شريط الأخبار

منظر من فوق الجسر..يديعوت

11:49 - 24 تموز / يونيو 2011

بقلم: ناحوم برنياع

                لجبل الهيكل أبواب كثيرة لكن واحدا منها فقط مفتوح لغير المسلمين وهو باب المغاربة في الزاوية الجنوبية الغربية للجبل، فوق الحائط الغربي. للباب أهمية عظيمة وهو يُمكن اسرائيل من تحقيق سيادتها على جبل الهيكل في الايام العادية ونقل قوات شرطة وحرس حدود الى الداخل في ايام الاضطرابات. يستطيع السياح، والسياح الاسرائيليون ايضا زيارة الجبل. وعيون مئات الملايين في العالم الاسلامي تتطلع الى هذا المكان. وتتطلع اليه ايضا عيون ملايين اليهود.

        وضعت على مائدة نتنياهو في المدة الاخيرة معضلة تستوجب قرارا. وبحثها سري. والجدل حاسم. وهي تقارب الاستعدادات للنقاش في الجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول.

        في شباط 2007 نُقض الجسر الترابي الذي ربط باحة الحائط الغربي بباب المغاربة. كان هذا النقض نابعا في جزء منه من حالة الجو وفي جزئه الآخر من مصالح جهات يهودية مختلفة مشاركة في شؤون باحة الحائط الغربي – علماء آثار وحاخامين وساسة. كانت الخطة ان يُستبدل بهذا الممر الترابي جسر ضخم هو ثمرة تخطيط مهندسة العمارة عيدا كارمي. ورد الفلسطينيون بأعمال شغب شديد. أثارت مقاييس الجسر وتشكيله خلافا في الطرف اليهودي ايضا. وفي النهاية أحجمت السلطات ولم ينشأ الجسر. ويتم دخول باب المغاربة اليوم عن طريق جسر مؤقت مصنوع من الخشب، تُذكر صورته بجسر في فيلم "الجسر على نهر كواي".

        في هذا الوقت تضغط جهات مختلفة من اجل التوجه الى بناء جسر ثابت. فهم يخشون أن ينهار الجسر. قد يحدث هذا في ذروة اعمال شغب عنيفة في جبل الهيكل عندما يصعد مئات رجال الشرطة دفعة واحدة فوق الجسر ويحدث ما حدث في جسر المكابية. سقوط الجسر قد يُحدث كارثة بقسم النساء الذي يمتد أسفله.

        ليست الخشية من كارثة فقط هي التي تدفع أنصار البناء قُدما بل الطموح الى التوسع ايضا. إن إبعاد الجسر الخشبي سيُطيل باحة الحائط الغربي. ستزيد منطقة التماس بين المصلين (أو المصليات) وحجارة الحائط الغربي. ويتضاءل الاكتظاظ. يؤيد صندوق ميراث الحائط الغربي وحاخام الحائط الغربي شموئيل رابينوفيتش البناء بكامل القوة. إن الحاخام رابينوفيتش مبادر كبير وسمسار خبير. زرت قبل بضعة اشهر مملكته فوق الارض وتحتها، العمل الذي قام به مدهش. في مباحثات تمت قدّر "الشباك" أنه يمكن البناء واحتجاج المسلمين لن يخرج عن السيطرة. قد يكون هذا هو الوقت المثالي، فالعالم العربي مشغول بحروب داخلية. والشارع الفلسطيني لا يخرج عن طوره.

        عرض اللواء نيسو شاحم، القائد الجديد لشرطة منطقة القدس، موقفا مخالفا: ففي الاول من آب سيبدأ شهر رمضان، قال في المباحثات. وفي رمضان يأتي الى جبل الهيكل مئات الآلاف من المسلمين، والتوتر الديني يكبر. اذا بدأنا الاعمال الآن فسيبلغنا رمضان ونحن في منتصفها. وعندما ينتهي رمضان ستبدأ أحداث ايلول.

        قال انه يجب بناء جسر جديد، لكن لم العجلة. في هذه الحال ليست العجلة من الشيطان بل هي أم الشيطان. فلننتظر زمنا محايدا لا يكون ملوثا بأحداث اجنبية.

