شريط الأخبار

ظلام مصر..يديعوت

12:24 - 08 تموز / يوليو 2011

بقلم: الداد باك

مصر – مهى لا تنام جيدا في الليالي. فمنذ بدء "ثورة 25 يناير" تمر بها فترة صعبة. "في الايام الاولى للمظاهرات الجماعية على مبارك، لم أستطع أنا وأمي النوم ألبتة لشدة الخوف"، تقول المسيحية القبطية. "لم نعلم ما الذي سيحل بنا. منذ ذلك الحين وبرغم أن الوضع الامني العام في الدولة استقر صدّقت مخاوفنا نفسها فقط".

        ألتقي مهى، وهي تاجرة في اربعينيات حياتها في كاتدرائية أسوان الفخمة. ترتفع أبراج أجراس الكنيسة الارثوذكسية الشرقية الكبيرة في فخر، غير بعيد عن المتنزه على طول النيل، أعلى من مآذن كل جامع في الجوار. إن ارتفاع الكاتدرائية وفخامتها هما شبه تحدٍ للأسلمة السريعة التي تجري على مصر، وهذا المسار الذي يقلق جدا مهى وسائر أبناء الطائفة القبطية – وهي أكبر طائفة مسيحية ما زالت موجودة في الدول العربية – قد بدأ قبل اسقاط نظام حكم مبارك قبل خمسة اشهر لكنه ازداد تسارعا منذ ذلك الحين.

        تفخر مهى قائلة: "هذه ثاني أكبر كاتدرائية في مصر وافريقيا كلها". وهي مستعدة لأن تقص علي بالتفصيل تاريخ كل أيقونة لقدّيس مسيحي معلقة في جدران قاعات الصلاة، لكنها مستعدة للحديث عن الحياة في ظل التهديد الاسلامي بعد أن تقتنع فقط أنني لست مسلما متطرفا جئت للاضرار بها وبأبناء طائفتها.

        في مساء يوم الاحد تضج الكاتدرائية الكبيرة بالنشاط لكنها غير مليئة بالمؤمنين. والمبنى، مثل أكثر الكنائس في مدن وقرى مصر العليا، محاط بسور عال. وعند المدخل موقع حراسة للشرطة وهو مشغول كل ساعات النهار تقريبا. سُجلت في العشرين سنة الاخيرة، ولا سيما في الجزء الجنوبي من مصر، مئات حوادث هجوم نشطاء اسلاميين على أقباط. وعندما كانت تتدخل سلطات الامن الداخلي كان ذلك يكون متأخرا جدا على العموم.

        حدث في الشهور الاخيرة تصعيد كبير للمواجهات العنيفة بين نشطاء الاسلام المتطرف وأبناء الأقلية القبطية في أنحاء مصر. بدأ ذلك بالعملية الانتحارية القاتلة في احدى الكنائس الرئيسة في الاسكندرية في أول يوم من السنة قبل بدء الاحتجاج الشعبي على مبارك. فقُتل ثلاثة وعشرون مصليا هناك وجُرح نحو من مئة. زعمت عناصر معارضة مصرية آنذاك ان العملية نظمتها وحدة سرية أنشأها وزير الداخلية السابق حبيب العادلي، بقصد ضعضعة الاستقرار الداخلي وزيادة شدة قبضة النظام على الدولة.

        عندما هاجم جمهور اسلامي غاضب قبل عدة اسابيع كنيسة في حي إمبابة في القاهرة، احتُجزت فيها كما يبدو امرأتان مسيحيتان أسلمتا بالرغم منهما زُعم أن أشياع النظام السابق لوحظوا بين أظهر النشطاء المسلمين المتطرفين. قُتل في هذه المجابهة الدامية عشرة اشخاص من أبناء الدينين. ووقفت قوات الامن ناحية تنظر فيما يجري.

