والمساعدة المتبادلة والشعور بالانتماء الى شعب واحد؟

كانت لعدم الاكتراث هذا كما تعلمون أسباب كثيرة، لكن الخلاف العميق حول مسألة الاحتلال هو في نظري الامر الذي شوش أكثر من كل شيء على أجهزة رقابة وانذار المجتمع الاسرائيلي. طفت فوق السطح الجوانب السيئة المريضة في مجتمعنا ونحن – ربما بسبب الخوف من الوقوف بعيون مفتوحة في مواجهة واقع حياتنا كاملا – استسلمنا بحماسة لمختلف من جعلوا أحاسيسنا غبية والى المشوشين على الواقع. وقد نظرنا أحيانا في أنفسنا: ان فريقا منا أحب جدا ما رأى، وفريقا اشمئز وصد، لكن من صد أيضا قال هذا هو الموجود وتنهد وسماه "الوضع" وكأنه قضاء وقدر؛ فالى ذلك أيضا تركنا لقنوات التلفاز التجارية أن تملأ أكثر فراغ وعينا الجماعي وان تصوغ أنفسنا بمفاهيم صراعات البقاء والافتراس، وان تغري بعضنا ببعض، وان نحتقر كل من هو أضعف منا ومن هو مختلف و "غير جميل" ولا لوذعي ولا غني. وقد كف بعضنا عن ان يتحدث الى بعض منذ سنين كثيرة ومن المؤكد اننا كففنا عن الاصغاء، لانه كيف يمكن – في هذا الجو جو "خُذ قدر استطاعتك" – الا ينقض بعضنا على بعض وينهب بعضنا بعضا. أليسوا يقولون لنا هذا ويبينونه بكل سبيل ممكنة – وان كل إنسان لنفسه ولمصيره.

وكلما أرهقنا أنفسنا بالمشاجرات التي لا تنقطع أصبحنا مادة أسهل للسيطرة والتحكم وجعل الذهن غبيا، وأصبحنا ضحايا "فرق تسد" خفية وناجعة. وهكذا، من المال الى المال ومن المال الى السلطة والى الصحيفة أصبح تناول القضايا المصيرية ضحلا وأصبح صراعا على أنه "من يحب الدولة ومن يكرهها" و "من يخلص لها ومن يخونها" ومن هو "اليهودي الجيد" ومن "نسي أنه يهودي"؛ فكل نقاش عقلاني غُمس في تقيع شجار انفعالي، شجار الوطنية والقومانية، وشجار ادعاء البر وانك الضحية، ورويدا رويدا حُسم إمكان نقد واعٍ لما يحدث ههنا ووجدت اسرائيل نفسها آخر الامر تعمل وتتصرف - نحو مواطنيها – بخلاف تام للقيم والتصورات العامة التي كانت ذات مرة روحها وخاصيتها.

لكن فجأة وبخلاف جميع التوقعات، حدث شيء ما، واستيقظ الناس وانفتحوا الى شيء ما لم يزل غير واضح في الحقيقة والى أين يتجه وما زالت لا توجد كلما لوصفه بدقة أو لفهمه حتى النهاية. لكنه أخذ يتضح وينصاغ مع الصراخ بهذه الشعارات التي تتخلص فجأة من قشرة الكليشيه وتصبح شعورا حيا، "الشعب يريد عدالة اجتماعية!"، و "نريد عدالة ولا نريد صدقة!" وكلمات اخرى كهذه وصيحات من أزمان أخرى وأصبح يوجد أحيانا اشارات الى طريق ممكن للشفاء والاصلاح، ويعود الينا هذا الشيء المنسي، أعني كرامتنا الذاتية، كرامة الاسرائيلي الفرد واسرائيل كلها.

توجد قوة ضخمة، ومتعتعة ومسكرة شيئا ما ايضا في هذه اليقطة. فمن المغري أن تجرك النشوة – وتجدد الشباب – التي يبثها المسار الجديد. ومن السهل ان تخطيء في وهم اننا نخرب مرة اخرى عالما قديما ونسويه بالارض. بيد أن الامر ليس على هذا النحو بالضبط: فالعالم القديم لم يكن كله سيئا، كانت له ايضا انجازات عظيمة ستمكن الان فيما تمكن من تحقيق جزء من مطامح حركة الاحتجاج والحرية التي يمكن بها التعبير عن هذه المطامح. لهذا يجب ان يتحدث هذا النضال بلغة تختلف تماما عن لغة النضالات التي كانت هنا حتى الان. ويجب ان يقوم فوق كل شيء على الحوار وان يكون اشراكيا لا مقصيا؛ وان يكون مبدئيا لا انتهازيا وفئويا. فهذه هي الطريقة التي يستطيع فيها هذا العمل ان يحافظ على التأييد الجماهيري الكبير الذي يحظى به. وإن الغموض في حركة الاحتجاج يمكن كل جماعة فيها من التمسك باراء سياسية واعتقادات يخالف ويناقض بعضها بعضا، والتعرف مع كل ذلك - لاول مرة منذ عقود – لبرنامج عمل مشترك مدني وانساني، ومن الشعور حتى في الفخر للانتماء الى هذه الجماعة. فمن في اسرائيل يستطيع أن يسمح لنفسه التخلي عن هذه الموارد النادرة؟

إن حركة الاحتجاج هذه وامواجها الارتدادية تقترح علينا إمكان محادثة بين من لم يحادث بعضهم بعضا منذ عشرات السنين. وبين طبقات اجتماعية مختلفة ومتباعدة. وبين المتدينين والعلمانيين، وبين العرب واليهود. وفي هذا المسار، مسار تعرف المشترك وما يمكن احرازه يمكن أن ينشأ أيضا بين اليمين واليسار تحادث واقعي وأكثر تعاطفا – في عدم إكتراث اليسار مثلا باولئك الذين اقتلعوا من غوش قطيف، وجرح المستوطنين المفتوح – وهو تحادث ربما يستطيع أن ينقذ ما يمكن انقاذه من شعور التكافل الذي لا يحق لدولة في وضعنا التخلي عنه. بعبارة اخرى اذا كانت روح الحركة تلائم بيت شعر أمير جلبوع الذي يقول "استيقظ انسان في الصباح فجأة يشعر بأنه شعب وبدأ السير"، فيجب عليها ان تستمر الان وأن تنشد، "وهو يقول لكل من يلقاه في طريقه "سلام"".

يسهل انتقاد خطوات الحركة الشابة والشك فيها. فعلى العموم أسهل دائما ان تجد أسبابا لماذا لا تفعل فعلا حازما وشجاعا. لكن من يصغِ الى ما يصدر عن المتظاهرين – لا في روتشيلد فقط بل في جنوب تل  أبيب وفي أحياء القدس واسدود وحيفا ومعلوت – ترشيحا ايضا – يدرك أنه ربما فتحت لنا ههنا نافذة الى مستقبل مختلف. فالزمان ناضج لهذا المسار وله آخر الامر، وهذا ما يثير الدهشة، طوابير. ربما يكون هذا ما عنته امرأة شابة تقدمت اليّ في المظاهرة في القدس وقالت: انظر، ما تزال القيادة جوفاء لكن الشعب لم يعد كذلك.

انشر عبر