شريط الأخبار

دمُ زوجي "محمد عثمان" رصاصٌ تفجّر في قلبي وأنا أتابعه "مضرجاً"..

11:12 - 27 تشرين أول / مايو 2011

دمُ زوجي "محمد عثمان" رصاصٌ تفجّر في قلبي وأنا أتابعه "مضرجاً"..

يوم بدَت فكرة الفراق أكثر رعباً مما كتبت عنه في تقارير "فلسطين"!

مصوّر صحفي خرج يغطي ذكرى النكبة فأفاق "مصاباً" في "كمال عدوان"

جندي يقنُص طفلاً..مشهد أراد فضحه ولكن القدر كان "الأسرع"

لوجودك عشقتُ المشفى.. وساعات المساء هي الأسوأ

فلسطين اليوم - غزة/تقصّها إيمان عامر" زوجته":

في صبيحة ذلك اليوم "المشئوم" الخامس عشر من مايو استيقظت من نومي بثقلٍ كبير، فآلام "الحمل" أنهكت جسدي، ولكن لا مفرّ فهموم العمل ومتطلباته تلاحقني..وما أن هممت من السرير حتى وجدت زوجي "محمد" يلقي عليّ راسماً على وجهه ابتسامة خفيفة، فقلتُ في نفسي: آمل أن يكون هذا الصباح حقاً جميل!، وشرعتُ في تجهيز نفسي بعدما طلبت مني الإسراع في ذلك لكي نغادر البيت سوياً..لحظات فقط وكان كل منّا يستعد للانطلاق ولا سيّما "محمد" الذي كان على عجالة من أمره، فورائه همّ وطن اغتصبه بني صهيون، ففي ذلك اليوم "ذكرى النكبة" تجمّع الغزّيون عند الحدود في مسيرات سلمية للإعلان عن تمسّكهم بحق العودة، أما هو فأصرّ على أن يوثّق هذا الحدث عبر عدسته.

 

لا أدري ما الذي دفعني لسرد ذلك "الحُلم" على مسامعه قبل الخروج من المنزل، فحينها قلت له بنبرة قلِقة: أتعلم يا "محمد" لقد رأيتك في منامي مصاباً في جسدك من قِبل جنود الاحتلال الذين حاولوا من خلال استهدافك حجب حقيقة حقدهم على كل ما هو فلسطيني، وهو ما تسعى أنتَ لإظهاره للعالم كلّما حدث احتكاك بين المواطنين وهؤلاء "الجرذان"..وعندما ردّ عليّ بابتسامة "عزيزة على قلبي"، أيقنتُ في نفسي بأن هذا الحلم لن يردعه عن الذهاب لأداء مهمته التي "يعشق"، فمضينا في طريقنا حتى وصلنا مقرّ العمل، وودعني كما المعتاد بقوله:اهتمي بنفسك..هو "محمد عثمان" صحفيّ في منتصف العشرينات عشق "الكاميرا" فلازمته حتى في جولاته الاجتماعية الخاصة، وعلى الرغم من قصر المدة التي عمل بها في مجال "التصوير الصحفي" إلا أن شغفه بكشف جرائم الاحتلال عبر عدسته دفعه للمخاطرة بحياته.. وكم هي كثيرة الحكايات التي سردتها لقرّاء صحيفة "فلسطين" وتحدثت فيها عن أناس اكتوت قلوبهم بنيران الفراق، وآخرون عاشوا تجارب مع الآلام والعذابات بسبب "إسرائيل"، ولكني اليوم أدوّن عبر "زاجل غزة" قصة زوجي هو بطلها، وأتحدث فيها عن جراح أوغرَت في نفسي، وأحرقت قلبي، علّها تخترق بعض المسامع:      

 

محمد مُشيّعاً!

 

في ذلك اليوم كان عليّ إنجاز كمّ كبير من العمل، فبمجرد وصولي مقرّ عملي "صحيفة فلسطين" انهمكت فيه.. بعد ساعات بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن إطلاق جيش الاحتلال الرصاص والقذائف بشكل عشوائي على جموع المواطنين في المناطق الحدودية لإحياء ذكرى النكبة الثالثة والستيّن حيث زوجي يصوّر، فتوقفت عن العمل قليلاً لأتابع ما حدث بعد أن أخذت الأمور تتجه نحو التصعيد، تصفحت أحد المواقع الإخبارية وإذ بخبر إصابة مصوّر صحفي في رأسه يتصدره..نهضت من مكاني بسرعة خاطفة، وقلبي يخبرني بأنه "محمد" فأمسكت بهاتفي المحمول لأطمئن عليه ولكن ما من أحدٍ يجيب..نبضات قلبي تضطرب والقلق يسيطر عليّ والتساؤلات تتزاحم في ذهني..فهل أصيب "محمد" بمكروه منعه من الردّ عليّ؟، وكيف لي أن أطمئن عليه وأطفئ تلك النار التي اشتعلت في صدري؟ في تلك الأثناء وكما علمتُ لاحقاً كان "محمد" محمولاً من قبِل بعض من كانوا هناك فدوّى في أذنيه قولهم:لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله بعدما ظنوا أنه قد استشهد.

