شريط الأخبار

أحلم بأن يعمل كل منا ما عليه / علي عقلة عرسان

05:57 - 15 حزيران / أبريل 2011

 أحلم بأن يعمل كل منا ما عليه / علي عقلة عرسان

 

الأحلام نوعان، أحلام يقظة وأحلام منام، وأحلام اليقظة قد تطغى في حياة بعض الأشخاص فتعطل الإرادة وتلحق بالمنطق والعقلانية شوائب، أما أحلام المنام فمنها الوردي والعادي ومنها الكوابيس المنهكة.. ومن الأحلام ما يمر على صفحة النفس مثل سحابة صيف أو أقل، ومنها ما ينقش فيها أثراً أو يحدث تأثيراً، ويكون كفلق الصبح في تبشيره. وقد يتفاءل شخص بحلم ويندفع في دروب الأمل وحتى العمل، وقد يصاب آخر يتشاءم آخر ويلحقه الغم ويتكدر يومه.. وإذا كان الحلم دليل صحة، فبعضه جلاب لأدلة المرض.

وفي خضم الأحداث الكبيرة التي تمر فيها أقطار عربية عدة، وتنذر بعواصف هنا وهناك، نجد أنفسنا بمواجهة أحلام يقظة ومنام من كل الأنواع والأحجام، ونتنقل بين صهوات أحلام وردية وعثرات وديان سحيقة لكوابيس ثقيلة. ومن عجائب ما نمر به من أحلام يقظة ومنام أننا نجد على أيدينا آثار الدماء، وفي أعيننا مشاهد الدمار والرعب، وفي مخيلتنا توق وخوف، توق إلى الانتقال من واقع سيء معترَض عليه إلى إصلاح أو تغيير يجعلاننا نستشرف المستقبل والمصير، ونعيش بأمل واطمئنان.. وخوف من قوى معادية وطامعة بما لدينا، وأخرى شريرة تتآمر علينا، وكل أولئك يتربص بنا الدوائر، ويستثمر في مجالين رئيسين:

 أ ـ في طبيعة الأنظمة، واستعلاء بعض المسؤولين الكبار، أو استهانتهم، أو تسميم معلوماتي وتضييق دائرة الرأي والرؤية من حولهم يقوم به المحيطون بهم، يصل بصاحب الأمر إلى درجة الغلو في الشك والتشكيك، وإلى حرص استئثاري يصل به إلى حد ممارسة الوصاية على الشعب وعدم الاستماع لصوته، ومن ثم إلغاء إرادته عن قصد أو عن غير قصد.. هذا من جهة، واستثمار في عناد المعاندين، ومكابرة المكابرين، واستبداد المستبدين، وفساد الفاسدين، وغلو المتشبثين بالحكم مهما كلفهم ذلك وكلف الشعب والوطن من ثمن..

ب ـ نفوذه وقدراته وأدواته ووسائله، ومنها الإعلام المعاصر بتنوع فنون أدائه، الأمر الذي يمكِّنه من النفاذ إلى العقل الجمعي الذي تقوده حماسة المتحمسين، والتأثير فيه من خلال اندفاع المندفعين بقوة وحماسة نحو الثورة والتغيير، بعد أن ضاقوا بالصبر على الظلم والفساد والطغيان والفقر والقهر، أو ضاق بهم الصبر على كل ذلك وسواه.. وما يجره ذلك العقل من أفعال، أو يورط فيه من سلوك، يؤدي إلى تبادل العنف وما هو أكثر من ذلك كما نرى في بعض الساحات العربية الملتهبة..

ولأننا في وطننا العربي نعيش في خضم الحدث بكل تأثيره وآثاره، وما يؤسس له من تغيير، وينتجه من مآس، ويثيره من آمال وتطلعات، ويبعثه من أحلام يقظة ومنام.. يتداخل لدينا الحلم والكابوس، فندخل مدار حلم وردي.. وندلف إلى كابوس ثقيل يجثم على صدر المرء منا فيرى فيه ما يجعله يستخف بكل مأساة، حين يرى ما يضعنا فيه من مآسٍ.. وحين يستيقظ ويخرج من عتمته إلى نور اليقظة يشعر كأنه بدأ الحياة من جديد، ويشعر بقيمة أن يعيش خارج دائرة الكابوس. ولا بأس في أن نتمنى، أمنيات بين يقظة ومنام، بين حلم عادي لا وردي، وكابوس ثقيل، كأن يكون لدينا:

