شريط الأخبار

ملحمة جنين.. الدليل الأول على كشف هشاشة الجيش الذي لا يقهر

01:47 - 07 تشرين أول / أبريل 2011

ملحمة جنين.. الدليل الأول على كشف هشاشة الجيش الذي لا يقهر

 كتب :خالد صادق*

في الوقت الذي كان فيه الكيان الصهيوني يروج لقوة وصلابة جيشه ويصفه بأنه "الجيش الذي لا يقهر", وأن "إسرائيل" هي القوة الرابعة عسكريا على مستوى العالم بعد أمريكا وروسيا وبريطانيا, وأنها تملك سلاحا جويا قادرا على تحقيق النصر والفارق لـ"إسرائيل", كان الدليل العملي الأول على زيف هذه الادعاءات "ملحمة جنين البطولية"، والتي قادها الشهيد المجاهد البطل محمود طوالبة برفقة زملائه الشهيد يوسف ريحان "أبو جندل" والشهيد محمود الحلوة، والقائدين الأسيرين البطلين الحاج علي الصفوري وثابت مرداوي, وغيرهم من القادة العظام من كل فصائل المقاومة الفلسطينية.. لقد تكفل هؤلاء القادة بكشف زيف هذا الجيش وكذب ادعائه, لتتوالى بعدها الضربات المتلاحقة والموجعة للجيش الصهيوني في لبنان وغزة, ولتهتز ثقة الإسرائيليين بجيشهم الذي لا يقهر وليدركوا زيف هذه النظرية.

قبل تسع سنوات كانت ملحمة جنين البطولية وكان الصمود الأسطوري لأهالي المخيم في وجه الترسانة العسكرية الصهيونية, لم يستطع الاحتلال حينها اقتحام المخيف والقضاء على المقاومة داخلة, رغم أن ثلاثة كتائب عسكرية صهيونية تعاقبت عليه لاقتحامه, لكنها فشلت وخسرت في العدة والعتاد, فلجأ الجيش الصهيوني الهمجي لاستخدام الجرافات والبلدوزرات الضخمة لهدم المخيم على رؤوس ساكنيه؛ ليرتقي الشهداء تباعا تحت أنقاض البيوت؛ فيستشهد محمود طوالبة قائد المقاومة في المخيم وأبو جندل وغيرهم من عشرات المجاهدين والمدنين العزل, وليتبين للعالم مدى دموية الاحتلال وتغوله وعدم أخلاقيته وانتهاكه لكل المواثيق والأعراف الدولية.

هذا الانتصار للمقاومة الفلسطينية في جنين مثّل ضربة موجعة آنذاك للكيان الصهيوني, فتعاقبت الضربات العسكرية وتوالت على محافظة جنين ومخيمها في محاولة للقضاء نهائيا على المقاومة, وتحملت حركة الجهاد الإسلامي العبء الأكبر من هذه الضربات؛ لأن قائدها محمود طوالبة ومجاهدي السرايا كانوا يقودون المقاومة وأثبتوا قدرة كبيرة على الصمود والثبات وإيقاع الخسائر في صفوف الاحتلال. لقد تعهد قادة الكيان الصهيوني العسكريين بالقضاء على الجهاد الإسلامي في جنين, فلاحقوهم وقتلوهم وزجوا بالمئات منهم في السجون الصهيونية, لكن كل هذا لم يضعف الحركة ولم يفت في عضدها ولم ينهها, بل خرج الاستشهاديون الذين تربوا على يد محمود طوالبة بالعشرات من جنين ومخيمها وقراها؛ ليفجروا أجسادهم الطاهرة في قلب الكيان ويوقعوا بينهم أكبر الخسائر, وليعلم بذلك الاحتلال أن حربه على جنين لم تفشل فقط, إنما خرّجت أجيالا من الاستشهاديين والمجاهدين قادوا مرحلة جديدة من المقاومة لم يستطع الاحتلال أن يتعامل معها, وأيقن بأنه لم يحقق أهدافه من عدوانه على جنين فلجأ لـ"السلطة الفلسطينية" كي تقوم بهذا الدور. 

مارس الاحتلال سطوته على السلطة الفلسطينية وبدأ يملي عليها شروطه, فلكي ينسحب من مدن الضفة الغربية عليه دفع الثمن وملاحقة "ما أسماها بجيوب المقاومة" وخاصة من المجاهدين من أبناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي, وسحب سلاحهم والزج بهم في السجون.. هكذا حاول الاحتلال أن يستخدم الفلسطينيين في مؤامرة جديدة لضرب بعضهم بعضا, ومنحت الاتفاقيات المجحفة الاحتلال إمكانية دخول المدن وملاحقة المقاومين لقتلهم واعتقالهم, واتسعت المؤامرة في محاولة لتحويل جنين من مدينة صمود ومقاومة أذاقت الاحتلال الصهيوني الويلات إلى مدينة فن وترف ورفاهية, لكن جنين التي جُبل ترابها بدماء الشهداء الأطهار.. جنين التي تعيش الآن الذكرى التاسعة لمعركتها المجيدة.. جنين التي زفت مئات الاستشهاديين ممن أذاقوا الاحتلال الويلات.. هذه "الجنين" لن تروض ولن تخمد ثورتها ولن تنطفأ جذوتها, وستنتفض في وجه المؤامرات وسترسم ملامح عزها ومجدها التليد من جديد.

لن تستطيع السياط التي تتهاوى على ظهرها أن تنتزع ممن فيها كلمة استسلام.. ستبقى جنين وفية لتاريخها وملحمتها ودماء شهدائها وجرحاها.. ستبقى وفية لترابها الطاهر الذي أبى الذل والمهانة.. ستبقى جنين موج البحر الهادر الذي لا ترده تلك السدود المشيّدة عن وجهته نحو شاطىء الأمان.

هي ذكرى الملحمة والبطولة إذن.. جاءت لتعيدنا إلى أسلافنا من أحراش يعبد حتى حدود المخيم.. جاءت لتغرس فينا براكين الثورة.. لتمنحنا وسام النصر من جديد حتى نلتحق بركب الشهداء الأطهار.. جاءت لتسمعنا أزيز رصاص محمود طوالبة وهو يحاصر جيشهم الهزيل, وصرخات الجنود يتوسلون العفو والغفران, ويلعنون قادتهم الذين أرسلوهم إلى الجحيم.

لم تكتمل الرحلة بعد ولم تصل إلى نهايتها, لكنها تخط ملامحها الأخيرة وتقتفي أثر الأسلاف.. تنادي بأعلى صوتها: "يا دمنا دلنا على دمنا".. إنها دماء القسام وطوالبة وأبو جندل والزغير وهنادي جرادات وآلاف الشهداء.. ستبقى جنين تفضح هشاشة الجيش الذي لا يقهر, وهشاشة المنظومة الأمنية الصهيونية, وهشاشة الجدار والحصار.. هيا يا جنين انثري عطرك على وجه الوطن وامسحي دموعه الملتهبة, وابعثي البدر ليوقظ وجهه المشرق.. فالفجر قادم من جديد.. 

 

رئيس تحرير صحيفة الاستقلال

انشر عبر