شريط الأخبار

الـ «سي آي إيه» في لبنان: على عينك يا تاجر

10:44 - 27 كانون أول / يونيو 2011


 

الـ «سي آي إيه» في لبنان: على عينك يا تاجر

فلسطين اليوم-الأخبار اللبنانية-حسن عليق

«مثير للضحك ذلك التعليق الذي أصدره الناطق باسم السفارة الأميركية في بيروت، ريان كليها، يوم الجمعة الماضي، تعقيباً على خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله»، يقول أحد الأمنيين الرسميين في لبنان، مشيراً إلى ملاحظتين: «إما أن كليها جاهل بما تفعله وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) في لبنان، أو أنه أحد ضباطها. وفي الحالتين، هو مضطر إلى نفي كلام نصر الله عن تجنيد الاستخبارات الأميركية لثلاثة أشخاص في حزب الله. فهذه الاستخبارات، كغيرها من الوكالات الأمنية الأجنبية الناشطة في لبنان، لن تقر علناً بنشاطها».

 

وفي الأوساط الأمنية الجدية في لبنان، ثمة يقين بأن الـ«سي آي إيه» ناشطة «إلى حد كبير جداً» داخل حدود الدولة اللبنانية. مدير محطة الـ«سي آي إيه» لا يكون غالباً هو الملحق العسكري أو الأمني في السفارة. ففي معظم الأحيان، يحمل صفة دبلوماسية تمويهية (سكرتير، نائب القنصل، ملحق ثقافي...). والمسؤولون الأمنيون اللبنانيون يستقبلون رؤساء محطة الـ«سي آي إيه» في بيروت دورياً. وهؤلاء يُعلنون أمام الأمنيّين وظيفتهم من دون مواربة. وعندما يُنقل أحدهم من موقع عمله في بيروت، يحرص على تأمين التواصل بين المسؤولين اللبنانيين وبين من يخلفه.

ويؤكد أمنيون لبنانيون أن الاستخبارات الأميركية تشغّل في لبنان عشرات المخبرين. وهؤلاء، لا صلة لهم في معظم الأحيان بمن يلتقيهم الدبلوماسيون الأميركيون، رغم أن «الاستخبارات الأميركية تستفيد من العمل الدبلوماسي، كما من نشاط الوكالات المدنية العاملة في لبنان»، على حد قول مسؤول أمني بارز. ويتندّر أحد الأمنيين قائلاً إن السجون في لبنان لا تقدر على استيعاب مخبري الأجهزة الأمنية الغربية، وعلى رأسها الـ«سي آي إيه» فيما لو قررت الدولة اللبنانية توقيف هؤلاء.

وتعمل الـ «سي آي إيه» في لبنان على مستويات عدة: تقنياً، هي تزوّد الأجهزةَ اللبنانية بالكثير من المعلومات التي تؤدي إلى توقيف عدد من الأشخاص المتهمين بممارسة نشاط «إرهابي» (ثلاث على الأقل من الخلايا الكبرى في لبنان جرى توقيفها بناءً على معلومات أميركية). وتظهر التجربة مع الأمن اللبناني أن شبكتي الإنترنت والاتصالات في لبنان مكشوفتان بالكامل للأميركيين. أما استعلامياً، فتنشط وكالة الاستخبارات الأميركية على كل الصعد: سياسياً، اقتصادياً وثقافياً. وثمة أدلة تقنية لدى الأجهزة اللبنانية تؤكد وجود عشرات الخلايا التي تديرها الاستخبارات الأميركية في لبنان، بلا أي خوف أو وجل. وثمة أشخاص تنكشف علاقتهم بالأميركيين بعد أن توقفهم الأجهزة الأمنية اللبنانية بجرائم متعددة. وفي إحدى المرات (منتصف عام 2007) تدخّل مدير محطة الـ«سي آي إيه» في بيروت لدى السلطات اللبنانية لإقناعها بإطلاق سراح موقوف من فتح الإسلام، رغم أن الأخير هو من أبرز الذين تمكّن الأمن اللبناني من توقيفهم. وكانت حجة الطرف الأميركي أن الموقوف «يساعدنا»، لكنها لم تكن كافية لإقناع الطرف اللبناني.