        لا شك عند مهى فيمن يقف وراء العنف الطاغي في مصر بأبناء الطائفة القبطية. "انهم السلفيون"، تقول بيقين متطرقة الى التيار الاسلامي المحافظ جدا الذي أصبح في العقد الاخير التيار الرائد في تطرفه في الساحة النشيطة جدا في مصر للمنظمات والحركات الاسلامية المتطرفة. جاء أيمن الظواهري زعيم القاعدة الجديد والمحرك العقائدي لشبكة الارهاب السنية من صفوف تيار السلفيين. وكان محمد عطا قائد عمليات الحادي عشر من ايلول عضوا في مسجد للحركة التي تتلقى الالهام من السعودية وتريد أن تُجري من جديد تقاليد منذ بدء ايام الاسلام، ايام النبي محمد.

        تقول مهى: "انهم يكرهون الجميع، فهم يكرهون ايضا المسلمين الذين لا يشبهونهم لكنهم في الأساس يكرهوننا نحن النصارى. قال أحد زعمائهم في برنامج تلفاز انه يحلم أن يستيقظ ذات يوم ويتبين له أن مصر نقية من النصارى. وقال: ليمضوا الى الولايات المتحدة أو الى كندا فهذه ليست بلدهم. وقاحة لا تُصدق. أنمضي نحن من هنا؟ كنا في هذا البلد قبل أن يصل الاسلام والعرب بمئات السنين. أثارت تلك التصريحات ردودا شديدة جدا لكن ذلك الزعيم نشر ما يشبه اعتذارا وقال ان ذلك كان فكاهة وانه لم يقصد ما قال بجدية. أهذه فكاهة؟ ليقل كلاما كهذا في البيت عنده لا في التلفاز".

        ترى مهى دليلا على أن السلفيين لا يتفكهون عندما يتحدثون عن "مصر نقية من النصارى" في الظاهرة المتسعة لاعتناق شابات مسيحيات الاسلام. في يوم محادثتنا عصفت مصر بعد أن نجحت الشرطة في العثور على شابتين في الرابعة عشرة والسابعة عشرة اختفتا من بيتيهما في بلدة بجوار مدينة المِنيا. زعمت الاثنتان أنهما أحبتا شابين مسلمين واستقر رأيهما على تبديل دينهما. وزعمت عائلتاهما وممثلو الطائفة القبطية أن الشابتين الصغيرتين ليستا عالمتين بمعنى اعتناق الاسلام ولهذا تنبغي إعادتهن الى بيتيهما.

        لمهى تفسير خاص بها: "وقعت عندنا في الاسابيع الاخيرة عشرون واقعة كهذه على الأقل. فالسلفيون يختطفون شاباتنا ويُخدرونهن ويغسلون أدمغتهن ويُحولوهن الى الاسلام. نساؤنا يخفن الخروج من البيت. لا يجوز لهن أن يتجولن في الشارع مساء. إن السلطات المحلية تبذل في السنين الاخيرة جهودا كثيرة للحفاظ على أمننا لكنها لا تستطيع أن تمنح كل واحد منا حراسة لصيقة، وحتى لو كانت قادرة على فعل هذا فان الحياة الدائمة تحت الحراسة ليست حياة".

        يعيش في مصر على حسب معطيات رسمية نحو من 8 ملايين مسيحي، أي 10 في المائة من مجموع السكان. وتزعم الكنيسة القبطية نفسها أن عدد اعضائها أكبر، يبلغ 13 مليونا. غادر نصارى كثيرون من الشباب وحسني الحال مصر في السنين الاخيرة، فهم لم يروا لأنفسهم مستقبلا في الدولة. "ظننا في البدء أن الثورة ستجعل مصر تسير في الطريق الصحيح"، يقول ماهر الذي هاجر الى كندا وجاء ليزور عائلته. "اعتقدنا أن كل الأقليات الكثيرة في الدولة ستستطيع العيش بحرية في مجتمع جديد لكننا لم نعد اليوم نؤمن بهذا. فالاسلاميون يسيطرون على الدولة ويشاغبون. والمسألة مسألة وقت قبل أن يُمضوا هنا أحكام الشريعة".

