شريط الأخبار

عرب حرّضوا على حماس بلا مبرر..ياسر الزعاترة

03:44 - 29 كانون أول / يونيو 2011


رغم أنها لم تأت بالكثير من الجديد بالنسبة للمتابع للشأن السياسي، فإن إحدى مزايا وثائق ويكيليكس هي توفيرها مادة مهمة تشكل أدلة على مواقف قد ينكرها أصحابها أمام الجماهير، لا سيما أن أحدا لا يمكنه تكذيبها بعدما أقرت واشنطن بصحتها.

في هذه السطور نتوقف مع عدد من الوثائق إياها (التي نشرت حتى الآن بالطبع) يتعلق بجملة من الرسائل التي أكدت أن بعض مسؤولي الإمارات العربية المتحدة قد دأبوا على التحريض على حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

قبل ويكيليكس كنا نسمع عن مواقف بعض أولئك القوم ضد حماس، وكم من مرة شاعت معلومات عن قيام أحدهم بتحريض زعماء عرب عليها، حتى إنه لم يتورع عن إبداء السعادة أمام مسؤول عربي كبير باغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين، وصولا إلى القول "ها قد تخلصنا من (....)"، لكن الوثائق لم تبخل بالكثير من التصريحات والوصايا التي أطلقها ذات الرجل ضد حماس، ومعه آخرون على نحو يشير إلى حالة حقد استثنائي تتلبسهم حيال الحركة، الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤل مهم حول دوافع المواقف النفسية والسياسية التي تحركهم.

والحق أن واحدة من مزايا حركة حماس قياسا بحركة فتح، وربما الفصائل الأخرى، هي أنها لم تتدخل يوما في الشؤون العربية الداخلية، وهي تمكنت من إنشاء علاقات مع أنظمة لها صراعاتها المشهودة مع الحركات الإسلامية، وبخاصة تلك التي تنتمي إلى تجربة الإخوان المسلمين السياسية، وهي معادلة لا تنحصر في النظام السوري الذي خاض صراعا دمويا مع فرع الجماعة في سوريا مطلع الثمانينيات، وإنما تشمل دولا أخرى مثل عراق صدام حسين الذي عاش الإخوان في ظل حكمه حقبة بطش معروفة قبل أن ينفرج الموقف قليلا خلال النصف الثاني من التسعينيات، فضلا عن الجزائر وليبيا، ولكل منهما تجربته مع القوى الإسلامية المسيّسة، وإن بدا الأمر مختلفا في حالة الأنظمة التي تجمع بين الانحياز للخيارات الأميركية والرفض المتشدد لحركات الإسلام السياسي كما هو حال تونس ومصر على سبيل المثال لا الحصر.

وقد يشير البعض هنا إلى بعض التدخل في السياق الأردني على سبيل المثال، الأمر الذي نفته الحركة مرارا (أعني التدخل المباشر في شؤون جماعة الإخوان المسلمين الأردنية)، لكن الموقف يبدو مختلفا هنا، ليس من زاوية أن الأردن يؤوي النسبة الأكبر من اللاجئين الذين لم تصنفهم حماس خارج إطار الارتباط بالقضية وتداعياتها، ولكن لأن الأردن هو الجبهة الوحيدة ذات الحدود المباشرة مع الضفة الغربية، ومع ذلك كان السياق العام هو التأكيد على الحفاظ على أمن الأردن وليس إثارة أي قلائل فيه، بما في ذلك رفض استهداف الإسرائيليين فيه (السياح طبعا).

وتبقى مصر التي يعلم الجميع تناقضات العلاقة معها، أكان من زاوية النظر إليها كامتداد لجماعة الإخوان المستهدفة في الداخل، أم بسبب التبعية للقرار الأميركي المرتهن بدوره للهواجس الإسرائيلية، وكل ذلك قبل الحسم العسكري، أما بعده فيتعلق الأمر إضافة إلى ما ذكر برفض ما يسمونه وجود "إمارة ظلامية" على الحدود المصرية.

لا حاجة إلى التذكير بأننا نتحدث عن مرحلة ما قبل الثورات العربية، والتي تختلف عما بعدها، حيث اضطرت الحركة إلى اتخاذ بعض المواقف هنا وهناك، كما هو الحال في تونس، فضلا عن ليبيا، مع موقف محايد في سوريا ومصر لاعتبارات معروفة، مع بقاء معادلة عدم التدخل هي الأكثر فاعلية.

وإذا كان السياق العام لسلوك الحركة هو رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، فإن هذه القاعدة تبدو أكثر وضوحا في حالة الدول الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، ولو صح أنها تتدخل بالفعل لكانت مواقف الدول الأخرى منها مشابهة، وهي لا تبدو كذلك حتى لو صحّ القول إن العلاقة مع بعضها ليست على ما يرام. والنتيجة التي نصل إليها بناءً على ذلك أن القوم لا يكرهون حماس بناءً على تدخلها في شؤون بلادهم، بل لاعتبارات أخرى تستحق البحث والتساؤل.

قد يقال إن مواقف القوم نابعة من علاقة حماس بإيران، وبالطبع في ظل العلاقة المتوترة بينها وبين بلدهم (الإمارات)، أولا على خلفية احتلال الجزر، وثانيا على خلفية طموحاتها الإقليمية، ومن ضمنها الاهتمام بالأقليات الشيعية في الخليج، لكن ذلك لا يبدو مقنعا لأن حماس ليست وصية على إيران، كما أنهم يعلمون تماما أن إيران ليست وصية على حماس، بل هي تقدم لها الدعم تقربا من جماهير الأمة التي ترفع من يعلي شأن فلسطين وتفعل العكس مع من يتجاهلها.

