شريط الأخبار

لا تعايش مع المحتل ولا تنازل عن الوطن..علي عقلة عرسان

09:34 - 23 حزيران / يوليو 2011

لا تعايش مع المحتل ولا تنازل عن الوطن..علي عقلة عرسان

 

لا أدري هل نحن مقبلون على نصر أم على هزيمة، وهل نحن أمام مأزق أم مفارقة مضحكة مبكية، أم أننا على وشك أن نغرق في خضم فصل جديد من فصول العبث المتواصل بحقنا التاريخي في فلسطين والقضية المركزية في تاريخ العرب الحديث.. قضية فلسطين.. حين يدخل شهر أيلول/ سبتمبر ويعرض على الأمم المتحدة موضوع الاعتراف بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967؟! حيث سيُرتِّب الطلب الفلسطيني ـ العربي والقرار الأممي الإيجابي منه اعترافاً بدولة للفلسطينيين على 26% من فلسطين التاريخية، وهذا يعني ضمناً اعترافاً فلسطينياً ـ عربياً بدولة " إسرائيل" على 74% من فلسطين دون مقابل. وهو في بعد من أبعاده تراجع حتى عن المبادرة العربية التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002 وتم التأكيد عليها في قمم عربية تالية.. لأن المبادرة البائسة انطوت على مطالب أخرى منها حق العودة والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، بينما القرار الذي يطلب إلى العالم الأخذ به في أيلول لا يقترب من هذه الحقوق والأبعاد السياسية، الأمر الذي ينطوي على تنازل غير معلن لا يلبث أن يصبح حقيقة على الأرض معترف بها أمام الأمم. والتذرع بأن تلك الحقوق التي لا ينص عليها في القرار الأممي المنتظَر، أي حق العودة والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، هو موضوع قرارات دولية سابقة.. هذا التذرع لا يقدم شيئاً مقنعاً أو ذا قيمة، لأن القرار 194لعام 1948 مضت عليه 63 سنة دون أن يفكر أحد في مجرد التأكيد عليه فضلاً عن تنفيذه، والعدو الصهيوني يجاهر في كل محفل وتفاوض وتصريح وقرار وتلميح بأنه يرفض مجرد ذكر ذلك القرار، وأنه لا وجود لحق عودة للفلسطينيين من وجهة نظره.. ويؤيده في ذلك الأميركيون والأوربيون، أما الرباعية فكأن على رأسها الطير " لا تهش ولا تنش". وقد جاءت وثيقة جنيف "الفلسطينية ـ الإسرائيلية ضمنا"ً، لتؤكد على وجود توجه يعمل عليه فلسطينيون موجودون في مفاصل السلطة ومواقع صنع القرار، وهو توجه يأخذ بشطب حق العودة من الوجود ويتكلم عن تعويض تدفع معظمه الدول العربية. أما الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، موضوع القرارين 242 و338، فقد مضت عليه أكثر من أربعة عقود وهو معلق في الفراغ، وقد قام العدو الصهيوني بما هو من انتهاكه وتدميره فضم الأراضي العربية التي احتلها: "الجولان السوري وقرى العرقوب ومزارع شبعا اللبنانية"، واتخذ قرارات وإجراءات على الأرض، وقام ويقوم بالاستيطان فيها تحت سمع العالم وبصره، من دون أن يقول له أحد، بجدية ملزمة ذات مردود فعلى على الأرض والتوجه والقرار: ".. توقف هناك قرارات وقوانين ومنظمات وهيئات دولية ينبغي احترامها، وهناك أصحاب حق يطالبون به وسوف يحصلون عليه."