        لا يكاد يمر يوم في مصر بعد الثورة من غير أن يهاجم السلفيون مسيحيين أو أبناء طوائف مسلمة اخرى. بل انهم تجرأوا على السيطرة على مسجد في القاهرة كانت الدولة تضع يدها عليه، وأن يُبعدوا عنه الإمام المحلي ويُعينوا مكانه واحدا من رجالهم – وهو واعظ شيخ سُرح في الآونة الاخيرة من السجن ويفخر بأنه حارب "الصهاينة في 1948". ما تزال مصر بعيدة جدا عن أن تكون دولة حرة، والمسلمون المتطرفون يُصرفونها على حسب أهوائهم برعاية من المجلس العسكري الأعلى.

        إن يأس الأقليات غير السنية في الدولة كبير جدا بحيث أن ليس الأقباط وحدهم هم الذين يتسلحون ويطلقون النار في كل مرة يهدد فيها جمهور اسلامي جماعاتهم. بل أعلن ممثلو التيارات الشيعية والصوفية هذا الاسبوع "الجهاد" للسلفيين وبينوا أنهم سيردون منذ الآن العنف بالعنف.

        جُر ميكي وميني ماوس مُرغمين الى جو مشحون بتوتر "الفتنة". فقد ظهر في حساب تويتر صاحب المليارات المصري القبطي نجيب ساويرس، وهو من كبار رجال الاتصال والشركات الخلوية الذي انشأ في المدة الاخيرة حزبا ليبراليا علمانيا خاصا، ظهرت صورة أبطال الأفلام الملونة لديزني حيث يظهر على وجه ميكي لحية كثة كعادة السلفيين، ويغطى وجه ميني بنقاب أسود.

        لم يتأخر السلفيون عن الرد فقد نشروا فورا على الفيس بوك ومواقع انترنت اخرى دعوات الى القطع مع شركات هاتف ساويرس واحراق وكالاتها. "علينا أن نقطع ألسنة من يهاجمون ديننا"، قال منظمو القطيعة في حماسة ووعدوا "بتقطيع ساويرس شركة بعد اخرى". أي بتوسيع حركة مقاومة كل أعمال رجل الاعمال الثري وفيها الصحيفة اليومية الشعبية "المصري اليوم".

        أثار ساويرس من قبل عاصفة قبل زمن ما عندما أعلن بأنه يشعر بأنه اجنبي في شوارع القاهرة إزاء العدد الذي يزداد من الناس الذين يلبسون بحسب الزي الاسلامي المتطرف. ما يزال حزبه "المصريون الجدد" الذي يؤيد فصل الدين عن الدولة ينتظر موافقة من لجنة الانتخابات الرئيسة. ولم تكن الاحزاب الاسلامية التي أُنشئت استعدادا للانتخابات القريبة لاول مجلس شعب ديمقراطي في فترة ما بعد مبارك، مضطرة الى الانتظار.

        أنقذوا الثورة

        نشر ساويرس ما يشبه اعتذارا عن فكاهته وهذه شهادة اخرى على الخوف الذي يزداد لدى معارضي الأسلمة على مستقبلهم. يولد هذا الخوف شكا كبيرا استطعت أن أشعر به جيدا في أحاديثي الى ناس هنا. لا أن اجهزة التجسس الداخلي للنظام القديم ما تزال موجودة وكل من يتجرأ على انتقاد مصر على الملأ قد يجد نفسه يحاكم في محكمة عسكرية فقط كما يحدث لصحفيين ومتصفحي انترنت بل يخاف الناس ايضا أسياد مصر القادمين، أعني الاسلاميين.

        لهذا تتحدث الجدران في أزقة مصر اليوم أكثر من الناس وتجري عليها حرب كتابة جدارية متعددة الألوان. فمؤيدو مصر العلمانية يرسمون صليبا في نصف هلال هو رمز مصر الموحدة الذي ارتفع أيام الثورة الاولى مع شعارهم: "علمانية". وعندها يمحو النشطاء الاسلاميون اعلانات التعايش ويكتبون على الجدران: "اسلامية".

