شريط الأخبار

الربيع الاسرائيلي..هآرتس

11:50 - 24 حزيران / يونيو 2011

بقلم: الوف بن

                قبل نحو سنتين زار دمشق شخصية رفيعة المستوى من دولة غربية كبرى للبحث في تحسين العلاقات. في نهاية القسم الرسمي من الزيارة دعا الرئيس السوري، بشار الاسد، الضيف الى وليمة عشاء حميمة مع الزوجتين. جلسوا وتحدثوا حتى وقت متأخر في الليل بسترات مفتوحة، بلا ربطات عنق وبلا مستشارين ومسجلي محاضر. وكشف الاسد عن مكامن قلبه فقال: "مشكلتي هي أنه في كل سنة يصل نصل مليون سوري الى سن 18، وليس لهم أمل أو عمل".

        الاسد يعرف، إذن، بان تحت كرسيه تعتمل قنبلة موقوته اجتماعية تعرض للخطر الاستقرار الداخلي في سوريا. ولكنه لم يفعل ما يكفي كي يغير هذا الوضع ويعطي أملا لشباب بلاده. وبدلا من ان يعرض عليهم مستقبلا وفرصا واطلاق لجام الدكتاتورية قريبا، ركز الاسد على الرتوش التجميلية. فقد أدار حملة دولية لاعادة تصنيف سوريا كدولة علمانية وغربية اعتمادا على صورة زوجته أسماء الملاصقة له.

        الحملة وصلت ذروتها في تقرير مشوق عن الزوجين الرئاسيين نشر في مجلة الموضة "فوغ" في بداية السنة الحالية. وبدا كل شيء كاملا، باستثناء التوقيت: ما أن نشرت المقابلة حتى ثار الشباب عديمو المستقبل والراحة ضد السلطة. صورة الاسد يلعب مع أطفاله بالدمى تبدو في نظرة الى الوراء كنكتة بائسة حين يقترب عدد الجنازات لمعارضي النظام في سوريا من 1.500 وأكثر من عشرات الاف اللاجئين اجتازوا الحدود الى تركيا. واكتشف محررو "فوغ" لمفاجأتهم بان الاب المحبوب هو في واقع الامر طاغية وحشي ومجرم، فشطبوا التقرير المحرج من موقع الانترنت للمجلة. وفي القصر الرئاسي في دمشق أيضا أوقفوا الحملة؛ صفحة الفيس بوك لاسماء الاسد ، والتي وثقت فيها رحلات الزوجين تم تحديثها آخر مرة قبل شهر.

        الاسد الشاب خيب أمل مؤيديه في الغرب الذين رأوا فيه "اصلاحي" وعلقوا عليه أملا عابثا. في لحظة الاختبار تصرف بالضبط مثل أبيه ومثل حلفائه الايرانيين ودفع قوات أمنه ضد المتظاهرين. في خطابه هذا الاسبوع أوضح الاسد بانه لن يتنازل ولم يقترح سوى "حوارا وطنيا" فارغا من المحتوى كي يرفع عنه بعض الضغط.

        الاسد باقٍ في هذه الاثناء في الحكم لثلاثة أسباب: خصومه لم ينجحوا في جمع قوة كافية ولم يصلوا بعد الى قلب المدن الكبرى؛ الجيش يحافظ  على تراص صفوفه وعلى ولائه للرئيس؛ روسيا وايران تعطياه اسنادا من الخارج والادارة الامريكية تمتنع عن الدعوة الصريحة لتنحيته وتكتفي بهذر عابث عن "الاصلاح". المتظاهرون في مصر جلبوا مئات الاف الاشخاص الى الميدان المركزي في القاهرة، واسقطوا الرئيس حسني مبارك. الثورة في سوريا تجري في المدن الفرعية، التي من السهل محاصرتها وابعاد وسائل الاعلام الدولية عنها وذبح سكانها. هذه هي الاستراتيجية التي تعلمها بشار من  ابيه، حافظ الاسد: "حاصر واقتل".

        النجاح جزئي. رغم تصميمه على الحكم ووحشية جنوده، فان الاسد لا ينجح في الحاق الهزيمة بالانتفاضة. فالثوار على وعي بدونية موقفهم حيال قوة النار وقدرة الحركة لدى الجيش، الذي يسيطر على محاور السير المركزية، ولهذا فقد اختاروا استراتيجية الاستنزاف. من ناحيتهم، الاهم هو اظهار التمسك بالهدف وعدم الاستسلام. وكبديل عن تجميع قوتهم في دمشق، يتظاهرون في نفس الوقت في مدن مختلفة لتشتيت قوات الاسد وابقاء نار الثورة مشتعلة.