        اخطأ "الشباك" في الماضي تقدير مقدار تأثير أحداث في جبل الهيكل. ففي واقعة افتتاح نفق الحائط الغربي في ايلول 1996 كان تقدير "الشباك" أنه لن يحدث شيء؛ وفي أحداث الشغب التي انتشرت الى داخل اسرائيل قُتل 16 شخصا من قوات الامن و60 فلسطينيا؛ وعشية صعود اريئيل شارون الى جبل الهيكل في ايلول 2000 قدّر "الشباك" أن الامر سيكون على ما يرام. ووعد جبريل الرجوب بأنه اذا لم يدخل شارون الى المساجد فلن تكون أحداث شغب. حصلنا على انتفاضة الاقصى، مع 1115 قتيلا في الجانب الاسرائيلي و3300 قتيل في الجانب الفلسطيني. قد يولد بناء الجسر احتجاجا ليوم واحد وربما يولد انتفاضة. لا يستطيع أحد أن يعلم حتى ولا الشيخ رائد صلاح، زعيم الحركة الاسلامية، والسؤال هل من الصواب أن نخاطر الآن. يقول "الشباك" نعم. ويقول قائد المنطقة لا.

        يعرف اللواء شاحم أكثر من كل شخص آخر في أذرع الأمن عرب شرقي القدس والحساسيات حول جبل الهيكل. نبه أحد المشاركين في المباحثات الى أنه لا مكان للخوف، فكما يُسلم الفلسطينيون لبناء أحياء يهودية في شرقي القدس سيُسلمون لبناء الجسر. قال شاحم لا تشبه رأس العامود جبل الهيكل وأخشى أن يكون صادقا.

        اقترح على زملائه أن يتكفل شخصيا بثبات الجسر المؤقت. سيصمد الجسر. فاذا انهار فسأتحمل المسؤولية، قال لهم.

        لا أعلم الى أين يميل نتنياهو. أستطيع أن أُخمن فقط، فكل رئيس حكومة يحيا صدماته. لُذع نتنياهو تلذيعا شديدا بأحداث نفق الحائط الغربي في بداية ولايته الاولى. فقد اتُهم بالعجلة والاهمال والذعر. وطاردته الصفة التي ألصقها بذلك النفق وهي "صخرة وجودنا" سنين. فلن يبادر الى المخاطرة مرة اخرى. فهو لا يريد أن يقولوا عنه أنه يطبق النكتة البولندية تلك عن اربعة قُتلوا اثنين في حادثة واثنين في استعادة الحادثة.

        بيّن لي أحد الوزراء المقربين من نتنياهو على النحو نفسه لماذا اكفهر وجه نتنياهو عندما دُعي الى اجازة اعمال اغتيال عرضها عليه رئيس الموساد مئير دغان، قال ذلك الوزير: كل شيء يبدأ بصدمات. نتنياهو يتذكر من ولايته الاولى التحقير الذي أصابه بسبب فشل اغتيال خالد مشعل؛ ويتذكر ايضا ما حدث في الولاية الحالية في دبي. إن من أحرقه الماء الساخن يحذر الماء الفاتر.

 

        الشعور على نحو طبيعي

        إن من حضر هذا الاسبوع مؤتمر "الواق واق" لبيرس رأى الكثير من الوجوه القلقة. كان القلق مشتركا بين الساسة والدبلوماسيين ونشطاء المنظمات اليهودية وأرباب المال. يبدو أنه لم يكن منذ زمن فرق كبير الى هذه الدرجة بين اللذة الحالية والمخاوف من الغد. والنتيجة هي اكتئاب – اكتئاب يهودي كبير. الدولة مليئة بمكتئبي صالون يُحذرون من الكارثة التي توشك أن تقع لكنهم يعلمون أنه لا سبيل لهم لمنعها. اكتئابهم سلوتهم.

        نتنياهو في مركز هذا التناقض. نجحت له في الاسابيع الاخيرة ورقة لعب تُدير الرؤوس. فقد عاد من واشنطن متوجا بأكاليل النصر. والانطباع الذي بقي في الجهاز السياسي في امريكا وفي الرأي العام في الداخل أن نتنياهو أصر على ما لديه إزاء اوباما وأن اوباما كان أول من خضع. تدخل امريكا سنة انتخابات. سيقنع المرشح اوباما الرئيس اوباما بتأجيل الشجار مع اسرائيل لأزمنة اخرى.

        يبدو ايلول الآن أقل فتكا مما كان يبدو قبل بضعة اسابيع، عندما تحدث باراك عن تسونامي. اذا صوتت الولايات المتحدة والمانيا وكندا وايطاليا واستراليا معارضة القرار في الجمعية العامة للامم المتحدة فسيضيع زخمه. هدد الفلسطينيون بمسيرات تشتمل على مئات الآلاف من المدنيين غير المسلحين الى الأسوار الحدودية والى المستوطنات. لم يحدث هذا حتى الآن. وغرقت الأحداث في مجدل شمس بالحرب الأهلية السورية. وغاضت الأحداث في قلندية لعدم الاهتمام. توقعوا آلافا. وجاء بين مئة الى مئتين.