إن ما سيسفر عنه عرض الموضوع على الأمم المتحدة بهذا الشكل هو عملياً: "ترسيخ الاعتراف بدولة للكيان الصهيوني على 74% من فلسطين التاريخية بموافقة فلسطينية ـ عربية، بل بطلب فلسطيني عربي، من دون مقابل، بعد أن كان القرار 181/ لعام 1947 المنسي تماماً فلسطينياً وعربياً ودولياً ينص على دولة للكيان الصهيوني في حدود 54% من فلسطين، مشروط قيامها بقيام دولة للشعب الفلسطيني على 46% منها تقريبا..ًوهو مع ذلك الظلم بعينه، وهذا التنازل لن تغفره الأجيال العربية.. وفي هذا كله تراجع كبير حتى عن المبادرة المشروطة بشروط أخرى، واعتراف عربي بدأت خطواته على الطريق بإعلان اعتراف بدولة فلسطين في حدود الرابع من حزيران/ يونية 1967 بذرائع منها: كيف نطلب من العالم أن يعترف بدولة فلسطين في تلك الحدود ونحن لا نعترف بها؟! وتنسى الذاكرة الفلسطينية ـ العربية المثقوبة أو تتناسى عن عمد ربما.. أن العرب، من خلال جامعة دولهم، يعترفون بفلسطين دولة عضواً في الجامعة منذ عقود من الزمن، وتمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، كما يعترفون بدولة فلسطين التي أعلنتها المنظمة ومن ورائها الشعب الفلسطيني كله في الجزائر عام 1988، كما يتناسون أن صمودهم ومقاومتهم ونضالهم الفعلي وانتصارهم في حرب عام 1973 وتضامنهم الفعال هو الذي استقطب دولاً كثيرة حولهم وأدى إلى فرض قبول منظمة التحرير الفلسطينية عضواً مراقباً في الأمم المتحدة.. إن قوتهم ووحدة موقفهم وتمسكهم بحقوقهم وثوابتهم هو الذي حقق ذلك وليس التنازل تلو التنازل الذي قدموه للعدو وحلفائه منذ كامب ديفيد حتى الآن.. كما ينسى أولئك الذين يلوحون بمئة وثلاثين دولة سوف تصوت إلى جانب قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية العتيدة في الأمم المتحدة من أصل 193 دولة عضو في المنظمة الدولية، حين يعرض مشروع القرار على التصويت في أيلول/ سبتمبر 2011، ينسون أو يتناسون حقيقة أن أكثر من مئة دولة في العالم كانت تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية قبل اتفاق أوسلو البائس، وأنه في تلك الأيام كانت المنظمة حركة مقاومة تعمل على تحرير الأرض وتقدم التضحيات وتتصدى للعدو الصهيوني المحتل، ممثلة خياراً رئيساً من خيارات الشعب الفلسطيني للوصول إلى حقه التاريخي، وهو المقاومة حتى التحرير.. ولم تكن الدول الغربية ترضى عنها.

إننا اليوم ونحن على مشارف تغير جوهري في خيارات الشعب العربي.. خيارات تعزز المقاومة وتكسر الحصار على غزة، وتختار حكومات تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني وصموده مقاومته من أجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق، وتقول باستعادة البعد العربي لقضية فلسطين، والمسؤولية العربية عنها.. في هذا الوقت نقدم مثل هذه التنازلات ونلجأ إلى الاعتراف المجاني بالعدو الصهيوني الذي يشعر بأن معطيات وتغيرات خطيرة ومثيرة وحسابات جديدة دخلت على أرض المواجهة معه بعد التحرك الشعبي في الخامس عشر من أيار 2011 في فلسطين والجولان وجنوب لبنان.

إن الفلسطينيين والعرب الذين يتوجهون هذا التوجه، رداً منهم على انغلاق باب التفاوض، معنيون بالتفاوض وليس بالصمود والمقاومة والخيارات الشعبية العربية الحقيقة والمستجدات التي تنطوي عليها حركة الجماهير العربية، وقد تحولها إلى إرادة سياسية وتحملها إلى مواقع صنع القرار.. وهم يعرفون جيداً أن كل تفاوض مع الكيان الصهيوني ينطوي على تنازل جديد له، سواء أتم بصورة مباشرة أو عبر وسطاء.. لأنه الوضع كله ينطوي على خلل جوهري، فهم لا يملكون أية قوة من أي نوع حين يجلسون إلى طاولة التفاوض، بينما يملك العدو كل القوة ويعمل على تحقيق أهدافه على الأرض، ويتذرع بأنه يجلس وإياهم إلى طاولة تفاوض.!؟ كما يعرف الفلسطينيون والعرب جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية هي الحليف الأكثر تشدداً من الكيان الصهيوني ذاته في كل ما يتعلق بحقهم، وأن عداءها لهم لا يقل عن عداء الكيان الصهيوني لهم، وأنها تحتل أرضاً لهم كما تحتل إرادات وسياسات، وتعبث بأوضاعهم ومصالحهم وقراراتهم وحيواتهم أيضاً، وأنها تأخذ منهم ثمن الرصاص الذي تقتلهم به.. وأنها والغرب الاستعماري في تحالف مع ذلك الكيان الصهيوني ضدهم، وأنه لا يوجد في المفاوضات مع الكيان الصهيوني وسيط بل منحاز له علناً، وأن الرباعية التي بددت سنوات وسنوات من الزمن دون فائدة تذكر هي إما معطلة أو منحازة إلى العدو الصهيوني المحتل وحليفه الأميركي.. وأنهم يقدمون دوماً تنازلات جديدة ولا يصلون إلى نتائج لا ترضي حتى أكثرهم إقبالاً على التنازل.

