شريط الأخبار

كتب د.موسى أبو مرزوق* : التصويت بالأمم المتحدة لا يمكن وقفه

09:55 - 18 تموز / يونيو 2011

كتب د.موسى أبو مرزوق* : التصويت بالأمم المتحدة لا يمكن وقفه

كانت رحلة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة إلى الولايات المتحدة محاولة سافرة لوقف مسيرة التاريخ. فالدول في جميع أنحاء العالم على نحو متزايد أخذت ترفض الخضوع للمحور الأميركي الإسرائيلي الذي ظل يحبس صوت الفلسطينيين في المجتمع الدولي طيلة أكثر من ستة عقود. وهناك تحرك دولي يجري حالياً ربما ينتهي هذا الخريف بتصويت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بدولة للفلسطينيين على أساس حدود ما قبل 1967. ولأن هذا التحرك خارج سيطرة الولايات المتحدة و"إسرائيل" رأيناهما يتبنيان أجندة الاعتراض، لتبدأ معركة العلاقات الدولية.

 

بالنسبة للولايات المتحدة هذا معناه جهد متوقع لإحياء وترويج عملية السلام المحتضرة وغير الموثوق بها فيما أكد الرئيس أوباما أمام اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشئون العامة إيباك الشهر الماضي أنه لا تصويت في الأمم المتحدة سوف يخلق دولة فلسطينية مستقلة، واصفاً الجهود في هذا الإطار بالمؤامرة لتقويض شرعية دولة "إسرائيل".

 

من جانبها تصدر "إسرائيل" تحذيرات رهيبة للعواصم الأوروبية بشأن العنف على الأرض في فلسطين، ويصر كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأوباما على أن أي إعلان دولة من جانب الأمم المتحدة لن يكون صحيحاً.

 

هل يستطيع أحد أن يشرح لـ6 ملايين فلسطيني لماذا أدى تصويت الأمم المتحدة عام 1947 لإنشاء دولة "إسرائيل" فيما لا يستطيع اليوم أن يصدر قراراً بهذه بالنسبة لنا اليوم؟ منذ عقود والولايات المتحدة تعتبر نفسها ضامناً محايداً لعملية السلام، مانعة الفلسطينيين من الحصول على دولة. في الوقت نفسه تسامحت مع مستوطنات "إسرائيل" غير الشرعية وضم الأراضي ضامنة تفوقها كقوة عسكرية عالمية. لقد سمحت الولايات المتحدة لحليفتها بتطبيق نظام تفرقة عنصرية بما له من عواقب طائشة وغالباً فتاكة بالنسبة للفلسطينيين الذين يجرؤون على المقاومة. ومنذ مدة ليست بالقصيرة خسرت الولايات المتحدة مكانتها كحكم نزيه. في ضوء هذا الدعم الأميركي الكامل للاحتلال لماذا يتعين على الفلسطينيين تصديق وعد الرئيس الأميركي بدولة فلسطينية؟

 

لقد حظي نتنياهو في أحدث حشد له بواشنطن باستقبال الأبطال من قبل إيباك، واستعراض دافق بولاء الكونجرس من جمع غفير سمعوا ما جاءوا له دون أن يدروا شيئاً. لقد وصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه مزدهر، بفضل مساعدة "إسرائيل"، لكن من غير الواضح إذا كان معنى ذلك السخرية من ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين يعيشون في فقر مدقع ومنازلهم وبنيتهم التحتية ومطارهم وميناءهم قد تدمر بفعل العدوان الإسرائيلي الأخير. ولئن كان نتنياهو يطالبنا بقبول الدولة اليهودية كشرط مسبق للمحادثات فإن "إسرائيل" لا تقبل بأي شروط مسبقة على نفسها لا سيما فيما يخص مستوطناتها غير الشرعية المدانة. في الواقع العقيدة الصهيونية ليس لديها نية مطلقاً للسماح بقيام دولة فلسطينية، لا في 1948 ولا في 1967 ولا في أوسلو ولا في كامب ديفيد ولا الآن.