        عُلق ايضا تهديد القافلة البحرية، فقد أدركوا هناك حتى قبل الانتخابات في تركيا أن كومة جثث فوق سفينة تركية قد تضر باسرائيل لكنها ستضر ايضا بفخر تركيا.

        بدأ أبو مازن بواسطة مبعوثه صائب عريقات حملة دعائية جديدة يفترض أن تصاحب التصويت في الامم المتحدة وتجيء بعده. تعتمد الحملة الدعائية على دعوة اوباما الى تفاوض على أساس خطوط 1967. يقول عريقات نحن موافقون. ونتنياهو هو الرافض. الحملة الدعائية ذكية لكنها لن تجعل الادارة الامريكية تتقبل حكومة فلسطينية بمشاركة حماس.

        ائتلاف نتنياهو أكثر استقرارا مما كان. وخمسة من اعضائه – كتلة باراك الحزبية – مكبلون اليه في مقاعدهم. فهم سيكونون عاطلين عن العمل بغيره. يتلقى اليمين في الليكود كل يوم مكافآت هي: إزالة ممانعة وزير الدفاع للبناء في المستوطنات، وتأييد تشريع قومي بل حتى خطبة منافقة عن قضية "ألتلينا". وينضم ليبرمان ايضا الى جماعة المُجلين. فمن مثله يعرف كيف تُركب موجة ومن مثله يعرف كيف ينزل عنها. الدولة في فترة طبيعية، فترة مدنية. كانت هذه الفترات في تاريخ اسرائيل المُعذب نادرة. كان فيها شيء ما غير طبيعي، شيء مريب: لأنه كيف يمكن أن نشعر بحياة طبيعية في حين أن 50 ألف قذيفة صاروخية مستعدة للقضاء على الجبهة الاسرائيلية الداخلية بأمر عسكري واحد. وايران تسرع الخطى لانتاج قنبلة ذرية. وكيف يمكن أن نشعر بالحياة العادية في حين أخذت اسرائيل تفقد شرعيتها في العالم.

        بعد قليل سيتبين لنتنياهو ان للحياة الطبيعية ثمن: بدل الحديث عن صواريخ القسام نتحدث عن جلعاد شليط؛ وعن سعر جبن الكوتج؛ وعن حاويات الغاز؛ وعن مخالفي القانون في الرياضة؛ وعن فساد الحكم. تنشب اضرابات ويُنظم عصيان جماعي في الفيس بوك. لم يخسر اسحق شمير الحكم في 1992 لانه كان رئيس حكومة سيئا بل لانه كان يُرى أنه يعيش في ملجأ مقطوعا عن الواقع أسيرا للشعارات بلا رغبة في القرار.

        ستكون الانتخابات كما يبدو خلال 2012، ويتحدث وزراء في الليكود عن نيسان أو أيار. ويتحدث آخرون عن تشرين الاول أو تشرين الثاني. وفرضهم أن نتنياهو يفضل المضي الى انتخابات قبل موعد الانتخابات في امريكا. فاوباما في فترة ولاية ثانية عندما يكون فمه مفتوحا ويداه حرتين قد يسبب له ضررا كبيرا في صناديق الاقتراع.

 

        بسبب مسمار

        في مصنع طوب أبو عيسى، في منحدر الطريق من بيت جالا الى شارع الأنفاق، وقف عمل الآلات. نزل سبعة صحفيين من تركيا منهم خمس صحفيات من الحافلة الصغيرة التي استأجرتها لهم وزارة الخارجية ونُقلوا الى المكتب بصحبة ضباط الادارة المدنية. كان المكتب صغيرا مكتظا. في وسط جداره فوق كرسي صاحب البيت، اهتزت صورة ملونة صغيرة. تقدمت لأنظر. في وسط الصورة قام متحدث الجيش الاسرائيلي العميد يوآف (بولي) مردخاي الذي كان حتى المدة الاخيرة رئيس الادارة المدنية في يهودا والسامرة، ووقف الى جانبه أبو عيسى وأخوه. صُور العميد مردخاي قبل سنة عندما قص الشريط عند مدخل المصنع الجديد. كان بقرب الصورة المعلقة مسمار آخر بقي فارغا. لوحظت على الجدار علامات الصورة التي أُزيلت. وكأن صاحب المصنع أراد أن يقول انه لا بأس بأنكم جعلتموني فلسطينيا مدجنا. حصلت على هدية هي مصنع جديد وأعلم أنه لا توجد عندكم هدايا بالمجان. لهذا أزلت من اجلكم الصور المعلقة عندي، عرفات أو أبو مازن أو أبو جهاد أو قبة الصخرة وعلقت بولي. ولهذا أطرفت الاتراك بالعنب والمشمش والبقلاوة وبخطبة بينت لهم كم أنتم على ما يرام. لكن لا تتوقعوا مني أن أُزيل من اجلكم المسامير من الحائط. فثم حد.