        اذا تم الحفاظ على البرنامج الزمني المخطط له لتحقيق الديمقراطية في مصر، أي انتخابات مجلس الشعب في ايلول، وانتخابات الرئاسة في تشرين الثاني وبينهما تعيين لجنة لصياغة دستور جديد، فلا أحد يشك في أن الرابحة الكبرى من "ثورة الحرية" ستكون الحركة الاسلامية على اختلاف ألوانها. ستكون مصر بعد انتخابات مجلس الشعب تحت سيطرة اسلامية متطرفة أكبر من تلك التي تحكم تركيا.

        إن الاستيقان من فوز المتطرفين الدينيين في انتخابات مجلس الشعب واضح جدا بحيث تزن حركة "الاخوان المسلمين" الذين يتوقع أن يؤلف ممثلوها أكبر كتلة في مجلس الشعب القادم، تزن التخلي عن ترشيح مرشحين في مناطق انتخاب معينة كي تزيد تمثيل حركات من المعسكر العلماني. "مصر اليوم تختلف جدا عن مصر التي عرفناها حتى الآن"، يُقدر دبلوماسي غربي.

        هذا الشعور يؤجج النفوس فقط بين أبناء الديانات. يحاول عناصر مختلفة وفيهم رجال دين رسميون تسكين التصعيد. تمت في عدة اماكن اجتماعات بين ممثلي الأديان والطوائف الذين دعوا الى منع الحرب الأهلية وبناء مشترك لمصر. وقد التقى عمرو موسى المرشح المتقدم للرئاسة مع البابا القبطي وزار كنائس مختلفة. أراد موسى أن يجند النصارى لتأييد اجراء انتخابات الرئاسة قبل انتخابات مجلس الشعب بحيث يستطيع الرئيس المنتخب أن يضمن ألا يصوغ الاسلاميون دستورا يوافقهم.

        يشعر آباء ثورة يناير ايضا – الشباب الليبراليون والعلمانيون والديمقراطيون – بأنهم يفقدون السيطرة على الحركة التي بدأوها. اذا كانت الثورة على نظام مبارك قد حركها في البدء أساسا أبناء الطبقة الوسطى فان الشعب البسيط الآن يسيطر عليها ويجذبها الى وجهات مخالفة جدا: الى قدر أكبر من الاسلام والى اعادة زعيم قوي.

        حاول شباب الثورة بقصد انقاذ الثورة واعادتها الى مسارها المأمول تنفيذ عمل خاطف سياسي يرمي الى الزام المجلس العسكري الأعلى سن دستور جديد قبل انتخابات مجلس الشعب، فلربما يفضي بذلك الى تأجيلها ايضا. أراد شباب الثورة بهذا افشال تأثير الاسلاميين في الدستور وضمان صبغة مصر العلمانية في المستقبل. من اجل هذا خططت القوى العلمانية لأن تُجري هذا اليوم مظاهرة مليونية اخرى في ميدان التحرير.

        في النهاية وبعد أن اتهمهم "الاخوان المسلمون" بأنهم "صهاينة" و"عملاء لاسرائيل" تخلى فريق من المبادرين الى الثورة عن طلب سن دستور علماني الآن. إزاء الصدوع التي تزداد في صفوف المعسكر الديمقراطي العلماني وبين الأحلاف السياسية المختلفة والمطالب المتضاربة، تُجرى المظاهرة تحت شعار: "انقاذ الثورة".

        أعلن الاسلاميون من جهتهم أنهم سيعارضون كل اجراء لتأجيل الانتخابات وصياغة دستور أولا. وهم يصرون على احترام فوزهم في استفتاء الشعب الذي تم في نيسان في إدخال تغييرات ما في الدستور الراهن، والحفاظ أساسا على المادة الثانية في الدستور التي تقضي بأن الاسلام مصدر الدستور المصري وهي المادة التي يعنى العلمانيون بابطالها.

        تبلغ أصداء الجدل العاصف مناطق الضواحي من مصر العليا، لكنه لا يثير تأثرا كبيرا. فالخصومات حول شؤون الدستور تبدو هنا مقطوعة عن الواقع. لا يُكثر الجالسون في المقاهي الحديث في السياسة، يقلقهم أكثر عدم وجود مصدر عيش. "في البدء لم تكد توجد عندنا احزاب، وعندنا الآن فوق الحاجة"، يقول السيد محمد مبتسما مع ارتشاف الشاي في أحد مقاهي الأقصر.

