شريط الأخبار

15 أيّار عربي!../ رشاد أبو شاور

05:30 - 18 كانون أول / مايو 2011


15 أيّار عربي! رشاد أبو شاور

 

15 أيّار هذا العام، في الذكرى 63 للنكبة، هو يوم آخر.. إنه باختصار يوم عربي.

فلسطين استعيدت قضية عربية بامتياز بالدم الشجاع المقتحم الجدير بالانحناء تقديرا واعتزازا.

عروبة فلسطين قُزّمت بـ(القرار المستقل)، و( نحن مع ما يريده الفلسطينيون).. أي مع غسل اليدين منها، وتوريط شعب فلسطين وزجه وحيدا في ميدان الصراع مع أعداء لا قبل له بهم، ولا هي مسؤوليته وحده أن يجابههم: الكيان الصهيوني، وأمريكا المنحازة بالكامل مع العدو المُحتّل لفلسطين.

 

أيّارات كثيرة منذ كامب ديفد مرّت على الفلسطينيين وهم وحدهم، وقضيتهم محشورة في زاوية (ميتة)، والكيان الصهيوني يقضم الأرض، ويقتل أهلها، ويستفرد بشعبها.

 

منذ كامب ديفد أُخرجت قضية فلسطين من كونها قضية عربية، ومسؤولية قومية، وحوّلت إلى قضية (فلسطينيّة) إقليميّة تتبارى أنظمة التبعية الكاذبة في القول بدعم شعبها بدون جدية، بل وبتآمر مفضوح، وابتزاز للقيادات الفلسطينيّة لامتداح ( الدعم) الأخوي المشكور.. في حين أن الجماهير العربيّة، وفي مقدمتها الفلسطينيّة، تعرف كم هو نفاق هذا التكاذب (الأخوي) العاجز عن إخفاء التواطؤ مع أعداء فلسطين.

 

 ثورات العرب المنتصرة في تونس ومصر صححت الأمور، وأعادت المصداقية لشعارات الستينيات، وفي مقدمتها: فلسطين عربيّة .

هذا الشعار أضافت له الجماهير الفلسطينيّة بخاصة، والعربيّة بعامة، بعد كامب ديفد، وأوسلو، ووادي عربة: لا حلول استسلامية...

 

نعم هذا الشعار بتمامه وكماله ووضوحه وحزمه: فلسطين عربية لا حلول استسلامية.. عاد في 15 أيّار هذا العام، وكما لا يتوقعه أعداء فلسطين، ففي عصر الثورات العربيّة باتت جماهيرنا تأتي بما لا يتوقع، رغم أنه طبيعي، ولكنه تأخر حتى كدنا نيأس نحن المؤمنين به، والمبشرين به، والمنتظرين على مدى عقود، لا سيما منذ جريمة السادات عام 79 التي مزقت الأمة، وأدارت الظهر لفلسطين، وجعلت من كامب ديفد حدا فاصلا بين دور مصر القيادي الكبير، وما اختاره لها السادات من تقزّيم وعزلة، وفتح أبوابها لرياح الفساد.. وليتسلمها وريثه التافه حسني مبارك الذي عاث فيها خرابا وفسادا هو وعائلته وحاشيته.

 

كامب ديفد فتح بازار السباق الإقليمي لأنظمة حكم رفعت شعارات: نحن أولاً.. فلا فلسطين، ولا عروبة، وإنما سباق على التبعية لأمريكا، و( الموالاة) للكيان الصهيوني، و..لتعم حقبة النهب والفساد، ويزدهر الاستبداد والخراب عربيّا!

فلسطين والاستبداد والفساد والتبعية لا تلتقيان، خطان نقيضان، مصلحتان متخاصمتان متناحرتان.

الفاسدون لا يحررون فلسطين.

 

المستبدون بشعوبهم لا يجيشون الجيوش لتحرير فلسطين، ولكنهم يبنون أجهزة قمع، لأن فلسطين قضية حرية وكرامة إنسانية وعدل كامل لا شبهة فيه.

 

منذ كامب ديفد، مرورا بأوسلو، وحتى وادي عربة.. وفي زمن المكاتب الصهيونية السريّة والعلنيّة في أقطار عربية كتمت أخبارها وإن فاحت رائحتها الدنسة والوسخة.. غابت فلسطين، واحتفل بالـ15 من أيّار بانكسار.. فلسطينيّا، وكأن النكبة ما عادت نكبة للعرب في فلسطين.

كل الأيّارات التي مرّت علينا من كامب ديفد وحتى 15 أيّار2011 كانت مآتم، تبعد فلسطين عن فجرها، فلا يكون في الذكرى سوى الحزن والدموع.

 

لكن شعبنا مع ذلك لم ييأس من عودة فلسطين لأمتها، لقلوب ملايين العرب مشرقا ومغربا.. فشعبنا يعرف تاريخ وجغرافية وطنه، يعرف أن فلسطين احتلت مرارا وتحررت مرارا، وأنها في كل مرّة تحررت عربيّا لا فلسطينيّا، فالفلسطيني وعى دوره: حارس للجسر.. يناوش الأعداء ويستبسل في قتالهم حتى قدوم الأمة!

