شريط الأخبار

ما بعد المفاوضات العبثية .. هاشم عبد العزيز

01:55 - 03 كانون أول / يوليو 2011


ينوي المدمن وبعزم على الخلاص من إدمانه، لكنه في الوقت ذاته يمضي وب”حزم” على تعاطي إدمانه، ولهذا كان لابد من توفر “طرف حاسم” لإخراج المدمن من هذا الازدواج المنهك والمهلك والمدمر لحياته .

حالة الإدمان كانت قاصرة على الأفراد في تعاطيهم المخدرات واتباع أساليب وممارسات محددة، لكنها غدت ظاهرة شائعة في المجتمعات في قابلية التعايش مع ما هو ناسف ونازف للقيم الإنسانية، وفي السياسة فإن الإدمان ليس داءً يحتاج إلى دواء، بل هو اللعبة التي تدور مابين ادعاء الأفراح المبهجة والأتراح المؤلمة .

من هنا تأتي الحالة الإدمانية للمفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية” التي صارت مزمنة منذ أن اختطفت الولايات المتحدة شأن شؤون منطقة الشرق الأوسط وأزمتها إثر مؤتمر مدريد للسلام، التي رغم هذه السنوات انتهت إلى حقيقة أنها لم تشهد بدايات لكي تمضي مسيرتها بخطوات ولو بطيئة، والأمر يعود إلى حال الازدواج الأمريكي ادعاء رعاية العملية السياسية وممارسة الدعم للسياسة الصهيونية، والجامع الأمريكي مابين هذا وذاك هو “التفاوض” حول المفاوضات ومواجهة الأحداث والتطورات المرتبطة بالأزمة وتداعياتها بالإصرار على استمرار الأوضاع القائمة على الاحتلال والإخلال والتلاعب بالحقوق الفلسطينية .

في هذه الدوامة شهدت الأيام القليلة الماضية ما يمكن وصفه ب”الهجمة” السياسية والدبلوماسية حول عودة المفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية”؛ ففي “إسرائيل” التقى رئيس وزرائها نتنياهو، مستشار الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط دينس روس والمبعوث الأمريكي لعملية السلام ديفيد هيل ومسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، ومبعوث اللجنة الرباعية الدولية توني بلير الذين، بحسب صحيفة “معاريف”، قد أعربوا خلال لقائهم نتنياهو عن قلقهم من توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال سبتمبر/أيلول المقبل، وأنهم أقنعوه بقبول مبدأ حدود 1967 للعودة إلى المفاوضات” . وقالت الصحيفة إن “ نتنياهو قبل بذلك ولكن بعد شرطين أولهما الاعتراف ب إسرائيل دولة يهودية، وثانيهما حل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج الحدود “الإسرائيلية”” .

قبل هذا كان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد طالبوا بعقد اجتماع سريع لأعضاء الرباعية للمضي قدماً بهذه العملية، أي عودة المفاوضات، وقد أعادوا دعوتهم إلا أن “التغييرات الجذرية التي طرأت على العالم العربي جعلت الحاجة لتسجيل تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط أمراً أكثر إلحاحاً”، وبعد هذا بأيام دعا ذات الوزراء إلى عودة المفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية” فوراً من دون إشارة إلى الاستيطان ولا ذكر للقضايا ومرجعيتها وسقف المفاوضات الزمنية والضمانات لتنفيذ نتائجها .

السؤال الآن: ما حقيقة هذا التحرك الأوروبي إزاء أزمة الشرق الأوسط الذي كان مستبعداً أمريكياً ومرفوضاً “إسرائيلياً”، هل مجرد التحرك من الهامش إلى التماس؟ الواقع أن ما يجري لا يخرج عن هذه القاعدة، فالأمريكيون يتحركون ولكن بآلية أوروبية، وهذا التحرك كان بدأ بالتحرك الفرنسي، والهدف المباشر مما يجري لعودة المفاوضات يشمل، في ما يشمل أولاً، عرقلة التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود عام 1967 وحصول هذه الدولة على العضوية الكاملة في هذه المنظمة، ثانياً استدراج الفلسطينيين من خلال المفاوضات إلى الإقرار بإعلان أوباما عن حدود 1967 مع تبادل الأراضي ليصير هذا اعترافاً فلسطينياً بشرعية الاستيطان، وتصير القضية محصورة على حدود لا على الاحتلال والاستيطان بمترتباته، وثالثاً، جعل العملية التفاوضية إجهاضية للوفاق والاتفاق الفلسطيني .

