شريط الأخبار

غالنت: "تقوية واضعاف حماس، دون احتلال غزة"..هآرتس

11:32 - 08 تموز / أبريل 2011

بقلم: يوسي ميلمان

في 12 أيار 2008 التقى رئيس جهاز الامن العام "الشاباك" – المخابرات يوفال ديسكن مع وزير المخابرات المصري في حينه عمر سليمان. وبحث الرجلان في احتمالات تحقيق وقف النار (تهدئة) بين اسرائيل وحماس وباقي المنظمات الفلسطينية الصغيرة العاملة في غزة. في تلك الفترة وقعت احداث عديدة لاطلاق صواريخ وقذائف هاون من غزة نحو بلدات الجنوب وسجلت عمليات عديدة على طول الجدار.

        في الغداة، التقى ديسكن مع سفير الولايات المتحدة في اسرائيل في حينه، ريتشارد جونز. في 22 ايار بعث جونز الى واشنطن ببرقية مفصلة عن مضمون اللقاء. فقد وصف ديسكن لقاءه مع سليمان بانه "مثير للاهتمام" واضاف بان "هذا كان لقاءا باجواء طيبة، تلفه الاكاذيب بالضبط مثلما يحصل في الشرق الاوسط".

        وحسب اقواله مع أن "سليمان يفهم اسرائيل، فان موقفه وموقف الحكم المصري من الوضع في غزة هو موقف من يريد كسب الوقت، ولكن ليس حقا حل المشكلة". وفي السياق يتبين من برقيات ارسلت الى واشنطن بان لاسرائيل ايضا لا يوجد حل للوضع الناشيء. فقد روى ديسكن انه قال لسليمان ان اسرائيل ستكون مستعدة، في ظروف معينة، للوصول الى وقف للنار مع حماس وان "سليمان فوجىء بالسماع ان اسرائيل توافق على التهدئة".

        وفصل ديسكن شروط اسرائيل لوقف النار: وقف مطلق لكل عمليات الارهاب ووقف تهريب السلاح من سيناء. كما أنه شدد على أن "اسرائيل لن تحتمل أي توجيه للنشاط الارهابي من غزة للضفة".

        في هذا الشأن روى للسفير بانه في الماضي كشف جهازه كيف أن "البنى التحتية الارهابية في غزة مولت ونقلت التعليمات لنشطاء في الضفة". وحذر ديسكن من أنه اذا تبين بعد الاتفاق على وقف اطلاق النار بان حماس لم تلتزم به، فسترد اسرائيل بهجوم على اهداف في القطاع.

        رغم أنه عرض موقف اسرائيل الرسمي، اوضح ديسكن بان "المخابرات لا تحب فكرة التهدئة"، وانه، مثل كثيرين في الحكومة، "يشك في امكانية أن توافق حماس عليها او أن تصمد التهدئة".

        في برقية كتب جونز ان "ديسكن وكثيرين آخرين في اسرائيل يعتقدون بان على اسرائيل أن تدخل بالقوة الى غزة وان تضرب تعاظم البنى التحتية الارهابية هناك. وكلما كان أبكر كان أحسن". وعليه، قال ديسكن انه "مع أن احدا منا لا يحب فكرة العملية العسكرية، فاننا نعتقد بانها محتمة (...). عملية برية يمكن أن تؤدي ربما الى خسائر بشرية، ولكنها ستكون اكثر نجاعة من الوضع الحالي".

        وادعى ديسكن بان الخيار الافضل لاسرائيل هو "هجوم بري يسمح للجيش الاسرائيلي بالسيطرة على جنوب القطاع ووقف تهريب السلاح". وشدد على أنه يحتمل أن تؤدي عملية عسكرية الى أن تكون اسرائيل "مطالبة بممارسة ضغط على حماس على مدى اشهر أو سنوات". وبتعبير آخر، فان خطة المخابرات الحربية، كما فصلت امام الامريكيين، كانت احتلال جنوب قطاع غزة لفترة زمنية طويلة بقدر ما تحتاجه الامور.

        بعد نحو سبعة أشهر من لقاء ديسكن مع جونز، انطلق الجيش الاسرائيلي الى حملة "رصاص مصبوب"، وان كان في صيغة تختلف عما اقترحه ديسكن.

        ثلاث دوائر

        بعد نحو سنة من انهاء القتال التقى ممثلون من اسرائيل والولايات المتحدة في الحوار الاستراتيجي الذي يجري كل سنتين ("مجموعة العمل العسكري – السياسي"). غزة والمشاكل التي تطرحها احتلت جزءا هاما من جدول الاعمال. في تقرير السفارة الامريكية في تل أبيب ليوم 18 تشرين الثاني 2009، كتب أن ممثلي شعبة الاستخبارات شرحوا بان احد اهداف الحملة كان "الحاق ضرر بقدرة حماس على انتاج السلاح. من هذه الناحية نجح الجيش الاسرائيلي ولكن رغم ذلك فان حماس تعيد بناء قدراتها".

        ممثلو شعبة الاستخبارات وصفوا "ثلاث دوائر لتهريب السلاح وطرق تمويله"، واشاروا الى أن مساعي حماس للحصول على السلاح تصل حتى الصين. دائرة تزويد السلاح الاولى تضم ايران، سوريا، لبنان وليبيا، التي هي موردات السلاح. الدائرة الثانية تتشكل مما وصف بانه "المناطق الانتقالية" (والمقصود الدول التي يمر من خلالها السلاح) مثل اليمن، السودان وارتيريا. الدائرة الثالثة، الاقرب، تتضمن مصر، شبه جزيرة سيناء ومحور فيلادلفيا – حدود القطاع – التي تدخل ارساليات السلاح عبره.

        رئيس الوفد الامريكي روبرت ماغي (المسؤول الكبير في وزارة الخارجية ومنسق المواضيع العسكرية – السياسية)، طلب أن يعرف كيف تتوزع التهريبات بين البحر، الجو والبر. ممثلو شعبة الاستخبارات اجابوا بانه "يصعب تقدير ذلك"، ولكنهم اشاروا الى أن المهربين يفضلون في البداية المسار البحري "حيث توجد عراقيل أقل" وانه "المرحلة الاولى في العملية هي دوما برية".

        وقال ضابط اسرائيلي كبير ان "المهربين يستخلصون الدروس ويطورون معابر برية جديدة". وعندما سأله مندوب امريكي عن التهريبات الجوية التي تمر عبر ايران وتركيا، المح الضابط الاسرائيلي بان "تركيا واعية لهذا النشاط".

        وسارع مندوب الموساد الى تلطيف الامور بعض الشيء واشار الى أن "تركيا غير واعية بكامل حجوم الظاهرة". وحسب اقواله فان "للحرس الثوري" الايراني، المسؤول عن تهريب السلاح لحماس (وحزب الله ايضا) توجد "تجربة جمة في هذا المجال".

        في سياق المداولات اشتكى ممثلو اسرائيل بان مصر لا تفعل ما يكفي لمنع التهريب. رئيس القسم السياسي -  الامني في وزارة الدفاع في حينه، اللواء احتياط عاموس جلعاد، اشار الى أن "التهريبات هي مصلحة عمل مزدهرة للجميع، بما في ذلك حكومة مبارك".

        هذا الموضوع طرح ايضا في حديث ديسكن وجونز، في ايار 2008. في حينه روى رئيس المخابرات عن كبير في حماس، يرتبط بالقاعدة ايضا، وصل الى مصر ومن هناك انتقل الى غزة "كي يحسن قدرة حماس في مجال الصواريخ وتدريبهم في مجال الطائرات الصغيرة بدون طيار".

        اسرائيل، حسب البرقية التي بعث بها جونز، نقلت الى السلطات في مصر تفاصيل دقيقة عنه، بما في ذلك رقم جواز سفره الذي استخدمه لدى دخوله الى مصر وارقام الرحلات الجوية التي وصل فيها، على أمل ان تعتقله المخابرات المصرية، ولكن "المصريين لم يعملوا وفق ذلك".

        لشدة الحظ، كما اشارت البرقية، اعتقلته الشرطة المصرية في سيناء لاسباب اخرى تماما ودون علم المخابرات. وحتى بعد اعتقاله رفضت مصر تأكيد ذلك و "فقط بمساعدة امريكية أبقته مصر قيد الاعتقال ولم تطلق سراحه".

        رقابة وثيقة

        في حوار مع ممثلي الولايات المتحدة في تشرين الثاني 2009 لاحظ مندوب شعبة الاستخبارات بانه "مطلوب التزام وطني مصري بمنع التهريب، اقامة سلسلة واضحة من القيادة والتحكم بسكان سيناء، معالجة منهاجية للانفاق، اعتقال، محاكمة وحبس المهربين والتغلب على العراقيل التقليدية للرشوة وانعدام التنسيق".

