شريط الأخبار

ربيع الشعوب..معاريف

12:17 - 08 حزيران / يوليو 2011

بقلم: بن كاسبيت

في 25 كانون الثاني من هذا العام جاء رئيس شعبة الاستخبارات حديث العهد، اللواء أفيف كوخافي للامتثال امام لجنة الخارجية والامن في الكنيست. وكان حسني مبارك، واثق وغير مكترث، يجلس على كرسيه كرئيس لمصر واقتبس عن كوخافي في حينه كمن صرح بان النظام المصري مستقر. هذا الاقتباس، الذي اخرج عن سياقه تماما، ألحق برئيس شعبة الاستخبارات وبجهازه ضررا جسيما ووضعهما في صورة المنقطعين عما يجري في المنطقة.

        كوخافي عاد هذا الاسبوع الى ميدان المعركة، الى ذات لجنة الخارجية والامن، والنائب آفي ديختر طلب منه ايضاحات في الموضوع اياه. اللواء كوخافي، المقدر الوطني، وضع الامور في نصابها: في الكلمة اياها سأله النائب آريه الداد سؤالا محددا: هل يمكن للاخوان المسلمين بعد رحيل مبارك أن يهزوا الحكم في مصر بل ويستولوا عليه أيضا؟ فأجاب كوخافي بان "الاخوان المسلمين ليسوا منظمين على نحو كاف في هذه اللحظة وغير قادرين على اسقاط النظام المصري بعد رحيل مبارك"، وأضاف رئيس شعبة الاستخبارات انه "يجب ايلاء الانتباه الى الحدث في تونس الذي ينبغي له أن يعلمنا شيئا ما. أنا أرى انشغالا كبيرا للزعماء في المنطقة ممن هم قلقون من هذا الحدث". ووصف كيف أن بشار الاسد يجمد نيته في رفع الدعم الحكومي وتقليص مخصصات التدفئة في شمالي سوريا، والاعمال الوقائية للنظام في الاردن بل وفي مصر ايضا. "لا يدور الحديث هنا فقط عن طبقة وسطى متطورة يمكن ان تنشأ عنها الثورة. هذه ظاهرة مميزة، أصيلة وجديدة ينبغي اعمال الفكر فيها".

        وأنهى كوخافي كلمته عند الظهيرة وعاد الى المكتب في وزارة الدفاع. في ذات المساء بدأت الاضطرابات في القاهرة. الجماهير، أبناء الطبقة الوسطى والشباب، طردوا مبارك، ولكنهم لم يغيروا (حاليا) النظام. الاخوان المسلمون لم يتسلموا (حاليا) الحكم. اقوال رئيس شعبة الاستخبارات في ذاك اليوم لم تكن منقطعة، بل دقيقة.

        الجيش السوري منهك

        ومع ذلك، ليست هذه أيام طيبة ليكون المرء فيها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. فقد غير الشباب القواعد ولا أحد يعرف كيف يؤكل هذا. اللواء أفيف كوخافي لم يعد جديدا جدا في منصبه، وهو واعٍ، يتعلم بسرعة ويتابع التطورات المذهلة في المنطقة التي تجعل منصب "المقدر الوطني" كما يسمى رئيس شعبة الاستخبارات، أعقد مما هو في أي وقت مضى. وها هي خلاصة استعراض كوخافي أمام محافل مختلفة هذا الاسبوع وتقديرات استخبارية مختلفة وصلت مؤخرا الى أصحاب القرار في اسرائيل وفي الغرب:

        سوريا: حرب مضرجة بالدماء. مظاهرات تجري في 20 حتى 30 مدينة سورية. في بعضها تتجول جماعات عنيفة، مسلحة، تهاجم الجيش. ويدور الحديث أيضا عن عناصر جنائية. منذ بداية الاضطرابات قتل نحو 600 جندي سوري، عدد هائل، ونحو 1.600 مواطن، والعدد يواصل الازدياد بسرعة. عندما يصف النظام السوري كعصابات تهاجم الجيش فانه دقيق، على سبيل التغيير. دمشق العاصمة هادئة في هذه الاثناء (باستثناء مظاهرات في الضواحي). في حلب أيضا "تل أبيب" سوريا. كل الباقي، مشتعل. الاسد انتهج اصلاحات هامة للغاية، ولكنه لا ينجح في وقف زخم الشارع، الذي يواصل المطالبة برحيله. الاصلاحات تجد تعبيرها أساسا في إمطار الناس بالمال: خلق أماكن عمل مصطنعة، تنزيلات كبيرة في أسعار الوقود، رفع الاجور للقطاع العام المضخم. كلفة الاصلاحات كبيرة، بحيث أن الاسد أكل حتى الان نحو ثلث احتياطاته من العملة الصعبة (تبقى نحو 12 – 14 مليار دولار)، ولا يزال الحبل على الجرار. الاقتصاد السوري يتحطم بوتيرة هائلة، من اسبوع الى اسبوع. لا سياحة، لا استثمارات، لا نمو، لا افق. لن يكون ممكنا الاستمرار هكذا لزمن طويل آخر واضافة الى ذلك، ففي ضوء الولاء العالي (حاليا) للجيش، فان الاسد قادر على ان يطيل حربه الوجوديه لسنة – سنتين. الطبقة الوسطى هادئة، حتى الان. الفرار في الجيش محدود (بضع مئات من الجنود، بضع عشرات من الضباط). ومع ذلك، فالجيش السوري منهك. هذه هي المرة الاولى التي يشهد فيها الجيش تجربة طوارىء بهذا الحجم وينتشر في الميدان في صيغة حربية منذ يوم الغفران في العام 1973. الجنود لم يذهبوا الى بيوتهم منذ أشهر وهم منهكون. من جهة اخرى، فان معظم الجيش يرى في اعمال القمع العنيفة فعلا شرعيا. ومن جهة ثالثة، العدد الكبير للقتلى، عدم النجاح في قمع الاضطرابات، انعدام الجدوى من الوضع، كل هذا يمكنه أن يخلق شقوقا ستتسع بسرعة. عدم راحة معينة سجلت أيضا في الدائرة الداخلية للاسد. ولا يزال، من يدير الحدث هو الرئيس بشار الاسد وليس أي أحد آخر (بما في ذلك الاخ المشهر به ماهر) لا بديل عنه. حاليا.

في مصر انتهى الارز

مصر؟ الوضع ليس افضل بكثير. الاقتصاد يتدهور بوتيرة متسارعة. مخازن الغذاء تفرغ، ولم يعد هناك ارز، سمن، دقيق، ذرة، منتجات حيوي، كل شيء ينفد بسرعة. السياحة تأفل. البطالة تستشري، سقوط في الاستثمارات. المصريون عالمون بوضعهم. يستجدون شطب الديون في الولايات المتحدة وتدفق المليارات من السعودية ومن الامارات (الاستجابة جزئية).

الوضع يائس لدرجة ان الاخوان المسلمين مستعدون لعدم ترشيح احد منهم للرئاسة وسيجتهدون لتحقيق انجاز جميل، ولكن ليس جيدا جدا، في الانتخابات للبرلمان لانهم لا يريدون للمسؤولية عن الكارثة ان تقع عليهم. الامل الوحيد يمكن ان يأتي من الاسرة الدولية. مطلوب مشروع مارشل عاجل لترميم الاقتصاد المصري والقدرة على الاطعام كل صباح من جديد، لقرابة 90 مليون فم جائع. محظور ان يفسر هذا المشروع كتسيد من قوة عظمى شبه استعمارية من جانب اوروبا وامريكا، وذلك لان من شأن هذا ان يؤدي الى نتيجة معاكسة.

في سيناء، بالمناسبة، الوضع يتدهور بسرعة أشد ويقترب من الفوضى التامة. الشرق المتوحش. 300 الف بدوي في ثلاث – أربع قبائل معادية للنظام وتفعل كما تشاء. منطقة سائبة حقيقية. مجال يدار بثقافة الخاوة والتهريب. في الخمسة الاشهر الاخيرة حجم تهريب الوسائل القتالية الى داخل غزة يتضاعف، بل بثلاثة اضعاف في مجالات معينة. وهن الحكم يسمح لكل واحد بان يفعل كما يشاء. حماس حصلت مؤخرا بهذه الطريقة على بضع أطنان من المواد المتفجرة بجودة طيبة، صواريخ كتف مضادة للطائرات وبالطبع قاذفات صاروخية. مسار السلاح: من ايران عبر السودان (بالتعاون مع السلطات هناك) الى سيناء، ومن هناك الى القطاع. في سيناء نفسها تنشأ رؤوس جسر لمنظمات ارهابية مثل الجهاد العالمي، بما في ذلك شبكات دائمة. جوهرة السياحة توجد في عملية تحول الى عاصمة الارهاب.