ويؤكد أمنيون لبنانيون أن ممثلي الاستخبارات الأميركية يعملون «بوقاحة»، ولا يتورعون عن طلب معلومات حساسة على نحو مباشر، ومن دون أي تمويه. فخلال حرب تموز 2006 على سبيل المثال، كانوا يحرصون على محاولة تحديد مستوى التواصل بين الأجهزة الأمنية الرسمية وقيادة حزب الله، سائلين عن شكل التواصل وكيفيته. وما يسري على التواصل مع الرسميين، ينطبق أيضاً على أسلوبهم بتجنيد المواطنين اللبنانيين. فإضافة إلى «النزعة» لدى بعض اللبنانيين للتواصل طوعاً مع أجهزة أمنية، تستخدم الاستخبارات الأميركية كل النشاطات التي تقوم بها السفارة والوكالات العاملة عبرها (كوكالة التنمية الأميركية على سبيل المثال) لتجنيد مواطنين لبنانيين. ويدخل في هذا الإطار الطلبات التي يقدمها لبنانيون للحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة الأميركية. «ففي إحدى الحالات قبل عام 2008، تقدم لبناني بطلب الحصول على الفيزا، فأتاه اتصال بعد أيام من السفارة، وحُدّد له موعد في عوكر. وعندما التقى المتصلَ به على الموعد، قال له الأخير مباشرة: اجمع لي معلومات عن عماد مغنية تحصل على ما تريد».

ويشير أمنيون إلى أن الاستخبارات الأميركية في لبنان كانت تركز عملها الاستخباري حول المنظمات «الإرهابية»، من دون أن يقتصر ذلك على تنظيم «القاعدة» و«متفرعاته». فمن أولويات الأميركيين رصد المقاومة اللبنانية، لكنهم، حتى وقت قريب، كانوا يركزون في جمعهم للمعلومات حول المقاومة في لبنان على قضايا استراتيجية، من دون الدخول في التفاصيل الميدانية. ومن أبرز ما كانوا يهتمون به قضايا متصلة بعلاقات المقاومة بإيران وسوريا والمقاومة في فلسطين والعراق. ومن الأمثلة على ما كانوا يحاولون الحصول عليه معلومات عن مدى تأثر المقاومة في لبنان بالصراعات الداخلية في إيران، أو بأسعار النفط العالمية. لكنّ الأميركيين، على حدّ مطّلعين على نشاطهم في لبنان، ما عادوا يكتفون بذلك، إذ باتوا يجمعون معلومات أكثر عمقاً وتفصيلاً.

ما ذُكِر يعرف الأمنيون الرسميون في لبنان أكثر منه بكثير، إلا أنهم لا يحركون ساكناً تجاهه. فبعض الأمنيين الراغبين في مواجهة العمل الاستخباري الغربي في لبنان لا يملكون غطاءً سياسياً يمكنهم من ذلك. فيما البعض الآخر يضعون أنفسهم على الحياد في معركة تريد الولايات المتحدة «أن تثأر فيها من حزب الله، بسبب ما جرى في الثمانينيات»، على حد قول مرجع أمني رفيع.

فهذا الأمني والكثير من زملائه توارثوا وجود الـ «سي آي إيه» في لبنان، منذ الاستقلال على الأقل. كانت بيروت مسرحاً للحرب الاستخبارية بين الدول العظمى، إلا أنها كانت، وطوال الفترة السابقة لاندلاع الحرب الأهلية عام 1975، إحدى الساحات التي لا تصنفها الاستخبارات الأميركية في الموقع المعادي. بل إنها كانت مدخلاً إلى التجسس على دول وأنظمة معادية للغرب في المنطقة. وحتى اندلاع الحرب الأهلية، كانت بيروت مقراً لـ«محطة» الـ«سي آي إيه» في الشرق الأوسط. وعندما جرى تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، قُتِل مدير المحطة تحت الركام.