 

يا اللـه..ماذا أفعل؟..فجأة يأتيني أحدهم ليخبرني بأنه أصيب في يده برصاص مطاطي، فلم أصدق في بداية الأمر، وشعرت بأن الإصابة أخطر من ذلك، ولكني كلما كنت ألتقي بأحد كان يؤكد لي بأنها إصابة طفيفة، فهرعت إلى المشفى والذهول يلفّني، وجسدي ينتفض، ولكي نصل مستشفى "كمال عدوان" شمال القطاع أنا وشقيقي الذي اصطحبني معه لرؤية زوجي كان علينا قطع مسافة تقدر زمناً بنصف ساعة مرّت عليّ كما لو كانت دهراً، والأفكار التي تزاحمت في ذهني كادت تشلّ تفكيري..وصلنا بوابة المشفى وإذ بمئات المواطنين والشرطيين يصطفون على مداخل الأقسام، المشهد كان مهولاً فنظرات الإشفاق أخذت تتجه إليّ من قِبل من يعرفونني هناك..في هذه اللحظة شعرت بأن "محمد" أصيب إصابات بالغة وحالته بلغت من الخطورة الكثير، فأجهشت في البكاء وانطلقت إلى حيث هوَ في قسم العناية المشددة، لا أدري ما الذي قلته حينها لمن كانوا حولي من الأهل والأقارب، فما أذكره هو أنني اتجهت إلى سريره وصرت أتفحصه والكل يطمئنني بأن الإصابة طفيفة، غير أنني لم أقتنع بذلك وأخبرتهم بأن وضعه حرج.

 

وعشتُ ذات الألم

 

بعد فترة وجيزة تم نقله إلى مستشفى دار الشفاء وسط غزة، ليكتشف الأطباء مدى خطورة إصابته ليتبين أن إحدى شظايا القذائف اخترقت صدره واستقرت قُرب نخاعه الشوكي، وإصابة أخرى في يده التي حملت الكاميرا، الأمر الذي علم الجميع به سواي ووالدته التي اعتصر الألم قلبها لما حلّ بفلذة كبدها،.. "محمد" كان فاقداً للوعي ولا يعلم بما يدور حوله، وكذلك أنا، والكل لا يزال يهدئ من روعي، ولكن هيهات لي!!، فكيف أهدأ ومن أضفى طعم السعادة على حياتي يصارع الموت، فاتجهت إليه، ووقفت بجانب سريره، وأخبرته بأنني بجانبه ولن أتركه فما أن سمع صوتي حتى فاق قليلاً وطلب مني مجدداً الاهتمام بنفسي، مردداً اسمي لأكثر من مرة، لحظات وأخرجني الأطباء من الغرفة عنوة بسبب خطورة وضعه وما أن وضعت قدماي على أعتابها حتى شعرت بأن قلبي قد انخلع من مكانه وأصابني دوار شديد فقدت به وعيي..بعدما أفقت أخبروني بأنه وبمجرد فقداني لوعيي التف الجميع حولي وتوالت الصرخات باسمي قلقاً عليّ لينهض "محمد" من سريره قليلاً وينادي بصوتٍ خافت "إيمااان".