ويدرك كثيرون ممن يتابعون ما يجري في الداخل الفلسطيني والمواقع العربية القريبة منه ومن قضيته، ومن تعنيهم الشؤون الداخلية لذاك الشعب الصامد المجاهد المتعلق بالحرية والعدالة والكرامة الذي قدم ما لم تقدمه شعوب كثيرة عبر التاريخ من أجل الاستقلال واستعادة الحق والأرض، ودفع العدوان ومسلسل الإبادة العنصري عن النفس والنشء.. يدرك الكثيرون من أولئك أن العدو الصهيوني وحلفاءه يريدون الأرض والسلام معاً، وإبادة الإرادة والذاكرة الفلسطينية والعربية في كل ما يتعلق بفلسطين إن هم لم يتمكنوا من إبادة الشعب الفلسطيني فعلياً والقضاء على مقاومته وروح الصمود لديه.. وقد بدأت منذ سنوات برامج وعمليات تخريب التكوين النفسي والروحي والاجتماعي والوطني للفلسطيني، وتم القبض على عنقه من خلال لقمة العيش والرواتب التي تقدمهما الدول المانحة ويتحكم بجزء منها الكيان الصهيوني مباشرة عن طريق التحكم بتحويل أو عدم تحويل مستحقات الشعب الفلسطيني المالية التي يشرف على تحصيلها.. ويتواكب هذا التخريب مع تخريب العقيدة القتالية للقوى الفلسطينية التي تخضع لإشراف المنسقين الأميركيين الذين يشرفون على برامج التدريب وعلى التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، ويسخرون عناصر من الأمن والشرطة الفلسطينية لملاحقة المقاومين الفلسطينيين أو ترتيب ملاحقتهم من جانب قوة الاحتلال الصهيوني بوصفهم " إرهابيين"؟! وإذا كانت غزة تعيش دوامة الحصار الخانق منذ سنوات عدة فإن الضفة تعيش حالة تخريب روح المقاومة عملياً، أما القدس فينفذ فيها برنامج الترحيل إلى جانب برنامج الاستيطان المكثف.. ولا من يتطلع إلى من في خضم الطاعون السياسي المنتشر بكثافة في مواقع فلسطينية وعربية كثيرة.!!  

لا أظن أنني أجانب الصواب إذا أكدت على ما قلته سابقاً وما أقول به الآن وما أجزم بأنني لا  يمكن أن أتراجع عنه، وهو أن الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعاً على حدود، وأنه لا تعايش مع العنصريين المحتلين ولا تفاوض معهم، فالمحتل والمعتدي الذي يستهدفني داخل أرضي وفي بيتي يُقاتَل ولا يُفاَوَض، إنه يُقاوَم حتى يُهزم ويكف عن العدوان.. إنني لا أستهدف روحه ولا حياته كما يستهدف روحي وثقافتي وجودي ذاته إن هو ترك وطني وكف عن العدوان علي، ولا أنوي إبادته كما يقرر هو إبادتي ويفعل، بل أقول لليهودي الذي يريد أن يعيش معي في دولتي الفلسطينية: " لك مالي وعليك ما علي في وطني الذي يحمل هويتي وأمارس فيه سيادتي التامة.. فلسطين عربية".. وأنه من وجهة نظري لا تنازل عن فلسطين بوصفها الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني منذ ما قبل الكنعانيين وإبراهيم الخليل وموسى وحتى يوم الناس هذا وإلى أبد الآبدين.. فالوطن لا لا بديل له، والحق التاريخي فيه لا يُباع ولا يُشترى ولا يُفاَوض عليه ولا يسقط بالتقادم ولا يُتنازل عنه جزئياً أو كلياً تحت أية ذرائع أو وقائع.. وأن قضية فلسطين عربية وينبغي أن تعود عربية في المسؤولية والمصير، والشعب الفلسطيني هو طليعة أمته ورأس رمحها في هذا النضال من أجلها.. وعليه أن يكون موحداً خلف أهداف وخيارات وتوجهات وسياسات على رأسها التحرير الذي لا يتم إلا باعتماد خيار المقاومة والعودة إلى الميثاق القومي الفلسطيني، ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية قبل تعديله والعبث بقيمه ومقوماته عبر أوسلو وما نسَل منها وبني عليها.. وكذلك بالسعي وبكل الوسائل وعبر النفس الطويل والاعتماد على الذات بالدرجة الأولى، السعي إلى امتلاك القوة الشاملة: "عسكرياً واقتصادياً وعلمياً ومعرفياً وتقنياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً.. إلخ" على أرضية العلم والعمل به والإيمان والعمل به، وعبر الأمتين العربية والإسلامية وطاقاتهما وإمكانياتهما، وبمساندة الأصدقاء والأحرار في كل أنحاء العالم.. فالعالم ليس كله ضدنا، والعالم ليس الغرب الاستعماري وحده، وحتى وفي الغرب الاستعماري ذاته يوجد أصدقاء وأحرار وشرفاء يمكن توقع الخير والمساندة منهم في نضال عادل يخوضه شعب من أجل الحرية والتحرير والكرامة والحقوق التاريخية والهوية والعقيدة والبقاء.

والله من وراء القصد.

 

   

 

 

انشر عبر