 

هذه الحقيقة ووجهت بسخرية المستعجلين للحصول على قطعة من فلسطين مهما صغرت ليبنوا عليها دويلة ما، بأية شروط.. ومع ذلك فها هم منذ عقدين أوسلويين أعجفين يخسرون الأرض مترا مترا شبرا شبرا، حتى ضاقت الأرض بالمستوطنات والحواجز والسجون التي يحشر فيها ألوف الأسرى الفلسطينيين.. ومع كل هذا لم يستيقظ (الواقعيون) المندفعون في الهاوية التي أُعدت لهم في (أوسلو) برعاية أمريكيّة، وتشجيع عربي رسمي يتقدمه نظام مبارك الفاسد المتآمر بطل حصار غزّة!

 

15 أيّار لهذا العام مختلف، فهو مصبوغ بالدم العربي من مارون الراس أرض الجنوب الشامخ، تلك التي كانت واحدة من عناوين البطولة التي هزمت جيش الاحتلال في تموز 2006، بتضحيات أبطال حزب الله وأبناء الجنوب البواسل مرورا بالجولان حيث تدفق فلسطينيو المخيمات إلى مجدل شمس ليحتضنهم أهلهم الجولانيون الصامدون بعد أن اجتازوا حقول الألغام وباغتوا العدو الصهيوني، وليصبغ دم الفلسطينيين الذين ولدوا في المنافي، أبناء الجيل الثالث في اللجوء، أرض الجولان، مبرهنا أنه جيل أكثر عنادا ووعيا وثباتا وروحا اقتحامية من الأجيال التي سبقته.

 

ويمتد طوفان الجماهير إلى أغوار الأردن، وتحديدا: الكرامة، الأرض التي شهدت أول انتصار عربي بعد هزيمة حزيران 67 في شهر آذار من عام 68، حيث حقق الفدائيون والجنود الأردنيون معركة مجيدة، كان يمكن أن تكون منطلقا لحرب طويلة تحرم العدو من انتصاره واحتلاله السهل غير المكلف للضفة الغربيّة والقدس!

 

هجوم الجماهير العربية الذي ابتدأ من مارون الراس فلسطينيا لبنانيا، إلى الجولان فلسطينيا سوريا، إلى الكرامة فلسطينيا أردنيا.. وصل إلى بيت حانون، والشجاعية في غزّة.. ومرّ من حاجز الرام وضواحي القدس.. ليكتب بداية حقبة عربيّة جديدة لفلسطين، وليصحح انحرافا امتدّ على مدى أربعة عقود.

 

تأملوا ما حدث وتفكّروا به؟!

الحدود الصامتة المحيطة بفلسطين، التي كانت تسمى (الجبهة الشرقية).. تفجّرت جماهيريا، استعادتها الجماهير بعد انتصار ثورتي تونس ومصر.. وبشائر انتصارات قادمة لثورات تخوض أمجد معاركها في الميادين العربيّة.

 

بوغتت قيادات الكيان الصهيوني بطوفان الجماهير العربيّة التي تحيط بها من كل الحدود مزمجرة، زاحفة، بروح تبشّر بعرب من نوع جديد.. عرب الثورات الذين هزموا الخوف، ومن تسببوا به، والأنظمة الحارسة للمصالح الأمريكية والصهيونية.

 

15 أيّار الجديد ليس مجرّد يوم عابر في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، إنه يوم يؤرّخ لما هو آت: لا حدود آمنة لمن يحتلون فلسطين ويحاصرون غزّة، ويهودون القدس، ويستفردون بأهلنا في فلسطين المحتلة عام 1948.

 

15 أيّار هذا العام كتب بدم عشرين شهيدا ومئات الجرحى، وهو يقول: حق العودة لن يُلعب به، ومن يفكّر مجرّد تفكير في التنازل عنه، أو التحايل والالتفاف عليه سيعامل معاملة العدو.. فحق العودة مقدس، وقانوني وممكن... وهو جوهر القضية والصراع، لأنه يعني عودة كل الفلسطينيين إلى فلسطين، وعودة فلسطين قلبا للوطن العربي، وجسرا لجناحي وطن الأمّة!

 

شباب الأمة.. عراة الصدور.. اندفعوا عبر الحدود معلنين أن زمن الخيانات والبيع لفلسطين والسمسرة عليها وعلى شعبها قد انتهى، وأن هذه الثورات ستغير، وتوّحد، وتقوي، وتحقق الاستقلال والسيادة والعدل والكرامة والكبرياء، وأن فلسطين هي عنوانها الرئيس لأنها ( أم القضايا).

 

لم يكن شعار: فلسطين عربيّة.. شعارا خشبيا، فها هي جماهير الأمة تبرهن على واقعيته هاتفة: بالروح بالدم نفيك يا فلسطين.

 

 كنا نحلم بهذا اليوم الكبير، اليوم التحولي، يوم كنس الطغاة المعوقين لتقدم الأمة.. يوم ارتفاع راية فلسطين بأيد عربية في قلب العواصم العربيّة، وعلى حدود فلسطين خفّاقة بالوعد الصادق الآتي لا ريب فيه.

 

15 أيّار هذا العام كان يوما عربيّا بامتياز، فالطغاة العرب يترنحون، والجماهير تتقدم حرّة ممتلئة النفوس بالعزّة والكرامة، وبهذه الجماهير يقترب فجر فلسطين مهما طال.. نراه قريبا وإن رآه أعداؤنا بعيدا.

 

لم نيأس في أشد اللحظات سوادا، فكيف لا نتفاءل ونحن نعيش زمن ثورات ملايين العرب الذين كسروا الخوف.. وهل الكيان الصهيوني سوى خوف إلى زوال؟!

انشر عبر