شريط الأخبار

مافيا الصابون بغزة: أرباح طائلة وعقوبات غير رادعة

09:05 - 26 تشرين أول / يونيو 2011

مافيا الصابون بغزة: أرباح طائلة وعقوبات غير رادعة

فلسطين اليوم-غزة

همت فتاة بالاستحمام، وما كادت تضع قليلا من الشامبو على شعرها حتى بدأت في الصراخ، حين رأت شعرها يتساقط بشكل غير معهود، وفتاة أخرى استخدمت معجوناً للأسنان فأصابها التهاب شديد في اللثة والأسنان، وفي حادثة أخرى اشتكى رجل من عدم فعالية الصابون الذي اشتراه من السوق، رغم أنه موسوم بعلامة تجارية عالمية.

بدأت معاناة سعاد مع شعرها بعد مرور أكثر من عامين على زواجها، حين لاحظت أثناء استحمامها وتمشيط شعرها أن الشعر يتساقط بكمية لافتة، فراجعت طبيباً مختصاً ليخبرها بأن سبب معاناتها متعلق بنوع الشامبو وبلسم الشعر الذي تستخدمه، وعلى الفور توقفت عن استخدامهما لتبدأ فترة علاج مدتها 6 شهور تتراوح بين الغذاء الجيد والشامبو الخاص والأدوية المنشطة لخلايا جلدة الرأس.

هذه القصص وغيرها سمعتها الأيام من مواطنين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، مثيرة الكثير من الأسئلة حول المسؤول عما يجري وإجراءات ملاحقته إن وجدت، والأضرار التي تصيب المواطنين نتيجة استهتار قلة من التجار الجشعين بصحة المواطن.

يؤكد خبير التجميل عدنان بركات الذي يعمل في هذه المهنة منذ 27 عاما أن مشاكل كثيرة بدأت تنتشر بين النساء اللواتي يستعملن أنواعا رخيصة من الشامبو والصابون المنتشر في غزة، ويقول إن الكثير من مصانع الصابون ومواد ومستحضرات التجميل يقلدون ويزيفون ماركات عالمية ويبيعونها للمواطنين على هذا الأساس، ما يؤدي إلى نشوء مشاكل كثيرة في الشعر.

وأضاف أنه بدأ يلاحظ هذه المشاكل منذ خمس سنوات، لافتا إلى أن نحو 80 % من المواطنين يشكون من تساقط الشعر بسبب استخدام شامبوهات منخفضة السعر.

ونوه إلى أن استخدام الشامبو المغشوش "المضروب" يؤدي إلى جفاف جلدة الرأس والشعر، ما يصعب تسريح الشعر ويتسبب في تساقطه، محذرا المواطنين من شراء الشامبو الرخيص حتى لا يعانوا من مشاكل في الشعر مستقبلا.

ويشير كثير من المواطنين بإصبع الاتهام إلى مصانع الشامبو والصابون ومستحضرات التجميل التي تنتشر بشكل كبير في المنازل والأزقة في قطاع غزة، بالرغم من حملات التفتيش والضبط التي تنفذها الجهات المختصة.

30- 40 مصنعا داخل المنازل

ووفقا لشهادات متعددة تنتشر المصانع المحلية في المنازل في بلدة جباليا شمال قطاع غزة من دون الحصول على التراخيص المطلوبة، ويؤكد شهود ملمون بما يحدث أن أصحاب هذه المصانع لا يملكون الخبرة أو المهارة اللازمة لتصنيع الشامبو والصابون ومواد التنظيف الأخرى.

ويشير المواطن (أ ش) إلى وجود ما يتراوح بين 30 -40 مصنعا محليا في المنطقة نفسها، لافتا إلى أنه توقف عن التصنيع بعد حضور المنتجات الصينية ذات الأسعار البسيطة إلى القطاع.