 

على الرغم من أنهم أخفوا عني حقيقة حالته الصحية، وطمأنوني باستمرار إلا أن قلبي كان يخبرني بما يعانيه، فبقيت خارج الغرفة محاولة التأكد من حالته، أو التقاط أي كلمة تخرج من أفواه الأطباء بخصوصه فكانت تلك الطلقات قد تفجّرت في قلبي كما في جسده..آهٍ وألف آه كم كانت من ساعات مؤلمة وقاسية فتارة أظنّه سيكون مفارقاً للحياة بعد قليل، وتارة أخرى أجده قعيداً وغير قادر على الحركة كما اعتاد، فصرت أتساءل: هل سأعيش بلا "محمد"؟، وهل سيولد مولودنا الأول بعد شهر ونصف دون أن ينعم برؤيته؟..ربااااه انزع هذه الحيرة وهذا الألم من نفسي وأبدلني به سكينة وطمأنينة، اشفه وعافه يا الله.. أعده إلينا سالماً ولا تحرمني من رؤيته مجدداً..كانت هذه توسلاتي ورجائي من ربّ العزة..كم كان ذلك غريباً فخلال سنوات عملي الصحفي الماضية كنت قد التقيت بأناس حرق قلوبهم فراقهم لأحبتهم من الشهداء، وتحسست آلامهم وجراهم، ودوّنت بقلمي مذكرات عدة لحملة البنادق، فتذوقت الحسرات التي حبست في أنفسهم، ولكن هذا كله لم يماثل ما عشته في الأيام القليلة الفائتة حينما تعرّض شقّي الآخر لذلك، وخيّل لي للحظات بأنه ارتقى شهيداً وفارقني، فأن تعيش "الألم" غير أن تكتب عنه.  

 

مضت الساعات الأولى من الإصابة بمرارها، وأجرى الأطباء عملية جراحية "صعبة" لمحمد بعد تعنت "إسرائيل" في "استقبال الإصابات والإعلان عن معبر "إيرز" منطقة عسكرية مغلقة، ونجحت بأعجوبة بعدما أخرج الأطباء شظية كبيرة من عموده الفقري دون أن تقطع نخاعه الشوكي..كانت فرحة عارمة لم يشعر أي منا بها من قبل، فعين الله رعت "محمد" وأنجته من شللٍ نصفي ظنّ المعظم بأنه سيرافقه طوال حياته، ولكن الموْلى أراد أن يردّ كيد "بني صهيون" في نحورهم، وتوّجت هذه الفرحة حينما قام بتحريك ساقيه، لتدبّ معها الحياة في قلبي.فكثير من الحمد لك ربي على عظيم كرمك.   

 

يومَ عشقتُ المشفى!!

 

سأبوح لك بسرٍ يا عزيزي.. مرات قليلة هي التي وطأت قدماي فيها أعتاب المستشفى، وفي كل مرة كنت أدخلها "مضطرة" كنت أصاب بدوار وغثيان بمجرد اختراق رائحة الأدوية والعقاقير لأنفي، ولكن هذه المرة وبعدما أجبرتك الظروف يا "شريك حياتي" على المكوث فيه لتلقي العلاج صرت أعشق المكوث في المشفى بجواره، ويا لها من ساعات مريرة تلك التي أقضيها خارج أسوارها، فما أن تحلّ ساعات المساء ويتوجب عليّ العودة للمنزل للنوم حتى تبدأ معاناتي مع الوحدة والبعد عنك..كيف لا وأنت بحاجة لمن يهوّن عليك مصابك ويشد من أزرك..لقد أصبحت أكره "العتمة" و"المساء" الذي يبعدني عنك ويحتوي دموعي وعبراتي، فيقضّ مضجعي، منتظرة بزوغ الشمس وحلول الصباح حتى أهرع إليك، وأطمئن على وضعك الذي أخذ بالتحسّن بفضل الله، ومن تضرّع بالدعاء لك وهم كثر. 

 

عُد يا "محمد" فأنا مشتاقة لرؤية لتلك البسمة التي كانت ترتسم على وجهك الجميل في صباح كل يوم، عُد واقهر هؤلاء الصهاينة الذين صوّبوا أسلحتهم وقاذفاتهم باتجاه يدك بينما كنت تحمل الكاميرا لتلتقط مشهد قنص الجنود للأطفال الذين كانوا في مسيرات العودة، أنت حاولت كشف حقيقتهم للعالم الذي لطالما دعمهم وشد على أيديهم، وهم أصرّوا على حجب هذه الحقيقة عبر استهدافك بأكثر من منطقة في جسدك، فجروحك هذه ستكون الشاهد الأكبر على حقدهم وعنجهيتهم، ولكن ماذا عن المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية التي عبّرت عن استنكارها لاستهدافك، وأدانته؟، فهل هذا الاستنكار سيُؤتي أُكله، أم أنه "كلام في الهواء" كما عهدنا في السابق؟..حقاً أنتظر بشغف ذلك اليوم الذي ينتقم الله فيه لـ"فلسطين" من مغتصبيها، ولمن طالهم عبث جنودها.    

 

 

انشر عبر