        وأثنى مندوب آخر لشعبة الاستخبارات على المصريين لاعتقالهم بعض المهربين ولكنه اضاف بان "آخرين لا يزالون يتجولون احرارا". مندوب الجيش الاسرائيلي قدر بانه في النصف الثاني من العام 2009 فجر المصريون بين 20 و 40 نفق. وعقب على ذلك احد المندوبين الامريكيين، توم غولدبرغر فقال ان المعطيات التي لديه تفيد بان المصريين اكتشفوا وفجروا نحو 200 نفق.

        وطلب غولدبرغر من اسرائيل ان تدخل المزيد من البضائع والمنتجات الى غزة للتخفيف من أزمة السكن فسارع جلعاد الى التعقيب بان "لا قيود على البضائع المدنية". وعندما سأله غولدبرغر "ماذا عن الاسمنت والحديد؟" اوضح جلعاد بالقطع "لن نوافق على ان تبني حماس الاستحكامات ولهذا فلن يصار الى ادخال الاسمنت والحديد".

        وروى ناطقون اسرائيليون آخرون بان مهربي السلاح تعلموا كيف يتغلبوا على الحاجز التحت ارضي الذي بنته مصر في حدود القطاع في أنهم عمقوا الانفاق الى ما تحت الحاجز الفولاذي.  وقالوا ان "الحل هو ان يلغم المصريون بشكل دائم مناطق محددة قرب الحدود، بعمق 20 – 30 متر، وان يستخدموا وسائل الصدمة الكهربائية أو أن يدخلوا الدخان الى فتحات الانفاق.

        وبرأي المتحدثين من اسرائيل، على مصر أن توسع العائق في قلب الارض حتى عمق 90 متر وان تشرف بشكل وثيق على المباني في المناطق البلدية (المقصود على ما يبدو رفح المصرية). وذلك مع التشديد على المنازل ذات الاسطح الجديدة، التي قد تخفي فتحات انفاق، طرق جديدة وتجمعات لشاحنات.

        من تداول الحديث، مثلما ايضا من برقيات اخرى بعثت بها السفارة في تل ابيب الى واشنطن، يتبين بوضوح ان سياسة اسرائيل تجاه قطاع غزة وحماس ليست واضحة وانه لا توجد عمليا عقيدة مرتبة بالنسبة اليها. مع ذلك، فالبرقيات المختلفة كتب صراحة ان اسرائيل معنية بتعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة، الرئيس محمود عباس (ابو مازن) ورئيس حكومته سلام فياض، وان كان هنا ايضا اتخذت غير مرة خطوات تتعارض وهذه الرغبة. هكذا، مثلا، تردد ديسكن في 2008 في الاستجابة لطلب الامريكيين السماح لقوات الامن الفلسطينية بالتزود بسترات واقية، مدرعات وسلاح اضافي. وشرح ديسكن تحفظه في أنه "يوجد قدر أكبر مما ينبغي من السلاح والذخيرة في الضفة الغربية".

        من المسؤول

        ولكن يحتمل أن يكون التعبير الاكثر وضوحا عن عدم قدرة اسرائيل على بلورة خط عمل ثابت وواضح تجاه غزة وحماس وجد تعبيره في اقوال قالها للامريكيين قائد المنطقة الجنوبية في حينه، اللواء يوآف غالنت بعد نحو سنة من "رصاص مصبوب".

        في 11 تشرين الثاني 2009 افادت السفارة الامريكية في تل أبيب واشنطن بان "الاسرائيليين يتمتعون بالوضع الامني الافضل منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وذلك كنتيجة لان الاستخبارات الاسرائيلية نجحت في الحاق الهزيمة بشبكات ارهاب الانتحاريين في الضفة الغربية. وجاء في البرقية ان "المسؤول عن غزة (غالنت) لاحظ على مسمعنا بان القيادة السياسية في اسرائيل لم تحسم بعد أي سياسة معنية هي باتخاذها، ولا تزال لم تختر بين سلم الاولويات. وشرح غالنت بانه على المدى القصير، معنيون في اسرائيل بان تكون حماس قوية بما يكفي بفرض إمرتها ومنع نار الصواريخ نحو اسرائيل.

        "ومع ذلك، في المدى المتوسط تفضل اسرائيل منع حماس من تثبيت سيطرتها في غزة. ومع أنه على المدى البعيد تتطلع الى الامتناع عن وضع تضطر فيه الى السيطرة على القطاع واخذ المسؤولية عن رفاه السكان المدنيين في أيديها". يمكن التساؤل كيف يمكن لاسرائيل أن تجسر بين هاتين الارادتين المتناقضتين: الرغبة في تعزيز حماس، او اضعافها وفي المستقبل الامتناع عن الحاجة للسيطرة على القطاع.

انشر عبر