وأضاف وهو يجلس في دكان متواضع مليء بمواد التنظيف إنه عمل في التصنيع سنوات طويلة قبل أن يتوقف عن ذلك، مؤكداً أنه اشترى المصنع من داخل إسرائيل مع طريقة العمل كشرط لعملية الشراء، حيث يتم تركيب هذه المواد من مواد كيميائية بنسب محددة.

وكان أ. ش يصنع داخل منزله عدة مواد للتنظيف مثل الشامبو وصابون "الجلي" والبلاط ومسحوق الغسيل وماء النار ومزيل الصدأ والحبر، وأكد أن منتجاته لم تكن تخضع للفحوص المطلوبة، قائلا إن العمل يقوم على الفوضى والعشوائية ولم يكن أحد يتابع ما يجري من تصنيع لهذه المواد، التي غالبا ما تباع داخل الأسواق الشعبية بواسطة صاحب المصنع نفسه.

أرباح خيالية

ووفق أ.ش فإن العمل في هذه الحرفة يدر أرباحاً كبيرة على أصحابها لانخفاض قيمة التكلفة، ويقول إن إنتاج 20 لترا من الشامبو لا يكلف المصنع سوى 10 شواكل هي قيمة مادة "الايتا" المستخدمة في التصنيع، إلى جانب كلفة الماء والملح والعطور التي تضاف لها، ليباع اللتر الواحد من الشامبو بخمسة شواكل.

ويعترف بأن استخدام الملح في الشامبو يأتي كبديل لمواد كيميائية معروفة تعمل على تجميد الشامبو بدلا من أن يكون سائلا كالماء، منوها إلى أن الملح يؤدي مع الاستخدام المتكرر إلى تقصف الشعر وتساقطه.

وقال: إذا اخطأ المصنع واستخدم الصودا مثلا فسيؤدي ذلك إلى حرق الشعر وكأنه تعرض للنار، موضحا أن الكثير من المشاكل وقعت لمنتجي وبائعي الشامبو أو الصابون المغشوش.

وأكد قلة الرقابة إلى مستوى يعادل الصفر على المصانع المحلية لمواد التنظيف، لافتاً إلى أن من يتم ضبطه تفرض عليه غرامة مالية بسيطة "نحو 200 شيكل" مع كتابة تعهد بالامتناع عن العمل، غير أنه سرعان ما يعود إلى ممارسة عمله كالمعتاد.

في مصنع آخر مجاور للمكان حاول صاحب المصنع (د.ا) إنكار أنه يعمل في تصنيع مواد التنظيف، لكنه بعد الاطمئنان إلى أننا لسنا جهة رقابية أسهب في الحديث، خاصة حول تراجع حركة العمل في المصنع الذي كان يشغل نحو ثمانية عمال.

غرامة التزييف200 شيكل فقط

وقال (د.أ) إنه كان ينتج الشامبو والصابون والكريمات وبلسم الشعر وماء النار، لافتا إلى أن وزارة التموين أجبرته في بعض الأحيان على إتلاف كمية من الصابون، إلا أنه رفض إتلاف كمية كبيرة ثمنها نحو ستة آلاف دينار أردني، فتم تقديمه إلى المحكمة التي فرضت عليه غرامة مالية قدرها 200 شيكل، بعد أن أبلغ القاضي أنه يتبرع بالصابون الذي ينتجه إلى المساجد.

ويفتخر (د.أ) بقدرته على تصنيع صابون فاخر يفوق في جودته الماركات العالمية، منوهاً إلى أن منتجاته تشهد إقبالا كبيرا من الناس خاصة الفقراء الذين يقبلون على شراء الصابون المصنع محليا.

ويتم تصنيع الصابون من خلال إضافة مقادير معينة من مواد (الصودا والشمع والنشا والعطور ومادة لبص وهي مادة كيميائية يجهل المصنع اسمها العلمي).

ويلاحظ لدى دخول المصنع الذي تعبأ فيه البضاعة انتشار أنواع مختلفة من الصابون ومسحوق الغسيل وأكياس النايلون والعبوات الفارغة، ولدى الاستفسار عن سبب وجود أكياس النايلون الفارغة التي تحمل شعار شركة أخرى أقر صاحب المصنع بقيامه بتعبئة أكياس النايلون بمسحوق الغسيل وبيعها في الأسواق، لافتاً إلى أنه يقوم بطباعة الأكياس في مطابع خاصة في غزة.

