شريط الأخبار

شاليط والبرغوثي.. والمقارنة المؤلمة

10:39 - 04 كانون أول / أبريل 2011


شاليط  والبرغوثي.. والمقارنة المