شريط الأخبار

أُحبك أيتها المحطة الأخيرة- هآرتس

01:16 - 08 حزيران / مايو 2011

 

أُحبك أيتها المحطة الأخيرة- هآرتس

بقلم: جدعون ليفي

حلت بنا كارثة قومية جديدة في نهاية الاسبوع: فقد تم تأخير بضع مئات من المسافرين عدة ساعات في مطار بن غوريون. عناوين صحفية رئيسة ونشرات بث دراماتية – كارثة. لم يعلم أحد ماذا حدث بالضبط، لكن كانت توجد أوصاف آخر الزمان: طائرات قد تتحطم، وقد يكون الوقود كله في الدولة ملوثا مع اشارات الى عملية تفجير ضخمة. نهاية العالم. أُرسل التلويث "البيولوجي" من الفور الى أكثر المعاهد سرية في نيس تسيونا والى المانيا ايضا؛ وكان هناك عشرات ممن أصابتهم النائبة وتم تأخير رحلتهم للحظة وأُجريت معهم مقابلات مرهقة، يتحدثون للأمة الهائجة عن مصيرهم المر ويكشفون للجميع عن معاناتهم ويهددون برفع دعاوى. وكل شيء أصبح قزما حيال الامر الأفظع: مئات المشجعين الصفر الذين توجهوا الى دور الرباعي النهائي والذين كانوا يوشكون ان يضيعوا ساعة كازينو في برشلونة. تبين انه يسيء الينا حقا ان نرى طائرة كبيرة لا تقلع من خلال دمعة شفافة.

سنغفر اضراب الاطباء، ونتجاهل اضراب العاملين الاجتماعيين، بل لا تسيء الينا القطارات المعطلة ألبتة؛ لكن لا تمسوا فقط بمطار بن غوريون. فكل اضراب طويل ينضم اليه عمال مطار بن غوريون يحكم عليه بنهاية فورا. لأننا نتجاوز عن كل شيء، ونلف أنفسنا بعدم اكتراثنا إزاء كل شيء إلا هذا. حتى في ارض الكوارث – الحقيقية أو المتخيلة في الأساس، حيث تصبح كل عطسة خطر وباء جماعي وكل تهديد ضئيل تحذيرا عالميا من السفر؛ وكل حريق غابة حدادا وطنيا وكل انخفاض في مستوى بحيرة طبرية طبيعية؛ في دولة تتلهى بكوارثها وتدمن التهديدات عليها، ليس فيها كارثة أكبر من اغلاق المطار الجوي اليها ومنها للحظة واحدة. دعوكم من حائط المبكى وانسوا مغارة الماكفيلا – إن مطار بن غوريون وفيه منطقة التجارة الحرة هو المكان الأقدس للاسرائيليين.

عندما نقول "الحقل" نقصده. انه منطقة الاشواق. جواز سفر ثان لكل من يستطيع، لكن لا تغلقوا لنا "بابنا الجوي". لا يوجد برهان أسطع على شعور الاختناق والحصار، وعلى المحرقة التي تقوم دائما قريبة منا، وعلى الشعور بالمطاردة الفطري، ورهاب المحرقة المكتسب، ولم تغير شيئا حتى حقيقة انه أصبح يمكن مغادرة البلاد عن طريق البر الى دولتين جارتين لا تطلب واحدة منهما حتى تأشيرة دخول. وكذلك لا تغير شيئا حقيقة انه يوجد طريق هرب بحري من هنا. في الوقت الذي يحلم فيه أكثر السجناء دائما بالبحر باعتباره رمز الحرية، نحلم نحن بالجو. أنا أحبك أيتها المحطة الاخيرة.

في شبيبتنا عندما كانت الرحلات الى الخارج ما تزال باهظة السعر، كان يُلح علينا السؤال المصيري دائما: ماذا سنلبس في الرحلة الجوية؟ كما تسأل العروس عن ثوب الزفاف. وكنا في طريقنا الى الخارج نلبس أفضل ما نجد في ديزنغوف وأللنبي وكنا نلبس في طريق العودة الملابس الفخمة من الخارج كي نبدو في أفضل مظهر في الرحلة الجوية ولنؤثر في نفوس المستقبلين الذين انتظرونا هنا متأثرين في المحطة الاخيرة. لم يتغير الكثير منذ ذلك الحين سوى توالي الرحلات الجوية وعدم الحرص على اللباس – فقد بقيت الرحلة الجوية الى الخارج كما كانت، حلما تحقق وقد يكون الحلم الاسرائيلي الأكثر تميزا. كل سفر الى الخارج ولا يهم الى أين ولماذا، ما يزال يُعد هنا مصدر سعادة (وغنى) ورمزا الى المكانة الاجتماعية وبقيت المحطة الاخيرة في المطار هي الباب السحري.

صحيح انه يوجد عند أبوابها إظهار قبيح على نحو خاص للعنصرية على صورة "صباح الخير" أو "مساء الخير" من الحراس المسلحين، من اجل معرفة اللهجة فقط؛ وصحيح ايضا ان المكان ممنوع على الفلسطينيين من المناطق وملعون بالنسبة للعرب من اسرائيل؛ وصحيح ان المكان هناك احيانا مزدحم ضاج، وأننا جميعا هناك بلا صبر، أكثر من المعتاد، لكن منطقة التجارة الحرة وبعدها الاقلاع الى أعلى الجو، يصنعان بنا شيئا ما يُخيل الينا أنه أصبح غريبا على شعوب كثيرة اخرى في العالم الحديث.

هذه مفارقة: فقد عرض استطلاع عالمي للرأي نشر في المدة الاخيرة الاسرائيليين باعتبارهم أحد أكثر الشعوب سعادة في العالم؛ فنحن جميعا ذوو شعور وطني والمهاجرون من هنا يُعدون "في مقام أدنى من الهجرة"، فحب البلاد قيمة عليا، وتوجيه انتقاد اليها يُعد خيانة. ومع ذلك كله يوجد مطار بن غوريون.

أقول في اليوم الذي نعرف فيه كيف نعيش مع مطار مغلق للحظة واحدة سنعرف أننا بلغنا سكون النفس والهناء.

انشر عبر