الاخوان المسلمون في الجينز

ماذا سيكون في الشرق الاوسط؟ حسب تقدير شعبة الاستخبارات سيمر عقد من الزمان، وربما عقدان الى أن نعرف بالضبط. ربيع الشعوب العربية يقوم على اساس ستة مبادىء اساسية: جموع من الشباب والطبقة الوسطى ممن يتعرض لخطاب حقوق الانسان عبر الانترنت. فجوة كبيرة متسعة بين الانظمة وشعوبها. وضع اقتصادي خطير وانعدام الافق الشخصي. القدرة على التجنيد السهل للجماهير للمظاهرات في الميدان من خلال الشبكات الاجتماعية. تشقق هيبة النظام والحكم. وظاهرة "العدوى". الفيروسية. يرى الناس انهم في تونس طردوا الرئيس، فيطردونه في مصر. يرون أن مصر تقدم رئيسها الى المحاكمة، فبالتالي يريدون ذلك في سوريا ايضا. والصورة تتكرر.

الشارع العربي، الذي لم يكن قائما منذ عشرات السنين، يستيقظ الى الحياة. الشارع يجرؤ اكثر، والنظام يجرؤ اقل. وشيء آخر: يوجد في العالم العربي 100 مليون شاب بين اعمار 15 حتى 29. كتلة هائلة. قسم كبير جدا منهم عاطلون عن العمل. بعضهم عزاب وصلوا الى سن 30، لم يجدوا عملا وبالتالي لم يتزوجوا، ليس لديهم شقة، يسكنون في منازل أهاليهم. الاحباط يتعاظم. لا يوجد أي شيء مفرح في الافق. وخلافا للشباب في الاجيال السابقة، فان شباب اليوم يتعرضون لما يحصل في العالم. يعرفون البديل. مفعمين بتجارب "خطاب الحقوق"، يطالبون بما يستحقونه. الوعي السياسي والثقافي لديهم متطور. بالمناسبة هذا الاسلوب يتسلل أيضا الى الشرائح الاسلامية.

الاخوان المسلمون هم أيضا يبدون اليوم بشكل مختلف. ليس في الجلابية البيضاء والشبشب القديم. الاخوان المسلمون الجدد يجلسون بالجينز والقميص ذي الكم القصير على الموضة مع لابتوب، وينقرون "لايك" على الفيس بوك. الى اين يؤدي كل هذا؟ لا يوجد هناك أي امكانية لنعرف. هناك مواجهتان اساسيتان: بين مؤيدي التغيير ومؤيدي المحافظة، وبين مؤيدي المسار الاسلامي (المتطرف أو المعتدل) وبين السير نحو الغرب والليبرالية. وفي داخل كل هذا، كل شيء ممكن. المؤكد هو أنه في المدى البعيد ستكون في المنطقة انظمة اكثر تمثيلا. ديمقراطية، ليس بالمفهوم الغربي، ولكن ايضا ليس بالنموذج السوري الحالي. لن يكون ممكنا الخروج الى الحرب بسهولة مثلما كان ذات مرة، دون الاخذ بالحسبان لصوت الشعب. ولا يزال، في قطاع غزة أيضا يوجد، ظاهرا، ديمقراطية. هكذا بحيث أن نموذج حماس هو الاخر محتمل. هذا النزاع، بين الحل الليبرالي، الثقافي، الرأسمالي للغرب، او بين "الاسلام هو الحل" سيستمر بكل قوته. هذه المرة، خلافا للماضي، سيكون اصعب بكثير متابعته، تقديره. لم تعد هذه قصة ما يقال في الغرف المغلقة للحكم، او كم دبابة وصاروخ اشتراها النظام.

أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية، سيتعين عليها ان تتكيف. وهي باتت تفعل ذلك منذ الان. الاستخبارات العلنية تصبح حيوية وحاسمة أكثر بكثير ولكن من شدة علنيتها من الصعب قراءتها. في شعبة الاستخبارات العسكرية يهجمون منذ الان على هذا ووحدات تعمل هناك في الشبكات الاجتماعية، في تعلمها وفي قراءتها. مظاهرة يوم النكسة التي كان يفترض بها أن تكون على السياج في هضبة الجولان (المظاهرة الثانية) اجترفت 300 الف "لايك" على الفيس بوك. ولكن يكاد يكون أحد لم يصل. كيف يتابع هذا الامر؟ هل يلاحق كل "لايك" على حده للاستيضاح اذا كانت ارسلت من بلدة مجاورة أم من فرع "ستاربكس" في لندن؟ هل العقول الرائعة التي توجد لنا اختراعات، يمكنها ان تفكر ببرنامج يمكنه أن ينخرط في فوضى الشبكات الاجتماعية التي تعتمل في العالم العربي ويترجمها الى تقدير استخباري؟ هذا سيكون، بلا ريب، التحدي التالي (ان لم يكن الحالي) لشعبة الاستخبارات العسكرية. ربيع الشعوب للواء أفيف (ربيع) كوخافي.

 

انشر عبر