شريط الأخبار

آن لهذه الأمة أن تتبين.. علي عقلة عرسان

10:03 - 04 كانون أول / يونيو 2011


آن لهذه الأمة أن تتبين.. علي عقلة عرسان

 

موت البذرة في التربة ينتِج بذوراً حية تجدِّد الحياة وتنميها وتحافظ على استمرارها، فهو فناء لبقاء، وموت لحياة، ونوع من بيان قدرة تولج الحياة في الموت وتولج الموت في الحياة، تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وتعطي للطبيعة تلك الدورة التكاملية الخلاقة البديعة المستمرة التي يقف وراءها بديع السماوات والأرض، وتقدم لكل من يعتبر عبرة. وقد يكون في موت أشخاص حياة لشعوب وأوطان وتأثيل لعقائد وعدل وحرية، ونصر لحقائق ومظلومين، وبعث لضمائر من مراقدها.. وقد يكون في ذلك ظلم تهتز له السماوات والأرض غضباً، "فمن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً..".. ولكن موت الأوطان والشعوب والأفراد والضمائر في عبثية دونية دنيوية.. موت يقتل جوهر الحياة والروح والأمل والضمير في الأحياء من دون أن يبعث بدائل تجدد الأنفس الخَلِقَةَ وتحفظ البقاء.. إنه إبادة عابثة بلا ولادة باعثة، ونوع من سخط مصحوب بلعنة أبدية لا تبقي ولا تذر.. لعنة أصابت أقواماً وأمما في الماضي وما زالت تسحب بساطها على أقوام وأمم في الحاضر.. ولا يوجد في موت من هذا النوع حياة أو أمل بحياة لأنه لا ينقذ من فوت ولا يبعث حياة من موت.. إنه تفعيل للشر يُضري شهوة القتل في الأنفس المصابة بداء قابيل، وإغراء لطغيانٍ بمزيد من الظلم والطغيان، ولسُلَط ومعارضات وأنظمة وتنظيمات وجماعات وأشخاص بسلوك طرقٍ دموية إرهابية همجية رهيبة لبلوغ أهداف وغايات دنيوية قريبة، لا تبقي لآخرين كرامة وحقوقاً وحرية وأمناً إن هم بقوا على قيد الحياة أو تذهب بحياتهم ذاتها.. لتحقق لأصحابها مغنماً وسطوة ومنصباً.. إنها تسفِر عن نصر باهت بائس لأشخاص تتهافت فيهم الروح والقيم، وتحقيق لهم مكاسب ونفوذاً وهيمنة ومراتب.. ولكنه نصر في حقيقته هزيمة منكرة للروحي والأخلاقي والعقلاني والإنساني أمام المادي والانحلالي والعبثي والوحشي، ونوع من هياج للكبْر والحقد وأمر الأنفس بالسوء على كل ما عداه مما في الإنسان من كمال وحُسْن تقويم وفضل على المخلوقات كلها.. إنه نصر يقود إلى المدى الأبعد في العَمَه والصلف والطغيان ولا يثمر إلا مزيداً من فسائل الشر تنمو وتثمر شراً يلاحق فلول الخير في كل مكان وزمان.. إلى أن يقيض الله سبحانه من يجاهد بالنفس والمال والعلم والعقل والمعرفة والحكمة، بإيمان لينصر العدل والإيمان، ويعلي شأن الخير على الشر، ويبقي من هابيل بقية في الأحياء تجمِّل وجه الحياة، وتجعلها مستساغة يقبل المرء عليها إلى أن يأتي أمر كان مفعولا. 

يلازمني هذا النوع من التفكير والقول في زمن أعايش فيه بمرارة أوضاع أمتي العربية في الوقت الراهن، حيث تتخلق الحياة من الموت في حين ويتوغل الموت في أشكال الحياة وصورها في كل حين.. وفي وقت تلاحقني فيه أصوات من يُقْتَلون ويَقتُلون، ومن يستغيثون ويهتفون، ومن يتوعدون ويهدد بعضهم بعضاً بالقتل والسحل أو بالعقاب والعذاب.. عبر دمدمة فضائيات وإذاعات، وبيانات رعب تلاحق الاطمئنان، وفوضى تلاحق التنظيم والأمن والأمان، وجنون يلاحق العقل.. والكلُّ ـ  حباً بليلى الوطن وإخلاصاً لها ومن أجل سواد عينيها ـ يريد أن ينحر الوطن باسم الحرية والوطن، وأن يُدخِلَ الكلَّ في دوامة عنف وتحديات عبثية: لا تبني ولا تحرر، لا تعدل ولا ترحم، لا تحيي ولا تُقيت.. تأتي على الكل من دون تبقي أو تذر.. ولكن كل ذلك، بنتيجة الأمر وفي نهاية المطاف، يجعل الأمة كلها تضعُف وتخور وتنحني أكثر مما هي ضعيفة وخائرة القوى ومنحنية، ويجعل أعداءها الألداء ينشِبون مخالبهم المسمومة أكثر فأكثر وأعمق فأعمق في صلب الرقاب وإلى مدى القلوب إن هم استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويبطشون بالأوطان والناس بطشاً وحشياً أتقنوه وأدمنوه. وفي دوامة هذا البؤس الفياض بما يقارب اليأس: لا الحاكم يصغي لصوت الشعب والوطن وحكمة العقل، ولا من يدعي أنه يتكلم باسم الشعب ويعلن أنه الحر المحرِّر الذي يريد أن ينقذ الوطن والناس من الظلم والياس.. يصغي لصوت العقل والضمير، ويرعى مصلحة الوطن وحاجة أبناء الشعب إلى الإصلاح بمسؤولية، والحوار بوعي وسلامة نية وطوية، وبإخلاص للأمة في واقعها وتطلعاتها، تحت مظلة الانتماء للوطن، وخضوع  لمنطق الحكمة، وعمل بنور القلب والعقل وهدي الرب.. في ظل ما ينشده الناس، كل الناس، من استقرار وكرامة وأمن من جوع وخوف.