وكان نتنياهو عبّر عن هذا حين أعلن أن على الرئيس عباس أن يختار بين السلام مع “إسرائيل” أو الاتفاق مع “حماس”، وعلى ذات الاتجاه جاهر أوباما بمعارضة الولايات المتحدة لاتفاق المصالحة بين حركتي “فتح” و”حماس”، والمسألة إجمالاً أن الخروج الفلسطيني من الانقسام والتفتت وتجاوز العرب تفككهم وتشرذمهم يتصادم ومخططات واشنطن وتل أبيب وغيرها من الدول الاستعمارية .

والآن . . ما المطلوب فلسطينياً؟، قد يكون من المناسب بداية وضع هذا المشهد الكاريكاتيري الذي يرسم الوضع المترتب عن المفاوضات العبثية، باراك أوباما يعلن عن حدود 1967” على “تبادل الأراضي لإضفاء الشرعية للاستيطان”، ونتنياهو “يقبل” بحدود 1967 لكن بشروط تعجيزية، وعباس يعلن الذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية إذا ما فشلت المفاوضات .

إنها اللعبة، وحان الوقت للنهاية، فأمام الفلسطينيين فرصة مناسبة لإعادة الاعتبار للعملية السياسية والخروج من هذه الحالة الإدمانية المزمنة والعبثية التي دارت منذ استفردت الولايات المتحدة في شأن وشؤون المنطقة وأزمتها المتداعية على حساب قضايا الشعب الفلسطيني الحيوية والمصيرية .

بحسب صحيفة ال”ديلي تلغراف” البريطانية، هددت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي سوزان رايس بسحب تمويل بلادها للأمم المتحدة إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية، هذا لم يكن مفاجئاً لأن عقبات إيجاد تسوية سياسية تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية لا تكمن في مواقف نتنياهو وائتلافه الحكومي المعبر عن تطرف “إسرائيلي” يتنامى باطراد مرعب في المجتمع قبل السياسة، بل إن هذه العقبات تكمن أيضاً وأساساً في مواقف السياسة الأمريكية الداعمة لهذا التطرف الذي وصل حد اختزال الحقوق الوطنية والتاريخية لمسمى “دولة”، هي في الواقع حكم إداري ذاتي فلسطيني لغزة والضفة من دون القدس عملياً، وعلى اعتراف بأن “إسرائيل” دولة لليهود، وتنهي به مطالب الفلسطينيين وتجري المقايضة بجوهر قضيتهم، أي حق اللاجئين باستعادة أرضهم والعودة إليها وهذه السياسة تجذرت في عهد بوش وتتجدد في عهد أوباما.

معلوم أنه في عام 1999 انتهت المرحلة الانتقالية في اتفاق أوسلو، ومنذ ذلك الحين لم تفض جولات المفاوضات إلى نتيجة غير المزيد من “العربدة الإسرائيلية” بدعم أمريكي، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كانت كاسحة الاستيطان منطلقة بهذا الانفلات في الأراضي الفلسطينية .

هنا يمكن القول إن ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة يجب ألا يكون قاصراً على طلب حقهم القانوني والمشروع بالاعتراف بدولتهم وحصولها على كامل العضوية في هذه المنظمة، بل أن تكون هذه خطوة في اتجاه استراتيجي يضع نهاية للرهان الخاطئ والخاسر على أكذوبة الرعاية الأمريكية للتسوية السلمية في المنطقة.

انشر عبر