 

الفلسطينيون الذين عاشوا زمن طردنا من ديارنا لإنشاء دولة "إسرائيل" التي نسميها النكبة قد هرموا اليوم، وكثير منهم لم يعرف منذ ذلك الوقت سوى بؤس مخيمات اللاجئين المنتاثرة في أنحاء الشرق الأوسط منذ أكثر من 60 عاماً. أما المولودون عندما بدأ الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية عام 1967 فقد أصبحوا في منتصف العمر يرزحون تحت الاحتلال طيلة حياتهم. وأما شبابنا الذين ولدوا على خلفية اتفاقات أوسلو المعيبة فهم جيل آخر ضائع يرون حرياتهم الأساسية مقيدة بكل الأشكال المتصورة سواء بالحصار ونقاط التفتيش أو محاطة من كل جانب بالمستوطنين المسلحين الذين يسرقون المزيد من الأراضي لباحاتهم وأبراجهم على التلال.

 

عملية السلام لم تعط الفلسطينيين شيئاً، ونحن جميعاً بصرف النظر عن طموحاتنا ومعتقداتنا السياسية والدينية نتقاسم هما واحداً وهو أننا بلا دولة. ولقد حان الوقت كي تلعب قوة القانون الدولي دورها في ضمان مستقبل لشعبنا، ويمكن أن يعترف تصويت الأمم المتحدة بدولة فلسطينية وهو ما سيكون نقطة بداية حاسمة للمشاركة في مجتمع الأمم وإعادة بناء دولتنا وتحديد مصيرنا بدون تدخل أو سيطرة من الآخرين.

 

إن الرئيس الأميركي خطيب مفوه، ولكن الخطب العظيمة بدون أعمال عظيمة مجرد كلام. عندما التقيت وزير خارجية دولة أوروبية مؤخراً قال مضيفي مصادقة أوباما العلنية على حدود 1967 كأساس للسلام في فلسطين خطوة نحو العدالة لشعبنا، وقلت علينا أن ننتظر قبل أن نرتاح لكلمات الرئيس، إذ أنها تتغير لتلائم سياسات اللحظة؛ وفي الأسبوع التالي حدث التقلب المتوقع، وفي خطابه أمام إيباك قدم الرئيس وعوداً بمستويات غير مسبوقة من المساعدات العسكرية الإضافية الجديدة أكثر من أي شيء فكرت فيه أي إدارة أميركية سابقة.

 

على عكس أوباما، نحن نقول شيئاً واحداً لكل من نخاطبهم. فحق العودة للاجئينا ليس مجرد حق قانوني مطلق بموجب القانون الدولي ولكنه أيضاً قضية أخلاقية لن نتنازل عنها أو نساوم عليها مهما يكن، ولن نسمح بانتزاع القدس الشرقية منا. ومع ذلك نجد أن هذه القضايا الوطنية الأساسية تترك لهوامش عاطفية في خطاب الرئيس. السيادة لا تستحق الاسم إذا لم نكن نسيطر على حدودنا؛ وشرط السماح بقوات أجنبية للاحتفاظ بمناطق أمنية داخل بلادنا غير مقبول، وأما المطالبة بأن تكون دولتنا المستقبلية منزوعة السلاح فإنه ضمانة فشلها. أن معنى تصالحنا مع فتح إننا شعب واحد يتحدث بصوت واحد، وأن فلسطين لن تسمح للقوى الخارجية بأن تملي علينا من يكون زعماؤنا وقيادتنا بما في ذلك حماس.

 

أن الرئيس يدعو إلى فترة انتقالية غامضة وانسحاب تدريجي للاحتلال الإسرائيلي وهذه مماطلة، ونحن لا يعنينا أي عملية سلام تستهدف أن تلتهم 15 عاماً أخرى ورئيس يجيئ وآخر يذهب ولا يعطي غير الكلام. في تلك الأثناء سوف ننتهز الفرصة أمامنا بإعلان الدولة الآن، ونرفض أي مزيد من الخضوع بين مجتمع الأمم. إن الحصار على غزة ينهار اليوم، حيث يستعد المجتمع الدولي لإعادة ضبط قواعد اللعبة. في هذا الزمن من التغير العربي العميق سيرسم الفلسطينيون طريقهم، ولن تستطيع الولايات المتحدة أو "إسرائيل" أن تفعل شيئاً لإيقافهم.

 

* نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس

 

انشر عبر