لقد سئمنا التحديات العقيمة والعنتريات الفارغة والفوضى المدمرة وما يسببه كل ذلك من خسائر بشرية ومادية ونفسية باهظة، وبشمنا من إراقة الدم بالغدر أو بالقهر، بالسر أو بالجهر، وكفرنا بالوعد والوعيد على أرضية التغليس والتهديد والتدليس، ومللنا سماعَ الأدعياء والعملاء والجهلاء والبلهاء، وضعنا أو كدنا نضيع في دوامات الادعاء والافتراء، وأهلكَنا الظلم والفساد والإفساد والكلام باسم البلاد في سبيل تحريرها وإنصاف العباد.. ضقنا وضاقت بنا الأرض على رحبها، وضاق بنا الصبر إذ نصبر.. قلوبنا التي تنبض بالحياة وأنفاسها تنتفض في أقفاصها وهي تطرح الأسئلة المحيرة بمرارة وضيق بالغ بما ينتظرها ويحيط بها: " ما الذي يجعلنا، نحن أبناء الشعب، بضاعة سياسية أو أشياء مادية بيد هذا الشخص أو ذاك، هذه الفئة أو تلك.. هذا الطامح الطامع أو ذاك.. هذا.. أو ذاك.. وما الذي يجعل سكاكيننا التي نشحذها لندافع بها عن أرضنا وأنفسنا تنغرس في قلوبنا ومقابضها في أيدينا الملطخة بدمائنا؟!.. هل نحن فعلاً، كما يُقال لنا ويُقال عنا: " الشعب: أعلى سلطة ومصدر السلطات، وقود الثورة وهدف الثورات، والمقصود بإخلاص المخلصين، وإصلاح المصلحين، وبناء البنائين، وثورة الثائرين.. ومن يلهم القادة ويصنع العبقريات.. والمستهدَف بجهود الخيرين ممن يريدون أن يقدموا للشعب والوطن الدم والخدمات.. مجاناً وبلا مقدمات أو تبعات؟!.. هل نحن الشعب السامي الإرادة فعلاً أم أننا..؟!

إن آمال أمتنا العربية تُذبح في الكثير من أقطارها كما يُذبح أبناء لها في أقطارهم بتناوش أياً كان سببه فإنه يرتد خسارة عليها.. وعدونا التاريخي، والمحتل لأرضنا أو لإرادتنا، والطامعون بثرواتنا، والمعادون لعروبتنا وهويتنا وديننا.. يرتعون في أرضنا ويلِغون في دمنا كيف شاءوا ومتى شاءوا من دون ردع.. وأمتنا في كل قطر من أقطارها تعاني أشكالاً من الصراعات والأزمات والضائقات وتشكو.. وهي أمة تستحق أفضل من واقعها ومن أنظمتها ومعارضاتها وأوضاعها الراهنة، وتملك من التراث والطاقات والإمكانيات والثروات والأموال ما يجعلها مؤهلة لأفضل بكثير مما هي عليه الآن في واقعها وتطلعاتها.. ولقد آن لساكتها أن يتكلم، ولساكنها أن يتحرك، ولوجدانها أن يصحو، ولعقلها أن يعمل ويعلو.. وآن لها أن تعلن بملء الصوت وبكل أشكال الإعلان والوعي والإرادة: أنها تعي تماماً ما يُحاك لها، وما يجري على أرضها.. وترفض كل ذلك رفضاً تاماً وتطلب أن يتوقف تماماً من أي مصدر أتى.. وأنها تربأ بنفسها عن أن تقتل نفسها بنفسها في موجات من هياج انفعالي يفتح أبواب الفوضى والتخلف والفقر والعذاب على الشعب، وعن أن تسمح بانتشار أشرعة الكذَبة والأدعياء والعملاء والجهلاء في فضاء الوطن الأبي الجريح، وأن ذلك يزيده جراحاً على جراح، وتمزيقاً على تمزيق، وضعفاً على ضعف، وتبعية على تبعية.. ويفتك بكل ما تبقى له ولها مما هو حي ونقي وسليم ومنقذ في كيانها وتاريخها.. وآن لكل طير من طيورها أن يأمن في عشه، وأن يعود إلى عشه آمناً.. وآن لهذا الوطن أن يستريح وأن يستريح فيه أبناؤه ويسعدون في بحبوحة من الحرية والكرامة والرزق الحلال، وأن لكل مواطن أن يمارس المواطَنة الكاملة بأهلية واحترام، وأن يتبين الخير والحق فينصرهما، والشر والظلم فيضع لهما حداً.. وآن لهذه الأمة العريقة أن تتبين طريقها إلى التحرير والحرية والكرامة والتكامل.. آن ذلك قولاً وآن ذلك عملاً..

وقل اعملوا.

 

انشر عبر