        هو في الخامسة والعشرين من عمره، درس التشكيل الصناعي لكنه مثل كثيرين آخرين لم يجد عملا في تخصصه ويعتاش من الفرع الرائد في المدينة، أعني السياحة. "كل واحد ينشيء حزبا جديدا ويمضي للحديث في التلفاز. لم نعد نستطيع أن نعلم من يؤيد ماذا. هل يساعد هذا المصريين؟ لا. المهم أن تُجرى انتخابات للرئاسة. نحتاج الى رئيس يعيد الاستقرار الى مصر. كل ما يحدث هنا الآن يضر جدا بالدولة وبجيوبنا جميعا".

        محمد المسلم يحرص على الصلاة عندما لا يعمل. وهو لا يدخل الكنائس وإن كان يفخر بأن له اصدقاء مسيحيين. ويفضل أن يُجري مشترياته في حوانيت أبناء دينه. وبرغم هذا لن يصوت لواحد من الاحزاب الاسلامية. فالبراغماتية عنده تغلب الولاء الديني. "لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بعزل مصر عن العالم وهذا ما سيحدث اذا فاز الاسلاميون في الانتخابات. سيضر هذا بالسياحة، فمم سنعتاش؟".

        يقوم عند مدخل معبد الملكة حتشيبسوت، وهو أحد المعابد الفرعونية الأكثر روعة، إزاء الأقصر الحديثة، مواطنان مسلحان برشاشين يفتشان كل من يدخل الموقع. في تشرين الثاني 1997 ذبح هنا نشطاء من حركة "الجماعات الاسلامية" التي كانت آنذاك الذراع الأشد عنفا من التيار الاسلامي المصري، سياحا زاروا الموقع. أطلقوا نار الرشاشات في كل اتجاه ونفذوا تحققا من القتل باطلاق النار وبالسكاكين وقُتل 62 شخصا أكثرهم من السياح السويسريين.

        احتاجت مصر العليا التي تعتاش في الأساس على الزراعة والسياحة الى وقت طويل لتنعش نفسها من هذه الواقعة. بعد ذلك تمت في المنطقة حرب لا هوادة فيها بين قوات الامن ونشطاء "الجماعات"، قُتل في اثنائها نحو من ألف شخص ولم يسهم هذا ايضا في زيادة المدخولات. آنئذ جاءت الثورة وأبعدت السياح مرة اخرى. لا يستطيع السكان في مصر العليا التخلي عن السياحة مع عدم وجود مصدر رزق وفي حين يتوقع أن ترتفع أسعار المنتوجات الأساسية أكثر على أثر قرار الحكومة الانتقالية على رفع أجور نحو من مليوني موظف بنسبة تبلغ 200 في المائة.

        إمضِ وتعلم الديمقراطية

        ما زال لا يُلحظ في أزقة المدن والبلدات في هذه المنطقة الجنوبية حضور كبير للسلفيين كما في الأحياء الشعبية في القاهرة والاسكندرية. والنساء اللاتي يغطين وجوههن بالنُقب لسن مشهدا شائعا هنا، وبرغم هذا فان الاحزاب الاسلامية المختلفة هي وحدها التي بدأت تعليق لافتات دعاية استعدادا للانتخابات. إن عدم اليقين من مستقبل مصر تحت حكم الاسلاميين يثير غير قليل من الحنين الى أيام مبارك. "كان في الخلاصة زعيما جيدا"، يقول احمد، وهو طالب فندقة شاب. "لم يوجهنا الى حروب مغامرة وكان استقرار وأمن. من المؤسف أنه انقطع عن الشعب آخر الامر. كان خطؤه الأكبر اعداد ابنه جمال للوراثة. من حسن الحظ أن جيشنا وقف الى جانب الشعب ولم يسلك كما في ليبيا أو سوريا. وسيعلم الجيش تحديد المسار الصحيح".