في هذا السياق حدث أن تورط أحد قادة الحركة ذات مرة بإطلاق تصريح يتعلق بالجزر الإماراتية المحتلة كان منحازا إلى إيران، وهو ما دفع رئيس المكتب السياسي إلى تسوية الأمر والاعتذار إلى القيادة الإماراتية، وبالطبع لأن الخطأ لم يكن مقصودا، وإنما جاء في سياق التساؤل عن السبب في تجاهل القضية أيام الشاه، وإثارتها بعده. ولا يعرف في واقع الحال هل جاء التصريح مقصودا بسبب المواقف السيئة (غير المبررة) حيال الحركة من طرف الإمارات أم مجرد تساؤل عابر غير مقصود.

هنا يرى البعض أن السبب المرجح لحقد أولئك على حماس يتمثل في موقفهم المعادي لحركات الإسلام السياسي بشكل عام، وبخاصة تلك التي تنتمي إلى تجربة الإخوان المسلمين، وثمة معلومات كثيرة تؤكد ذلك، وفي مقدمتها موقفهم من الجماعة في الداخل، وحيث استهدفت كما لم تستهدف مثيلاتها في أي من دول الخليج، بل إن قادة الجماعة ورموزها لا يترددون في التأكيد على موقف السلطة الحاقد عليهم، رغم أنهم لم يشكلوا في يوم من الأيام خطرا على الدولة ولم يفكروا في الانقلاب عليها.

ويتأكد ذلك من تبني القيادة الإماراتية لرموز إسلاميين من اللون "الصوفي"، وأحيانا من اللون السلفي الذي ينادي بطاعة ولي الأمر ولو جلد الظهور وسلب الأموال (ليسوا جميعا من الإمارات)، ورفض انتقاده في العلن مهما فعل ما دام يأذن بالصلاة.

هنا يمكن القول إن الموقف المعادي لحماس ربما عاد لما منحته من زخم لحركات الإسلام السياسي (الإخوانية منها على وجه الخصوص)، وذلك بسبب دورها اللافت في القضية الفلسطينية، بدليل دعمها من قبل تلك الحركات، بل والفخر بتجربتها، الأمر الذي يأمل الجميع بأن يستمر باستمرار تمسك الحركة بثوابت القضية بطبعتها الأصلية، وليس ثوابت منظمة التحرير المعروفة.

ثمة من يرى أن الموقف من الحركة له علاقة بمجاملة الولايات المتحدة، وربما بعض الدوائر الإسرائيلية، حيث يربط البعض ذلك أيضا بما كشف من وثائق ويكيليكس حول علاقات سرية بين بعض الإمارات وبين الدولة العبرية.

هنا نفتح قوسا لنقول إن هناك من قد يخالفنا الرأي معتبرا أن مواقف القوم من حماس ليست بتلك السوء، بدليل ما جرى في قضية اغتيال محمود المبحوح. لكن هذه القضية لا تغير عمليا في المسار العام للعلاقة مع الحركة، لأن الجهود الإماراتية في كشف المجرمين كانت محض دفاع عن مصالحها، لا سيما أن القضية كانت تنطوي على استعراض واضح ربما وجد فيه الإماراتيون تلويحا إسرائيليا لهم بضرورة أن يشاركوا بقوة في الحصار المضروب على إيران، خلافا لموقفهم في السنوات الماضية حيث كانت دبي بوابة طهران الرئيسية لمواجهة الحصار. أما الجانب الآخر فيتمثل في أن الإعلان عن عملية الاغتيال قد جاء بعد تردد دام تسعة أيام، وكان خشية الاتهام بالتحيز للكيان الصهيوني كما أوردت إحدى وثائق ويكيليكس.

ثم إن الأمر قد توقف عمليا بكشف المجرمين ولم يتطور لما هو أكثر من ذلك رغم الوعود، من دون أن يقلل ذلك من قيمة الجهد الذي بُذل والجرأة في كشف المجرمين.

أيا يكن الأمر، فالحريصون على الإمارات وعلى الأمة ككل يتمنون بالفعل أن يراجع أولئك القوم أنفسهم، وأن يكفوا عن التحريض على حركة يستهدفها الصهاينة، وإذا كان الإيرانيون يدعمون حماس من أجل كسب قلوب المسلمين، فالأصل أن يبادروا هم إلى دعمها من أجل ذات الهدف (يشمل ذلك علاقتهم بمواطنيهم الذين يحب أكثرهم حماس كحركة مقاومة ضد الاحتلال مثل سائر المسلمين).

وإذا كانت علاقتهم مع واشنطن لا تسمح لهم بذلك، فلا أقل من أن يتوقفوا عن التحريض، مع العلم أن الولايات المتحدة ليست رب الكون، ويمكن تحدي إرادتها في كثير من القضايا، بدليل أن دولا خليجية أخرى تفعل ذلك بين حين وآخر كما هو حال قطر في محطات كثيرة، ودول أخرى في بعض القضايا والملفات بين حين وآخر، لا سيما أن أميركا اليوم ليست أميركا التسعينيات كما يشير تحدي الكثيرين لها خلال الألفية الجديدة من دون أن تتمكن من فرض إرادتها عليهم (نجاح الثورات العربية دليل آخر على ذلك).

قد يشير البعض إلى البعد النفسي في المسألة، أعني الرفض الذاتي لكل ما يتصل بالقوى الإسلامية، وهنا يمكن القول إن السياسي الحصيف لا ينساق دائما خلف مشاعره الخاصة، بل يلجمها في كثير من الأحيان إذا كان في لجمها مصلحة لدولته ومجاملة لشعبه وأمته.

انشر عبر