خبر فى بيتهم إرهابى .. فهمي هويدي

الساعة 12:03 م|04 أغسطس 2011

فى بيتهم إرهابى  .. فهمي هويدي

هناك أكثر من وجه مسكوت عليه فى قضية الإرهابى النرويجى الذى قتل ٨٦ شخصا من بنى جلدته فى 22 يوليو الماضى، صحيح أن الأوروبيين مصدومون من وقوع جريمة بهذه البشاعة فى البلد الذى خرجت منه جائزة نوبل للسلام، ومستغربون من أن القاتل مواطن أوروبى قُحْ، وليس مسلما ممن باتت صفة «الإرهاب» لصيقة بهم، إلا أن ثمة جوانب أخرى فى القضية لم تنل نصيبها من الاهتمام. ذلك أن الأجهزة الأمنية حصرت جهدها فى دائرتين محدوتين هما: ظروف القاتل (اندروس برايفيك ــ 32 سنة) التى دفعته إلى ارتكاب جريمته، والثانية ما إذا كان له شركاء عاونوه فى هجومه على معسكر الشباب النرويجى الذى استهدفه.

 

لايزال التحقيق مع الرجل مستمرا وقد قيل إنه لأسباب أمنية فإن المعلومات التى أدلى بها لن تعلن فى الوقت الراهن ــ لكن أفكاره التى سجلها فى بيان من 1500 صفحة أوردها على موقعه الإلكترونى، جاءت حافلة بمشاعر البُغض ضد المسلمين بوجه أخص، الذين صدَّق أنهم يحاولون أسلمة أوروبا، وضد الحكومات الغربية التى تسمح باستقبالهم واستمرارهم على أراضيها. فكتب قائلا: صليت اليوم للمرة الأولى منذ زمن طويل. وطلبت من الله، إذا لم يشأ أن يسيطر التحالف الماركسى الإسلامى على أوروبا ويقضى على المسيحية فيها خلال المائة عام المقبلة، أن ينصر المحاربين من أجل الحفاظ عليها، وهو كلام رجل تشبعت أفكاره بأيديولوجيا الحركات العنصرية الأوروبية والأمريكية. الأمر الذى دفع الأجهزة إلى البحث عن خيوط علاقاته بالعناصر اليمينية ليس فقط فى بلاده، ولكن أيضا فى بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ومع حزب النازية الجديد فى ألمانيا.

 

المسكوت عليه فى هذا الصدد أن القاتل شديد التعلق بإسرائيل وإعجابه لا حدود له بالسياسة التى تتبعها مع العرب الفلسطينيين. وقد سلطت الضوء على هذا الجانب صحيفة «إسرائيل اليوم» (عدد 25/7)، فقالت فى تقريرها إن الرجل «صهيونى متحمس». وقد ذكر دولة إسرائيل بما لا يقل عن 300 مرة. وإذ ظل يمجدها فى كل مرة، فإنه لم يكف عن مهاجمة المؤسسات السياسية الأوروبية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى الذى ارتأى أنه غير متعاطف مع إسرائيل. ومن أسباب إعجابه بالدولة العبرية أنها «على مدى السنين لم تمنح السكان الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيطرتها حقوق المواطنين، بخلاف أوروبا التى فتحت أبوابها للمسلمين ومنحتهم حق المواطنة وحقوقا أخرى إضافية».

 

ما كتبه عن تأييد إسرائيل وعدائه للفلسطينيين ليس مصادفة. فاليمين المتطرف فى أوروبا الذى ينتمى إليه الرجل يقيم علاقات تعاون وتحالف مع اليمين الإسرائيلى المتطرف. وقد تبين أن ممثلى الطرفين عقدا لقاء مشتركا فى إسرائيل خلال شهر فبراير الماضى. ومثل ذلك التعاون له صداه فيما كتبه برايفيك عن «تهديد كيان إسرائيل بالإرهاب الإسلامى» ومن ثم عن المسلمين الذين يغزون أوروبا ويهددونها. ليست بعيدة عن هذه الأجواء منظمة «آى بى إل» ــ عصبة الدفاع الإنجليزية التى تحاول إقامة تحالف أوروبى واسع ضد هجرة المسلمين. وشأنها شأن بقية المنظمات اليمينية فإنها تبرر الاعتداءات على المهاجرين المسلمين فى أوروبا، وقد استنكر أحد قادتها، اسمه توم تيونتو، جريمة الإرهابى النرويجى، لكنه وجد لها مبررا فى قوله: «ربما كانت مثل هذه العمليات فى النرويج بداية النهاية للوجود الإسلامى فى أوروبا».

 

هذه الخلفية تقودنا إلى الوجه الآخر المسكوت عليه للجريمة. ذلك أنها تسلط الضوء على العلاقة بين التحالف الشرير بين اليمين فى أوروبا واليمين الإسرائيلى، الذى يؤجج العداء للمسلمين والفلسطينيين (الإسلاموفوبيا) وبين جريمة القتل البشعة التى تعرض لها ٨٦ نرويجيا. إذ قد جن لأحد أن يتساءل: إذا كان العداء منصبا على المسلمين والفلسطينيين، فلماذا اتجه الرجل إلى قتل ذلك العدد من الشباب النرويجيين؟ ــ ردى على السؤال أن ثمة علاقة دفينة يحرص كثيرون على إخفائها أو تجاهلها، وهى أن الإسلاموفوبيا تختلف عن العداء للسامية أو الصور الأخرى للعنصرية، من حيث إنها لا تشكل جريمة بحق المسلمين وحدهم، ولكنها فى جوهرها جريمة ضد الإنسانية، وينبغى أن ينظر إليها من هذه الزاوية. وعلى من يشك فى ذلك أن يتأمل جيدا تفصيلات الجريمة التى وقعت فى النرويج.