        لو ان أبو عيسى سألني رأيي لقلت له إن سلاما حقيقيا سينشأ اذا نشأ، في اليوم الذي تُعلق فيه في جدران مصانع الطوب في الضفة صور بار رفائيلي (عارضة أزياء) لا الحاكم العسكري ولا عرفات. لكنه لم يسأل.

        رفعت الصحفيات التركيات صوت احتجاج. فقد ارتبن أنهم يخدعونهن. "دعتنا وزارة الخارجية الاسرائيلية على حسابها"، قالت لي زينب غوركنلي، وهي محررة في موقع انترنت الصحيفة اليومية "هورايت". "من حقها أن ترينا ما تشاء. أوافق على الاستماع لكل اسرائيلي لكن ينبغي ألا يأتوني بفلسطينيين مُمسرحين يتحدثون الينا بحضور ضباط جيش بالبزة العسكرية".

        هذه هي زيارتها السادسة لاسرائيل. انها تعرف البلد جيدا. وهي تعرف جيدا ايضا قُراءها في تركيا: فهم لن يقبلوا مدائح لاسرائيل.

        في يوم الاثنين زار اعضاء المجموعة كيرم شالوم ورأوا بأم عينهم نقل السلع الى غزة. المعطيات أثرت فيهم. منحهم اللواء ايتان دانغوت، منسق العمليات في المناطق، توجيها. لكن وزارة الخارجية لم تسمح لهم بالانتقال الى مناطق الضفة فضلا عن غزة وبقوا مع نصف قصة.

        سافرنا الى فندق "إفرست" الواقع في المنطقة (ج) في ظل سور الفصل بين بيت جالا وجبل غيلو.

        انتظرهم وفد مستقبلي سياح من بيت لحم في ساحة الفندق. "لا تُصدقوا كل ما تسمعونه عن الوضع هنا"، قال مدير مكتب السياحة المحلي. "وسائل الاعلام تصنع من كل حادثة صغيرة قصة. أصبح هذا نكتة كبيرة في بيت لحم".

        "لا تهمنا اسرائيل أو فلسطين"، قال كريم عبد الهادي، مدير شبكة "انتركونتننتال" و"موفنبيك" في الضفة. "نحن نحاول أن نروج للسياح الارض المقدسة. هذه فكرة عظيمة من ناحية أعمالية. وكذلك نفكر بشركائنا الاسرائيليين. وهم يروجون اسرائيل بين اليهود فقط. أما الآخرون جميعا فيروجون بينهم الهولي لاند.

        "برغم أنه توجد لنا علاقات منقطعة النظير بجميع الجهات الاسرائيلية، توجد مشكلة. فمصلحة اسرائيل هي أن تملأ قبل كل شيء غرف الفنادق في اسرائيل. بيت لحم مضروبة: زار المدينة في السنة الماضية 1.6 مليون سائح، لكن 160 ألفا فقط ناموا فيها. تُمكّن اسرائيل من دخول الجماعات فقط في حافلات بحيث نخسر السياحة الثابتة. وأكثر مرشدي السياحة اسرائيليون. وهم يروون روايتهم وهذا أمر لا بأس به. لكنه في النهاية مال ومصدر عيش".

        "اذا أردتم مساعدة الفلسطينيين"، قال مدير مكتب السياحة، "فاعرضوا على اصدقائنا في مكتب السياحة التركي أن يلغوا الحاجة الى تأشيرات دخول. يجب على كل فلسطيني أن ينتظر ما بين 12 – 14 يوما الى أن يحصل على تأشيرة دخول من القنصلية التركية في القدس".

        أضاءت عيون زملائنا الاتراك: فقد عرضت لهم فرصة أن يفعلوا شيئا ما من اجل فلسطين دون ان يبتلوا بالماء.

        انهم يحبون حكومتهم كما يحب صحفيون في اسرائيل حكومتهم بالضبط وربما أقل. لكن انتقادهم على اردوغان في جهة وقضية القافلة البحرية في جهة اخرى. "جيشكم هو الأكثر تقدما في الشرق الاوسط"، قالت واحدة منهم. "كيف قتلتم تسعة مدنيين؟".

        طلبوا في نهاية الزيارة أن تلتقط لهم صور مع ضباط الادارة المدنية الذين صحبوهم. تقدمت الصحفيات الى الضباط كل واحدة عندما حان دورها. وسُجلت احتضانات دافئة بل قُبل. فالصحفيون يسخنون سريعا ويبردون سريعا. وهذه الحرارة ستتلاشى في الطريق الى اسطنبول.

 

 

 

انشر عبر