1 ـ هيكل دستوري عربي عام، يراعي فصل السلطات وتكاملها في دولة مؤسسات، يضع فيه كل قطر خصوصياته، ولكنه يتضمن ويضمن توجهات عربية ـ إسلامية عامة، تلبي الضرورات الوطنية والقومية، ولا تنتقص من حق الأقليات والتنوع، وتعطي للمشترك قيمة ومفعولاً ومكانة، اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، الأمر الذي يقربنا من تطلعات الشعب التي ظهرت متقاربة، أو متطابقة في ساحات عربية عدة، ويتماشى مع حقائق التاريخ والجغرافية، والتكوين الاجتماعي والثقافي والروحي للشعب العربي. وهو هيكل دستوري لا يفصَّل على مقاس حاكم أو نظام أو حزب أو فئة أو.. وإنما على مقاس الأمة، في إطار عدل ومساواة واحترام للحقوق والواجبات وللحرية والكرامة، وفي صيرورة زمن ومتغيرات حياة وضرورات نهضة، وتحديات داخلية وخارجية تستدعي تضافر جهد أبناء الأمة وتعاونهم. 

2 ـ رفض الاستبداد والفساد والإفساد. وتداول للسلطة بسلاسة وسلامة، ضمن مدة زمنية محترمة التوقيت، واحترام تام للديمقراطية نظرياً وعملياً، وفق مفهوم علمي موضوعي إنساني عادل لها، يخرجها عن نطاق ليِّ العنق لتكون لصالح هذه الأيديولوجية أو تلك، هذه العقيدة أو تلك، هذا التوجه السياسي أو ذاك.

3 ـ احترام تام، لا يُمس ولا يُجرح ولا يُنتقص منه، ولا يرقى إليه شك من أي نوع، ولا تخرقه أية قوة، تحت أية ذريعة من الذرائع.. لحقيقة أن الشعب هو صاحب الإرادة الأعلى، والمصلحة العليا، وهو مصدر السلطات، وأن إرادته فوق كل إرادة، وما الدساتير والقوانين والأنظمة والحكومات والحكام والسلطات والوزارات والمؤسسات.. إلخ إلا لخدمته، وبإمرته، وتحت رقابته.. ويُسأل كل مسؤول مهما كانت درجته ومكانته أمامه، وفق ما يوضع لذلك من قوانين وأسس وضوابط وأحكام لا تتناقض مع مبدأ العدالة والمساواة، وحاكمية الشعب وانتمائه وقيمه. وأن حريات المواطنين وحقوقهم مصانة، في إطار مواطَنة مرعية الأصول.

 ولا يجب أن يُكلَّف الشعبَ، إذا أراد أن يصلح أو أن يغير حاكمٍاً أو نظامٍاً أو توجهاً سياسياً، أن يكلَّف دماً ودماراً وشللاً ورَهقاً من أي نوع.  فكفانا ما يكلفه الحاكم العربي لشعبه من تكاليف وأثمان باهظة لا يقرها عقل ولا قانون، ولا يقبلها منطق من أي نوع، وينبغي التخفف منها.. وما يسخر لخدمته من قوى، وما يدخل تحت عباءته من منتفعين ومتزلفين يصبحون عبئاً عليه وعلى الدولة والعدالة والأنظمة والقوانين والشعب والوطن. ذلك لأن الشعب هو صاحب القرار وكلمته هي الفصل، من خلال مؤسسات شرعية محترمة نزيهة، تفرض قراره وتمتثل لإرادته وتمثلها.. ولأن الوطن والأمة أولى بأن تُرفع كلمتُهما ومصالحُهما فوق كل شخص وفئة، وفوق كل اعتبار، وفق ديمقراطية عادلة راسخة مؤثلة، وضوابط مرعية التنفيذ، عرفاً وقانوناً، وتربية اجتماعية وسياسية، وثقافة عامة هي ثقافة الأمة التي تحفظ هويتها، وتحافظ على كيانها وخصوصيتها وحضورها بين الأمم.

