شريط الأخبار

الداخل الإسرائيلي على وقع الثورات العربية: زحف نحو الفاشية وانتصار لخطاب "بار إيلان"

09:02 - 18 كانون أول / يوليو 2011


الداخل الإسرائيلي على وقع الثورات العربية: زحف نحو الفاشية وانتصار لخطاب "بار إيلان"

فلسطين اليوم- القدس المحتلة

 ينتاب الداخل الإسرائيلي قلق وإرباك كبيران من تطورات المشهد الفلسطيني العربي بالزحف نحو اليمينية الدينية المتطرفة والسماح للأغلال العنصرية المؤطرة قانونياً برسم صيغ التعاطي مع المرحلة.

وانعكس القلق نفسه على التفاف غير مسبوق حول مقولات "الترانسفير"، ونتائج استطلاعات رأي شهرية انتصرت لخطاب "بار إيلان"، رداً على الثورات العربية و"مسيرات العودة".

وتمسك أرباب المنادين "بالطرد" و"الضمّ" بفتاوى تحريضية صدرت أخيراً، ومنها تلك التي ضمّها الحاخام يعقوب يوسف بين دفتي مؤلفه الأكثر مبيعاً "توراة الملك"، للمطالبة بقتل العرب وطردهم من الأراضي المحتلة عام 1948.

وسار الإبن على نهج أبيه الحاخام عوفاديا يوسف الزعيم الروحي لحزب شاس الذي دعا إلى شن عدوان جديد على الدول العربية لإقامة "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل، معتبراً أن "العرب صاروا أكثر ضعفاً من ذي قبل".

فيما نافس الحاخام ليئور مارس نظراءه بصياغة رؤية عنصرية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي عبر طردهم، من دون الاكتراث بمصيرهم باعتبارهم "همجيين"، على حدّ تعبيره.

وقد أسست تلك الفتاوى لمظاهرات غاضبة للمتدينين تحت عنوان "لا يجوز التحقيق مع التوراة" احتجاجاً على ايقاف الحاخام يوسف "الإبن" صورياً للسؤال عن مضمون مؤلفه، كما أوجدت أرضية خصبة لحملة عنصرية ضد العرب على مواقع التواصل الاجتماعي عبر الانترنت.

وأظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجري في شباط (فبراير) الماضي، أي في بدايات "الربيع العربي" تقريباً، ازدياد منسوب القلق عندهم، تعاظم بدرجة كبيرة في نتائج استطلاع مماثل أجري في حزيران (يونيو) الماضي، أي بعد حدوث "مسيرات العودة" وتتابع الثورات العربية وانهيار أنظمة حافظت على الهدوء في محيط الكيان المحتل لسنوات.

وشكل ذلك تجلياً متوقعاً لنتائج استطلاع آخر جرى أخيراً، ونشر عبر الموقع الالكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، بينت فوز أحزاب الليكود، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، و"إسرائيل بيتنا" برئاسة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وشاس (الديني المتطرف)، عند إجراء أي انتخابات جديدة.

ويكون الداخل الإسرائيلي بذلك قد انتصر مجدداً لخطاب "بار إيلان" برفض وقف الاستيطان والتهويد وتقسيم القدس بزعم أنها "العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل"، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948 بفعل العدوان الإسرائيلي. 

وبموازاة ذلك، برزت مطالبات عنصرية بضم الضفة الغربية للأراضي المحتلة عام 1948، مقابل تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، وفرض إجراءات "عقابية" على السلطة الفلسطينية.

وقد صاحبت ثيمة القلق ذاته المراقبة الإسرائيلية الحثيثة لما أطلق عليها الكاتب الإسرائيلي إيهود يعاري "ديمقراطية الميادين"، في ظل الخوف من تبعات الثورة المصرية على المعاهدة المصرية – الإسرائيلية 1979 والمصالح الاقتصادية في مصر وتسلم الحركات الإسلامية السلطة، مقابل حيرة الموقف من نواتج الثورة السورية.

وبرغم تنقل تفسير التبعات المحتملة للثورات العربية على الكيان الإسرائيلي بين الاستبعاد وعدم الانتشار ووقوف جهات خارجية محركة لها، إيران والقاعدة في الأساس، وغياب الصراع العربي – الإسرائيلي عن مطالبها، فضلاً عن نعتها "بالإرهابية" و"الرجعية".

ولكن الاحتلال يدرك جيداً، وفق ما يخرج عن مؤسساته ومراكزه البحثية، أن مرحلة ما بعد ثورات التغيير و"مسيرات العودة" تختلف عن ما قبلها، بعدما فتحت الباب أمام انتفاضة فلسطينية ثالثة، وخلقت مأزقاً إسرائيلياً مزدوجاً عندما أتت، وعوامل أخرى، باتفاق المصالحة الفلسطينية (في 4 أيار /مايو الماضي)، بينما تستعد الجامعة العربية للتوجه إلى الأمم المتحدة للاعتراف بعضوية دولة فلسطين على حدود 1967.