        الثوار يأملون بالتأكيد بانهم اذا ما واظبوا، ستثور في الجيش موجة فرار والاسد سيسقط. خلافا لنظرائهم في ليبيا، لا يمكنهم ان يعتمدوا على دعم دولي. أحد لن يأتي من أمريكا أو اوروبا كي يقصف نيابة عنهم قصر الاسد وعلى أي حال فان هذا الاختراع لم يجدِ نفعا حتى الان ضد معمر القذافي أيضا.

        ارجوحة

        ولكن حتى لو كانت الانتفاضة في سوريا لا تزال بعيدة عن الحسم، فقد أحدثت منذ الان تغييرا في ميزان القوى في الشرق الاوسط. فالريح انقلبت: ايران في حالة تراجع، واسرائيل تتعزز من جديد. المخاوف التي أثارتها في اسرائيل الموجة الاولى من "الربيع العربي" تهدأ بالتدريج، والتحولات في الدول المجاورة تتخذ الان صورة الفرصة الاستراتيجية.

        نقطة الانعطافة السابقة في المنطقة سجلت قبل نحو خمس سنوات، في حرب لبنان الثانية. فالفشل العسكري في المواجهة مع حزب الله كشف ضعفا اسرائيليا وادى الى تعزز ايران، الراعية لحسن نصرالله. ووثق الاسد تحالفه العسكري، السياسي والاقتصادي مع حكام طهران. حزب الله سيطر على لبنان وحماس على قطاع غزة، وتركيا ابتعدت عن اسرائيل واقتربت من ايران، سوريا وحماس.

        من ناحية اسرائيل، الوضع احتدم فقط في السنة الاخيرة. قضية الاسطول التركي الى غزة أحدثت شرخا علنيا بين القدس وأنقرة، ومع سقوط مبارك فقدت اسرائيل ايضا الحلف الاستراتيجي مع مصر وبقيت معزولة وخائفة. البديل الذي وجده رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو في التقرب من اليونان أفلس، لا يمكنه أن يحل محل أنقرة والقاهرة.

        هذا الاسبوع يبدو ان الارجوحة الاستراتيجية تميل في الاتجاه المعاكس. ايران، الممزقة في صراعات داخلية في قيادتها، تحاول انقاذ كرسي الاسد. اذا سقط، سيفقد الايرانيون الحليف الاهم لهم، نقطة الاستناد لنفوذهم الاقليمي. في اسرائيل استغلوا الوضع لتغذية وسائل الاعلام الدولية بالتقارير عن الدور الايراني العميق في قمع المتظاهرين في سوريا، وكأن الاسد يحتاج الى دفعة من الخارج كي يكافح في سبيل حياته.

        تركيا لم تنتظر سقوط الاسد ورئيس وزرائها، رجب طيب اردوغان، وقف في رأس معارضيه العلنيين. اردوغان شجب اعمال الذبح في سوريا وطلب من الاسد اتباع الاصلاحات. ورد الاتراك بخيبة امل على خطاب الاسد يوم الاثنين والذي رد فيه انذارهم. الرسالة واضحة: الهدوء في العلاقة بين دمشق وأنقرة وصل الى نهايته، ومعه أيضا سياسة "صفر نزاعات مع الجيران" التي قادها وزير الخارجية التركي احمد داوداغلو. انتهت القصة. الان يعودون الى صراعات القوى والنزاعات المعروفة من قبل. "ايران وتركيا تتصارعان على السيطرة والنفوذ في سوريا"، يحلل خبير اسرائيلي لشؤون الشرق الاوسط.

        عندما تتصارع تركيا مع ايران، فانها تقترب من جديد من اسرائيل ومن الولايات المتحدة، الخصمان الاكبران للايرانيين في المعركة على السيطرة والنفوذ في الشرق الاوسط. في يوم الاثنين تحدث اردوغان هاتفيا مع الرئيس براك اوباما، بعد بضع ساعات من خطاب الاسد. وحسب البيان التركي، فقد ركز حديثهما على سوريا وليبيا وتناول أيضا المسيرة السلمية "كعامل هام في استقرار المنطقة". واعرب الرجلان عن تأييدهما "للمطالب المشروعة" للمتظاهرين السوريين واتفقا على أن "يتابعا عن كثب" الوضع في سوريا. وفي الغداة نشر الاتراك برقية بعث بها نتنياهو الى اردوغان هنأه فيها بانتصاره الساحق في الانتخابات واقترح حل كل المشاكل المفتوحة بين الدولتين.