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، نشطت تلك الاستخبارات، ولم يقتصر عملها على جمع المعلومات، إذ تعدّاه إلى تنفيذ العمليات. ومن أبرز ما فعلته حينذاك، كان المشاركة في تفجير عبوة ناسفة ضخمة في الضاحية الجنوبية لبيروت، أدت الى استشهاد عشرات المواطنين، وكانت تهدف إلى اغتيال الراحل السيد محمد حسين فضل الله. وفي كتابه «الحجاب» الذي يروي بعضاً من الحروب السرية التي خاضتها الـ«سي آي إيه» بين عامي 1981 و1987، ينقل الكاتب بوب وودوورد عن مدير الـ«سي آي إيه» في ذلك الحين، وليام كايسي، ما يشبه إعلان تبني العملية التي جرى تنفيذها بتمويل سعودي.

وفي بيروت، تزخر ذاكرة الأمنيين بعشرات العمليات التي نفذتها السي آي إيه، إما مباشرة، أو عبر عشرات العملاء المعروفين بهوياتهم الكاملة. ولعل أبرز من يُعرفون بالعمل لحساب الأميركيين في لبنان، هو جمال ح، الرجل الملاحق من القضاء اللبناني بجرائم قتل في بيروت. والأخير، بحسب أمنيين يتابعون سيرته، كان لا يزال حتى عام مضى على الأقل، ناشطاً في التجسس على اللبنانيين، وخاصة في بلدان الاغتراب. وأبرز العمليات التي نفذها (عمليات غير استعلامية)، كانت عملية اختطاف اللبناني ف. ي. في ثمانينيات القرن الماضي، عبر نقله إلى عرض البحر حيث تسلمه الأميركيون. ومنذ ذلك الحين، بدأ ف. ي. يعمل لحساب الأجهزة الأمنية الأميركية، على طريقة خاطفه، وخاصة من خلال تجنيد لبنانيين في الخارج بهدف التجسس لحساب الأميركيين. وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، كشفت مديرية استخبارات الجيش عملية كبيرة كان الأميركيون يعدّون لتنفيذها، عبر اللبناني ع. ط، بهدف اختطاف حسن عز الدين، أحد أبرز المطلوبين للولايات المتحدة (يرتبط اسمه باسم الشهيد عماد مغنية وعلي عطوي). وكان الأميركيون يُعِدّون لخطفه بحراً أيضاً، عبر ساحل منطقة الأوزاعي. لكن ع. ط، تمكّن من الفرار بعد دهم منزله، ولم يلاحق قضائياً لأن القانون اللبناني «لا يجرّم من يتعاملون مع دولة صديقة»!

 

جهاز أمن المقاومة

 

معظم من يعيشون في «بيئة المقاومة» يشعرون بهم من دون أن يروهم أو يعرفوا لهم عنواناً. فالعاملون في جهاز أمن المقاومة أشخاص لا أسماء لهم ولا وجوه. وبعضهم لا أضرحة لأجسادهم بعد الاستشهاد. لا صلة لهم بكل ما يظهر إلى السطح، ولا بمظاهر الحراسة والحماية والسيارات ذات الزجاج الأسود. هم «جهاز الاستخبارات» الخاص بالمقاومة. هدفهم حماية جسمها من الاختراق، وجمع كل المعلومات الممكنة عن العدو، في لبنان وفلسطين والعالم. بنوا تجربة خاصة بهم في العمل الاستخباري، لا تشبه ما نعرفه عن «تشبيح» الأجهزة الأمنية وبطاقاتها. لم يستنسخوا ما قام به غيرهم، رغم «استئناسهم» بتجارب الآخرين، وأولاها التجربة الإسرائيلية. يحترمون قدرات عدوهم، ويبادلهم عدوهم الاحترام ذاته. راكموا خبراتهم من الحرب المفتوحة مع الاستخبارات الإسرائيلية، ومع أجهزة استخبارات عالمية تريد بالمقاومة وبلادها شراً. استفادوا من أخطائهم، ومن كل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم من تقنيات متطورة. وكل يوم، يتعلمون جديداً، سواء من أنفسهم أو من أعدائهم أو حلفائهم أو ممن هم أدنى منهم خبرة.