كما يلاحظ مع مزيد من التوغل في المصنع وجود نوع من الصابون يشبه إلى حد كبير ماركة "هاواي" العالمية، رغم أن المزورين استخدموا اسما جديدا كتب باللغة العبرية بشكل يشبه كلمة هاواي بالعبرية.

اعترافات مذهلة

واعترف صاحب المصنع بوجود عدد كبير من أصحاب المصانع ووكلاء الماركات العالمية يقومون بعقد اتفاقات خاصة مع أصحاب المصانع خارج قطاع غزة خاصة إسرائيل والصين لإنتاج أنواع ذات جودة أقل وبيعها في غزة.

وقال إن أصحاب التوكيل يتلاعبون بنسبة التركيز في مسحوق أو شامبو معين، فبدلا من أن تكون 35 % يطلبون أن تكون 7 % أو 5 % ويتم تعبئتها في نفس العبوات ووضع العلامة التجارية العالمية عليها.

ويؤكد أن هناك أنواعاً من الصابون الذي يدخل غزة لا تباع داخل البلد المصدر لأنها لا تطابق المواصفات والجودة المطلوبة.

وفي دكان وسط سوق فراس الشعبية في قلب مدينة غزة جلس منير أبو مرعي صاحب شركة "المنير" وكيلة شركة "نيكي شيفع" ومنتجاتها المتخصصة بمواد التنظيف ومستحضرات التجميل، وأخذ يشكو من الخسائر الهائلة التي لحقت به جراء انتشار البضائع المقلدة والمزيفة إلى جانب انتشار مصانع الصابون المحلية غير المطابقة للمواصفات المطلوبة.

ولا يستطيع أبو مرعي حصر الأضرار التي تلحق به كوكيل رسمي للشركة لأنه لا يعرف حجم ما يباع من مستحضرات مزيفة، مؤكدا أنه يدفع بدل توكيل وضرائب مختلفة في حين لا يدفع المزيفون أي شيء ويزاحمونه في الأسواق، ما يؤدي إلى كساد التجارة وتوقفها.

اطلبوا التزييف ولو في الصين

ويحتفظ أبو مرعي على طاولة أمامه بأنواع من مستحضرات التجميل التي تم تقليدها، بدأ يعرضها ويشرح طبيعة كل منها، وتشمل "جل" الشعر والصابون ومستحضرات الوقاية من الشمس للأطفال.

وقال إن المزيفين ذهبوا إلى الصين وزيفوا أدوية وقاية الشمس للأطفال وحاولوا بيعها في قطاع غزة على هذا الأساس، وحين عرفنا التاجر أبلغنا عنه وزارة التموين لكنه أنكر.

ويشير أبو مرعي إلى بطء إجراءات ملاحقة المصانع التي تزيف وتقلد الماركات العالمية ذات الجودة المعروفة، ويتهم أصحاب المطابع بالمساعدة في عملية التزييف من خلال طباعة العلامات التجارية وتقليدها، رغم معرفتهم بأن ما يقومون به أمر مخالف للقانون، لافتا إلى أنه تم تقديم شكوى على صاحب مطبعة ساعد في تزييف وتقليد بضاعته فتم إجباره على توقيع التعهد، لكنه مثل غيره عاد للعمل نفسه!

المطابع شريكة في التزييف

ويشير البحث في دور المطابع إلى اشتراك أصحابها في تزييف البضاعة المقلدة لقاء مبلغ من المال غير آبهين بما يلحقونه بالمواطنين من أضرار فادحة على صعيد الصحة العامة، وغالبية المطابع متورطة بشكل أو بآخر في عمليات الطباعة والتصميم لمنتجات عالمية، بينما يبرر أصحاب ما يقومون به بكساد السوق وعدم وجود عمل ما يضطرهم لقبول طباعة الأشياء المقلدة، رغم معرفتهم بمخالفتهم للقانون.