4 ـ  أن تُحكَم كلٌ من الحكومة والمعارضة، وكلُّ الأطياف السياسية في الوطن بمصلحة الشعب والوطن، فالتسابق والتنافس يكونان لأداء خدمة أفضل تحت سقف الدستور والقانون. ويبدو أننا بأمس الحاجة إلى ثقافة سياسية متينة في هذا الاتجاه، وإلى التزام حقوقي ـ أخلاقي، وتفعيل عامل اجتماعي واعٍ ضاغط ومؤثر، ليكون كل من يتنافس من أجل خدمة الشعب والوطن والأمة، تحت سقف الدستور والقانون، والحكم الأخلاقي للمجتمع ومصالحه وقيمه.  

5 ـ تحريم قاطع لاستعداء الأجنبي على الوطن، وللتعامل معه بأي شكل ولأي سبب كان.. خارج الأطر الدستورية والقانونية والأخلاقية، ضد مصلحة الشعب والوطن، فذاك يجلب على الشعب والوطن الكوارث والعار، ويفتح الباب واسعاً أمام الاستعمار. ولهذا النوع من الفعل، إن وقع، اسم محدد معروف أياً كان من يلجأ إليه، ولا يشفع لأي كان أن يسوغ ذلك التصرف، ويمشي في طريقه مهما كانت الظروف والأعذار.. فشر الاستعمار واستعداء الأجنبي على الوطن، أو على فئة في الوطن تجلب من الشرور على الجميع ما يفوق التصور والتقدير.. والقوانين والأنظمة وسلطة الشعب العليا هي حكم وحاكم في موضوع كل اختلاف وخلاف، وإذا لم نفلح في وضع ذلك الأمر في مكانه من الممارسة والتطبيق، فإننا نرتكب خطايا لا تغتفر بحق أنفسنا وشعبنا ووطننا وأمتنا. وتنمية الوعي المعرفي والحس الوطني والمسؤولية الفردية والجماعية، يجب أن تتجدد وتنمى باستمرار في هذا المجال، لا سيما من النواحي القانونية والاجتماعية والأخلاقية.. وكل ذلك كفيل بحل أية منازعات أو مشكلات أو أزمات، إذا وضعنا العقل والمنطق نصب أعيننا. وكل تعامل مع الأزمات والمشكلات التي من هذا النوع يجب أن يكون تحت سقف الوطن والمواطَنة والقوانين والأنظمة والقيم المرعية، كلياً وحصرياً، وبموجب ما ينص عليه القانون، ويحدده العرف وقيم المجتمع، ومصلحة الوطن والأمة، وصحيح التشريع وراسخ الشرع.

6 ـ  مراعاة القدرات المهنية، والكفاءات العلمية، والمهارات التقنية، والأخلاق والقيم والسلوك الحسن، عند ترشيح أو انتخاب أو تعيين الأشخاص للقيام بمهام قيادية ومسؤوليات مختلفة، لا سيما تلك التي يمس الأداء فيها مصالح الوطن وتكوين الأجيال ومستقبلها، وأمن الشعب وعلاقات أبنائه بعضهم ببعض، واستقراره وازدهاره.. فكل تهاون في هذا المجال يؤدي إلى أن يوضع أشخاص وفق معيارية مريضة يفاقمون المشكلات، ويتسببون بكوارث، إضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من علاقات وصيغ عمل وتعامل تقوم على الفساد والإفساد، والمحسوبيات والجهل والتجهيل، وانتشار ظاهرة الإدعاء والكذب والخداع للدفاع عن تقصير أو سد نقص، أو للوصول إلى مكانة أعلى أو ديمومة أداء في موقع من المواقع على غير اقتدار أو وجه حق. وهذا يفسد المعايير السليمة من جهة، وينشر علاقات وقيماً غير سليمة، مما يفاقم المشكلات، ويعرض المجتمع والدولة والسلطات والمؤسسات إلى ما لا تحمد عقباه، ولا يشكر حين يذكر، وما لا يسلم العمل والإنتاج والناس من عواقبه السيئة.        