في الأجهزة الأمنية الرسمية في لبنان، يتعامل الجديون معهم بثقة كبيرة، وثمة إعجاب بعملهم. وخلال السنوات الماضية، كان لهم دور كبير في توقيف أكثر من نصف العملاء الذين قبضت عليهم الأجهزة الأمنية الرسمية. وثمة من بات مطّلعاً على جزء، ولو يسير، من أسلوب عملهم الذي يمكّنهم من جمع معلومات عن المئات من المتعاملين مع الاستخبارات الإسرائيلية.

أمنيون من أجهزة مختلفة رأوا قدرتهم على تحويل الاختراق الإسرائيلي إلى مكسب أمني، ومنطلق لتضليل العدو. يورد ضباط لبنانيون عشرات الأمثلة على دقتهم، وعلى قدرتهم على جمع الأدلة التي تمكّنهم، والأجهزة الأمنية الرسمية، من حسم الشبهات وتأكيدها.

منذ ثلاثة عقود، يعملون بصمت. أحبطوا مئات العمليات التي كان الإسرائيليون ينوون تنفيذها في لبنان. وضربوا العدو في أكثر من مقتل. جنّدوا أشخاصاً داخل فلسطين المحتلة، وبعض من انكشف من هؤلاء كان وثيق الصلة بمراكز القرار في تل أبيب.

لا يجدون حرجاً في الاعتراف بالثغَر التي ينفذ منها العدو، ولا بالنقاط التي يسجلها عليهم، منتقلين مباشرة إلى البحث عن سبل سدّها والتعويض. ليسوا خارقين، إلا أنهم أثبتوا لأنفسهم أن عدوّهم بشر قابل للهزيمة. يدركون قدراتهم جيداً، لكنهم واقعيون ومتواضعون. فهم لا يستعرضون، ويعرفون أن «الأمن الكامل» غير موجود سوى في الأساطير. ومن أجل ذلك، يسعون بجد للوصول إلى يوم تكون فيه كل تحركات العدو تحت أعينهم.

 

الاستخبارات الأوروبيّة: البلجيكيّون هم الأنشط

 

يؤكد مسؤولون أمنيون لبنانيون أن أجهزة الاستخبارات التابعة لجميع الدول الأوروبية تنشط في لبنان لجمع المعلومات وتجنيد المصادر البشرية. ولمعظم تلك الأجهزة شبكات منتشرة على الأراضي اللبنانية. ويظهر هذا النشاط بوضوح من خلال حركة الاتصالات الهاتفية التي «تتعثر» بها الأجهزة الأمنية خلال عملها على ملاحقة بعض المشتبه فيهم. ويلفت مسؤولون أمنيون إلى أن جميع الدول المشاركة في اليونيفيل تشغل شبكات لجمع المعلومات، بحجة حماية جنودها الموجودين في الجنوب. ويقول أحد الضباط اللبنانيين إنه لاحظ أن أكثر الأجهزة نشاطاً وجدية من بين الدول التي شارك جنودها في اليونيفيل هو جهاز الاستخبارات البلجيكي.

لكن عمل الأوروبيين في لبنان لا يقتصر على جمع المعلومات ذات الطابع «الوقائي». فقبل أربع سنوات، أوقفت المديرية العامة للأمن العام أحد رتبائها، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية. وكانت المفاجأة خلال التحقيق أن الرتيب الموقوف أكد تعامله مع الاستخبارات الإيطالية. واللافت أن الطلبات التي قال الموقوف إنه كان يتلقاها من مشغّليه مطابقة إلى حد بعيد لما يطلبه الإسرائيليون عادة من عملائهم، كجمع معلومات عن الجيش اللبناني والمقاومة وتحديد مواقعها ومحاولة تحديد مخازن السلاح والصواريخ. ويومئذ، صدر حكم غير مشدد عن المحكمة العسكرية، ما دفع بالمدير العام السابق للأمن العام، اللواء الراحل وفيق جزيني، إلى إحالة الرتيب على المجلس التأديبي وطرده من العمل.

 

انشر عبر