حملنا أحد منتجات شركة أبو مرعي العالمية وتوجهنا إلى مطبعة في مدينة غزة، وطلبنا من صاحبها مساعدتنا في طباعة 40 ألف نسخة من غلاف الصابون الذي نحمله، فرحب بنا، وبعد أخذ ورد وافق على القيام بالمهمة لقاء 3500 شيكل، مع تعهده بإجراء تغيير بسيط في الغلاف الخارجي لن يستطيع أي إنسان اكتشافه.

وقال إن ما سيقوم به سيساعدنا على التسويق ولن يلاحظ الزبون هذا التغيير، منوها إلى أنه يريد حماية نفسه من الملاحقة القانونية.

وزاد أنه أعد لأناس آخرين أشياء مشابهة ولم يتم اكتشاف أمرهم، ثم عرض علينا النموذج المقلد الذي يشبه من بعيد ماركة صابون عالمية كنا قد لاحظناها في مصنع الصابون المحلي الذي زرناه.

ماركات عالمية يتم تقليدها في أزقة غزة

في مكتب مباحث التموين التابع لوزارة الداخلية غزة يحفظ العاملون هناك عشرات القصص عن عمليات الضبط المختلفة التي نفذوها خلال عملهم، وتشمل مستحضرات التجميل والصابون والشامبو.

ويقول الرائد جهاد حمادة مدير مباحث التموين إنه تم ضبط كثير من المصانع المخالفة وتم إحالة أصحابها إلى القضاء، لأنهم يتسببون بمشاكل صحية كثيرة للمواطنين خاصة في الرأس والجلد.

وأضاف حمادة أن ماركات عالمية مشهورة يتم تقليدها في غزة، إلى جانب قيام بعض أصحاب المصانع بجمع العبوات الفارغة لهذه الماركات وإعادة تعبئتها وبيعها في الأسواق الشعبية بأسعار منخفضة مما يشجع المواطن على شرائها.

وأشار إلى أنماط مختلفة من الغش في مجال مواد ومستحضرات التجميل التي تتم من خلال جلب المواد التي شارفت مدة صلاحيتها على الانتهاء وبيعها في السوق بعد تهريبها عبر الأنفاق.

مشكلة لدى النيابة

وعن سبب عدم فعالية الحملات التي تنفذ ضد المصانع المخالفة أقر حمادة بوجود مشكلة في النيابة، لأنها لا تفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين.

وقال نحن نحول كافة القضايا إلى النيابة العامة ونوصي بإنزال أشد أنواع العقوبة بهم، لكنها تفرض عليهم مبالغ مالية بسيطة يدفعها المخالف بسرعة ويعود ثانية إلى ممارسة العمل نفسه، وأكد أن مباحث التموين طلبت عقد جلسة مع النائب العام لحل هذه القضايا وردع المخالفين.

جريمة ضد القانون والفاعل طليق

وكشف حمادة النقاب عن ورود شكاوى من المستشفيات إلى وزارة الداخلية حول الأضرار التي تصيب المواطنين بسب استخدام الشامبو والصابون المقلد المنتشر في قطاع غزة.

وقال إن هذه جريمة يعاقب عليها القانون، وعلى الجميع الامتناع عن المشاركة فيها لأنها تضر بصحة المواطنين، متعهدا بملاحقة كل من تثبت إدانتهم.

كثير من القصص يمكن سماعها في مباحث التموين لكن المصانع ومافيا التقليد والتزوير ما زالت تضخ آلاف العبوات والأدوية والمستحضرات المقلدة في السوق، ولا يستطيع أحد حتى الآن حصر الأضرار التي أصابت وستصيب المواطنين، لأن الجريمة مستمرة والفاعل حر طليق يتنقل بيننا مستغلا حالة الفقر التي يعاني منها عدد كبير من المواطنين.

 

انشر عبر