        كلما طال حكمه، يتبين أردوغان بانه الدبلوماسي الافضل في المنطقة، ان لم يكن في الاسرة الدولية بأسرها. لا يوجد مثله في التذبذب والمناورات بين القوى العظمى والدول، على أن تتعاظم تركيا ويتعزز حكمه. خيانته الحالية للاسد، صديقه الطيب من يوم امس، تذكر بالضبط بالتقلبات في علاقاته مع زعماء اسرائيل.

        فهو يمكنه أن يسمح لنفسه: بسيطرتها على مضائق البحر الاسود والحوض الشرقي من البحر المتوسط، تتمتع تركيا من مكانة جغرافية سياسية مميزة. اردوغان ببساطة يواصل تقاليد بدأت في عهد الحثيين والبيزنطيين واستمرت لدى العثمانيين. في كتابه "استراتيجية شاملة للامبراطورية البيزنطية"، الذي صدر في السنة الماضي، اظهر الباحث الامريكين ادوارد لوتفاك كيف امتنع قياصرة القسطنطينية عن الحروب واعتمدوا على الاتصالات الدبلوماسية والتحالفات المتبدلة لوجود امبراطوريتهم، التي طالت ايامها اكثر من أي امبراطورية اخرى في التاريخ.

       

بدون عزلة

        نتنياهو يعمل بشكل مشابه. هو ايضا يفضل الاقوال على الحروب. برقيته الى اردوغان ومحاولات المصالحة بينهما تدل على أنه يريد استئناف الحلف مع تركيا، الشريك الطبيعي لاسرائيل حيال العالم العربي وايران. هذا الاسبوع ستقف هذه المحاولة في اختبار الاسطول الجديد الى غزة. فهل الاتراك سيمتنعون ويلغون الاسطول؟ هل سينطلق في دربه، هل مقاتلو الوحدة البحرية سينفذون اعمال السيطرة التي عرضوها على وسائل الاعلام ومرة اخرى يصاب مسافرو السفن؟ أم أن الاعمال التمهيدية والكي من المواجهة الفتاكة في السنة الماضية ستؤدي الى تهدئة الخواطر؟

        اذا ما الغي الاسطول، أو مر بهدوء، نتنياهو واردوغان يمكنهما أن يتقدما نحو ترميم العلاقات من آثار الاشتعالات السابقة. المصلحة المتبادلة موجودة. ولكن اذا ما كررت قصة الصيف الماضي نفسها، فان العلاقات ستكون عرضة للخطر. انقاذها هو الاختبار المشترك لنتنياهو واردوغان.

        الاحساس بتنفس الصعداء في اسرائيل من تحطيم العزلة، انهيار النظام السوري وضعف العدو الايراني واضح هذا الاسبوع في نبوءات وزير الدفاع ايهود باراك العلنية في أن الاسد سيسقط من الحكم في  غضون نصف سنة. رئيس الموساد السابق، مئير دغان تخيل استبدال العلويين في الحكم بالاغلبية السنية في سوريا. مسؤولون كبار في المؤسسة السياسية والامنية يتحدثون في مدح الديمقراطية في الدول العربية، وليس فقط يحذرون من خطر التحول الاسلامي وتفكك النظام القائم، مثلما فعلوا في النصف سنة السابقة.

        في ذروته مثلما في أفوله، الاسد يثبت مركزية سوريا في منظومة القوى الاقليمية، وقدرتها على ترجيح ميزان القوى في المحيط. اذا ما حل محله نظام سني مؤيد لامريكا، يمكن لاسرائيل أن تسوي النزاع الحدود في الجولان والاعتماد على "الطيف الشمالي" – سوريا وتركيا – في الصراع ضد ايران وكبديل، او استكمال، للحلف الذي ضعف مع مصر. يبدو أن المصريين ايضا يفهمون التحولات الاستراتيجية: الاحاديث عن استئناف علاقاتهم مع طهران خبت، وقد استضافوا هذا الاسبوع اسحق مولكو، مبعوث نتنياهو. لا احد يريد أن يبقى وحيدا في الشرق الاوسط.

انشر عبر