شريط الأخبار

أزمة مالية في السلطة - هآرتس

11:20 - 31 تموز / يوليو 2011

أزمة مالية في السلطة - هآرتس

بقلم: عميره هاس

"ازمة مالية في السلطة الفلسطينية" هو تعبير مريح عن وضع لا تكون فيه حكومة رام الله (مرة اخرى) قادرة عشية رمضان أن تدفع كامل رواتب نحو 150 ألف موظف. تعبير قصير، ولكنه ليس صائبا على الاطلاق. فالازمة، كما يقول الاقتصادي رجا خالدي، هو وضع راهن يحسن جدا مع اسرائيل منذ اتفاق اوسلو: فاسرائيل تسيطر على الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما المجتمع الفلسطيني والدول المانحة تمول نفقات السيطرة.

الرواتب المنخفضة في الجيوب الفلسطينية (بالمتوسط أقل من 2000 شيكل) وتأخير الراتب العام الذي تقع فيه السلطة – ليست قصة آيسلندا. فهي – مثل غلاء المعيشة لدينا، أرباب المال، غنى الدولة وبؤس الرواتب – ترتبط بالنظام الاقتصادي العام الذي صممته حكومات اسرائيل بين النهر والبحر. دليل آخر على ازمة اسرائيلية، حتى وإن كان لاسباب عملية، لا يجري الحديث عن ذلك في خيام الاحتجاج.

خالدي هو اقتصادي في مجال التنمية، يعمل في الامم المتحدة منذ 25 سنة، ويكثر من الكتابة عن الاقتصاد الفلسطيني في المناطق التي احتلت في 1967 وفي اسرائيل. "لا ينبغي المبالغة في عزو الازمة لتأخير تحويل التبرعات التي وعدت بها الدول العربية"، يقول خالدي (الذي أجابني على اسئلتي بالبريد الالكتروني). الاسباب الفورية تتغير. ولكن "جذور الازمة المالية العضال للسلطة ترتبط بقدر أكبر بحقيقة أن السلطة مطالبة بأن تحمل على كتفيها، بنجاعة، العبء المالي للاحتلال – سواء من حيث كلفته الامنية أم من حيث كلفة توريد الخدمات للجمهور – بينما تظهر أمام العالم كحكومة لـ "دولة"، مع كل التوقعات العادية بالميزانية المتوازنة وبالقطاع العام المقلص. لا توجد حقا ازمة ميزانية في السلطة، بل ازمة في قدرة تنفيذ كل مشروع "الحكومة الفلسطينية" منذ اوسلو.

150 ألف موظف (وأكثر من 20 ألف تدفع رواتبهم حكومة حماس)، أليس هذا جهازا منتفخا؟

"نفقات الراتب (نحو 1.7 مليار دولار) هي نحو ربع الانتاج المحلي الخام، ضعفا أو ثلاثة اضعاف النسبة في دول اخرى في المنطقة. ولكن الانتاج المحلي الخام يتقلص، بنيويا، كنتيجة للاحتلال المتواصل، ولهذا يُخيل أن نصيب الراتب في الانتاج المحلي الخام المنخفض – كبير. حتى وإن كان يُخيل أن نصيب القطاع العام "منتفخ".

"ولكن هذه سياسة موجهة، بدأها عمليا سلام فياض نفسه في 2001، في بداية الانتفاضة الثانية، حين كان مندوب صندوق النقد الدولي في سلطة ياسر عرفات. فياض صمم خطة "الدعم للميزانية" الاولى، التي مولتها الدول المانحة (أولا الدول العربية، وبعد ذلك الاوروبية)، لسبب كنزي جيد جدا: في اثناء الركود الاقتصادي، مطلوب انفاق حكومي لتشجيع الطلب المتراكم. وهكذا فان الحافز المالي القائم منذ عشر سنوات ليس تعبيرا عن قطاع عام منتفخ. هذه وسيلة خاصة لمكافحة القيود الاقتصادية البنيوية التي يخلقها الاحتلال. هذا كان ولا يزال أداة وحيدة للسياسة المالية – المحدودة ولكن ذات المفعول – الموجودة للسلطة. بدونها – اسرائيل والعالم كانا سيقفان امام ازمة اقتصادية هائلة في الارض الفلسطينية المحتلة".