نحن أبناء أمة مستهدَفة من أعدائها بوضوح، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وروحياً، ولها قضية مركزية هي قضية فلسطين، وفي كل قطر من أقطارها صراع داخلي، وأزمات داخلية ومشكلات تحتاج إلى جهود وأموال وحلول.. ولمعظم من أقطارنا العربية علاقات مع أعداء الأمة، تفوق ما لكل منها من علاقات مع أقطار عربية وإسلامية، فضلاً عما نعاني منه من صراعات عربية ـ عربية، وعربية إسلامية نساق إليها أحياناً لنخوض حروباً بالوكالة، ومدفوعة القيمة من أموالنا وثرواتنا وأرواح أبنائنا.. أفلا يجدر بنا أن نتوقف عند هذه المعطيات والأوضاع، ونحن في خضم مخاض عسير، قد يفضي إلى غير ما نتطلع إليه، إذا لم نتبصر في كل دقائق ما نقوم به من فعل في داخل كل قطر ، ولى مستوى الأمة بكاملها؟  نعم إن هذا من أوجب الواجبات وأولى الأولويات، ومسؤوليته تقع على عاتق القيادات السياسية المسؤولة أولاً وثانياً وثالثاً، ولكن تلك المسؤولية تقع أيضاً على من يخوضون ضدها أو معها، صراعاً لا يراعون فيه، كما لا تراعي هي فيه، ما ينبغي أن يكون فوق مصلحة أي طرف من الأطراف المتصارعة، لأنه يتقاطع مع مصلحة الشعب والوطن والأمة، وأن على كل منها أن يأخذ بالاعتبار الأوضاع المحيطة بالوطن والأمة، وما ينتظره أعداؤنا من فرص لينقضوا على ما تبقي منا.؟

لم نعد نحتمل ضريبة الدم المجاني الذي يهدر هناك وهناك في أرض العرب، ولا صيحات الأمهات الثكالى، ورؤية من يَقتل ومن يُقتل في المعارك والمواجهات والساحات والطرقات.. وإذا كان هناك من يسوِّغ هدر الدم بالقول إنه المشاعل التي ستنير الظلام، لكي ينبلج فجر الحرية والديمقراطية في ليل العرب، وينتهي الاستبداد والظلم والقهر، والفساد والإفساد..إلخ، فإنني أقول نعم إن لكل خيار ثمن، ومن حق الشعب أن يرفع عن نفسه المظالم، وأن يتصدى للاستبداد والتآمر والاستعمار والتدخل الخارجي بكل أشكاله.. وأنه من حقنا أن نتطلع أو أن نحلم بأن الأجدر بنا، طالبين ومطلوبين، في أي طرف كنا أو وقفنا أو ناصرنا، أن نعمد إلى أساليب وطرق ووسائل تؤدي إلى الأغراض المنشودة في الداخل، من دون دفع ضريبة الدم البريء الذي علينا أن نوفره لمعركة لا بد لنا من أن نخوضها وندفع فيها ضريبة الدم، وهي معركة تحرير الأراضي التي يحتلها العدو الصهيوني، وعلى رأسها القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟! نعم إن تحريرها يحتاج إلى أحرار، فالعبد لا يحرر، والمنطق يقتضي الأخذ بذلك بشقيه ومن زوايا النظر جميعاً، ولكن لا بد في الوقت ذاته من وضع حد للتسلط والقهر، وللعنف المجاني وانفلات الغرائز، وتأثير الكذب والافتراء في إراقة الدم وتشويه الحقائق والوقائع.. ووضع حد لكل الممارسات التي لم يعد يقبل بها أحد ولا يطيقها أحد.. ومن ثم وضع المطالب الشعبية المحقة، موضع التنفيذ، ووضع أساليب المطالبة العقلانية الموضوعية المنطقية موضع التنفيذ أيضاً، وأن يأخذ كل دوره ومكانه، ويقوم بواجبه وفق الشرعية والمشروعية والواجب الوطني والوعي المسؤول.

أعتقد أن نعم.. وكل منا مطالب بأن يعمل ما عليه، من موقعه، وفق القانون والوجدان والمسؤولية الوطنية والأخلاقية، ودون أيما إبطاء أو مغالاة أو غلواء.. 

وقل اعملوا..

   

 

 

 

انشر عبر