وقد جاء الردّ الإسرائيلي فورياً بتصعيد سياسته العدوانية ضد الأراضي المحتلة، وتضخيم ترسانته العسكرية، والتمترس خلف "لاءات" خطاب ألقاه نتنياهو في حزيران (يونيو) 2009 فور توليه السلطة من على منبر جامعة "بار إيلان"، معقل اليهود المتدينين "الحريديم".

وبموازاة ذلك، أضاف نتنياهو شرطاً آخر يقضي بالاعتراف الفلسطيني "بيهودية الدولة"، بما يحمل من محاذير منحها شرعية تاريخية دينية مزعومة، ويشطب حق العودة ويحرم الفلسطينيين المواطنين في الأراضي المحتلة عام 1948 من حقهم في وطنهم.

ويدرك المجتمع الدولي، وفق رأي الكاتب الإسرائيلي توم سيغيف (هآرتس 21/6/2011)، أن "لا أمل في حدوث تغيير عند نتنياهو، حيث سيبقى رهين أفكاره القديمة بالإبقاء على المستوطنات والمناطق المحتلة ورفض الدولة الفلسطينية".

وترجح كفة التوازن لصالح استبعاد إحراز تقدم في المسار التفاوضي الفلسطيني – الإسرائيلي حتى الانتخابات النصفية الأمريكية، على الأقل، من دون التوقف كثيراً عند خطاب الرئيس باراك أوباما في 19 أيار (مايو) الماضي حول إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه.

وبسبب غضب نتنياهو المدعوم من الأذرع الصهيونية المتطرفة في الولايات المتحدة، تراجع أوباما فوراً عن فحوى خطابه السابق واستبدله بآخر يأخذ بالاعتبار "متطلبات النمو الطبيعي للسكان"، ويقصد بهم المستوطنين، ويؤجل البحث في قضيتي القدس واللاجئين إلى ما بعد الاتفاق.

وزاد أوباما على ذلك بإعلان تفهمه "للتساؤلات الإسرائيلية المشروعة والعميقة بشأن التفاوض مع طرف يرفض الاعتراف بحقها في الوجود"، برغم أن اتفاق أوسلو ينص على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة المخولة بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي.

فيما تجاهل أوباما ونتنياهو تصريحات رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل خلال حفل توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة حينما أيدّ إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.

لكن الاتفاق بين فتح وحماس فاجأ الجانبين كما المراقبين، وأحبط مخطط الاحتلال الذي راهن وعمل على إفشال المصالحة وارتكن لسنوات جانب "الراحة" واقتناص انجازات حققها عبر الانقسام.

وبرغم صعوبة التكهن بمقدار تطبيق الاتفاق ومدى استمراره، في ظل الاشكاليات المتوالدة من الحركتين، فقد نشطت الضغوط الإسرائيلية الأميركية السياسية والأمنية والاقتصادية لإفشال اتفاق المصالحة.

كما جندت حكومة الاحتلال "دبلوماسيتها" لضرب جهود التوجه إلى الأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) القادم، مدعومة بتهديد أميركي "بالفيتو" في مجلس الأمن، برغم منح القيادة الفلسطينية فرصة جديدة طيلة الفترة الممتدة حتى أيلول للتفاوض، رغم علمها المسبق بأن الكيان المحتل لا يريد السلام ولن يقدم شيئاً لتحقيقه.

بينما تبذل الإدارة الأميركية جهوداً حثيثة للحفاظ على اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة (الأردنية – الإسرائيلية عام 1994) واستمرار العملية السياسية الفلسطينية – الإسرائيلية، من خلال طرح صيغ لاستئناف المفاوضات كبديل عن خطوة أيلول.

وتهدف واشنطن من التحرك اليائس في الوقت الضائع المتبقي على الانتخابات الالتفاف حول تبعات الثورات العربية على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي، وحماية مصالحها في المنطقة، وفي مقدمتها الأمن الإسرائيلي، وتخفيف ضغط اللحظة التي ينوء الكيان المحتل تحت وطأتها. وأمام الوضع الراهن، قد يستمر الكيان المحتل في "تعنته بما يكرس تجميد المفاوضات، أو ينفذ انتشاراً أحادي الجانب في الضفة الغربية، مقابل إستئناف المفاوضات وفق المعايير الأميركية والإسرائيلية لإفشال خطوة أيلول"، بحسب دراسة حديثة لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت.

وقد يذهب نحو مزيد من التسويف وإضاعة الوقت إلى حين بروز تطورات جديدة تسعفه في الخروج من أزمته، تزامناً مع اتخاذ ما يسمى "ببوادر حسن نية" في الضفة الغربية المحتلة لتخفيف وطأة الضغوط الممارسة عليه.

انشر عبر