هل الازمة الحالية عطلت النية للتقليص الى الصفر لدعم الدول المانحة للرواتب؟        "فكرة وجوب التقليص المبدئي للتعلق بدعم الدول المانحة، رغم ظروف الاحتلال وانعدام السيادة الفلسطينية والحقوق الوطنية في الافق، هي خروج عن الامر الاساس ومطلب غير نزيه من اقتصاد حرم على مدى أكثر من أربعين سنة من قدرة الانتاج، التجارة، النمو والتطور. قبل أن يكون ممكنا التقليص الناجع لمساعدات الدول المانحة ينبغي تقليص الاقتصاد بوسائل انتاجية، بنى تحتية والحرية للبناء والنمو – كل ما حرم بوسائل مختلفة عن غزة وعن الضفة الغربية. طالما كانت اسرائيل تسيطر على مسارات التجارة الفلسطينية وتقبض نحو نصف الضريبة على الاستيراد (منها أو عبرها، بدلا من الاستيراد المباشر – ع. ه) فلا بديل عن المساعدة المستمرة من الدول المانحة. لا ينبغي للسلطة الفلسطينية ان تخجل من تعلقها بالمساعدات، او تتطلع الى تقليصها، وان كان عليها ان تفكر بوسائل اكثر نجاعة لاستخدامها".

ولماذا يخيل أن الغرب أكثر التزاما بالمنح من الدول العربية؟

"بعد جيلين أيضا من العام 1948، لا يمكن للغرب أن يتجاهل مسؤوليته التاريخية (عن النزاع) والمصالح الامنية والسياسية الفورية الناشئة عن استمرار هذا النزاع. وهكذا، كل ما هو مطلوب لمنع التصعيد مرتقب، ويتم دون أن تطرح اسئلة حول الكلفة. المانحون العرب، بالمقابل، لا يشعرون بمسؤولية تاريخية عن الوضع ودعمهم هو مسألة تضامن مع الاخوان المسلمين فقط: تضامن يرتفع وينخفض بالتوازي مع الوضع الفلسطيني الداخلي ومع درجة خضوع الانظمة العربية للضغط العربي كي تؤدي مهامها في اتفاق السلام هذا أو ذاك. وهكذا فانه خلافا للغرب، فان التبرعات بالنسبة اليهم ليست متوقعة مسبقا، ولا تعتبر كمصلحة أمنية او سياسية. من ناحية الغرب، إذن، المساعدة هي التزام لا يمكنه أن يتملص منه. أما بالنسبة للدول العربية – فهو واجب يفترض بها أن تنفذه".

والان توجد للغرب مسؤولية تاريخية عن وعود أوسلو التي لم تنفذ؟

"لا ينبغي أن ننسى بانه من ناحية جوهرية الاحتلال (ربما مع خدمات أقل تميزا، دون فنادق خمس نجوم ودون وظائف مضمونة في السلطة)، تم تنفيذه حتى العام 1993 مع 22 ألف أجير، زائد 120 الف فلسطيني كانوا يعملوا في اسرائيل، وساهموا في الانتاج المحلي الخام الى هذا القدر أو ذاك بما تساهم به نفقات السلطة اليوم.

"اليوم اسرائيل غير ملزمة بان توفر للفلسطينيين العمل، الخدمات الاجتماعية أو الامنية (مهما كانت محدودة) بينما سيطرتها تواصل التوسع، بفضل ميزانية فلسطينية تمولها الدول المانحة بشكل عام بسخاء. وهذا ما يسمى أزمة وذلك لان الميزانية لا يمكنها أن تفي باحتياجات ترتيب يسمح للاحتلال بالتوسع والتطور والتحول الى احتلال أرخص لاسرائيل؟ في واقع الامر وهذه كانت الحيلة الحسابية الذكية – عندما يكون الطرف الوحيد الذي يجدر به ان يمر بازمة ميزانية (بسبب الاحتلال)، هو إسرائيل".

انشر عبر