        "أكبر مشكلة في مصر اليوم كيف نُربي الناس على الديمقراطية"، تقول نهاد، وهي صحفية شابة. "كيف سنُبين للناس الذين لا يعرفون القراءة والكتابة معنى الديمقراطية وما هو البرنامج السياسي ولمن يحسن أن يصوتوا للحفاظ على مصالحهم؟ هذا مسار سيستهلك زمنا طويلا جدا. يواجهنا عمل بناء مصر من جديد. كيف سنجعل ناسا اعتادوا العيش في واقع رشوة واقتصاد موازٍ يبدأون التصريح عن ايراداتهم ودفع الضرائب، ونطلب الى الدولة مقابل ذلك خدمات مناسبة؟ هذا مسار يحتاج الى صبر كبير ومثابرة وهما أمران ليسا عند الناس الذين ناضلوا عن خبز يومهم".

        جُل خوف النشطاء الليبراليين والعلمانيين من حركة "الاخوان المسلمين". تُقدر نهاد أن "السلفيين يخدمون الاخوان خدمة ممتازة، لأن تطرفهم يمنح "الاخوان" من جهة صورة مسلمين معتدلين. ومن جهة ثانية سيضغطون على "الاخوان" ضغطا يلزمهم تقديم أفكار اسلامية".

        يقول نشيط ليبرالي آخر: "الاخوان هم الرابحون الرئيسين من اجراء انتخابات في ايلول. برغم أنهم لا يمثلون أكثرية في الرأي العام هناك خشية من أن يحرزوا أكثرية في مجلس الشعب القادم لأنهم أقلية منظمة ومجندة وغنية جدا بخلاف سائر القوى السياسية في الميدان. حركتهم كلها قائمة على مبدأ طاعة القيادة الروحية".

        يبدو أن روح الديمقراطية في ارض النيل تؤثر في "الاخوان المسلمين" ايضا. بدأوا طريقهم في 1928 واعتُبروا آنذاك ممثلي الاسلام المتطرف في مصر. ويبدو الآن أنه تجري عليهم ثورة داخلية خاصة بهم. كان الشباب أوائل من تمردوا على "مجلس الارشاد" الفكري للحركة وهم الذين طلبوا قدرا أكبر من الانفتاح والتمثيل. وعندما لم تُستجب مطالبهم قرروا انشاء حزب خاص بهم.

        واليوم برغم توجيه القيادة الى التوحد حول حزب "الحرية والعدالة"، توجد خمسة احزاب اخرى تتماثل مع الحركة القديمة. وأشد من هذا على قيادة "الاخوان" أنه برغم أمر صريح لاعضاء المنظمة ألا يعرضوا ترشيحا لرئاسة مصر، أعلن واحد من كبارها هو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح مشاركته في المنافسة في المنصب.

        أُبعد أبو الفتوح والشباب عن صفوف المنظمة ردا على تمردهم، لكن يوجد من الليبراليين من يرون هذا تكتيكا يرمي الى انشاء ستار دخان حول تنظيم الاخوان أنفسهم للانتخابات. تتنافس الاحزاب الاسلامية كلها والمرشحون الاسلاميون للرئاسة في عرض الاعتدال والتسامح ويحاولون أن يجذبوا اليهم المسيحيين والعلمانيين. "مصر محتاجة الى مصانع ومدارس وجامعات لا الى مساجد أو كنائس"، أعلن أبو الفتوح هذا الاسبوع وهو الذي يتمتع بشعبية كبيرة وبتأييد شباب "الاخوان" المستقيلين.

        أحدثت حركة "الجماعات" – التي كانت مسؤولة عن مقتل الرئيس السادات، في السنين الاخيرة تحولا عقائديا فتخلت عن النضال العنيف للدولة "الكافرة" وتستعد الآن للمشاركة في الانتخابات لاول مرة. "لا يخطر بالبال أن نجلس متفرجين نراقب ما يجري لا سيما بعد تحرير كثيرين من سجنائنا الذين سجنهم نظام مبارك"، يقول أحد كبار مسؤولي الجماعات. "لا يجوز أن تميز هذه الثورة شخصا ما تمييزا سيئا. يجب علينا أن ننشيء دولة قانون لا تُمكّن من نشوء مستبد جديد".

انشر عبر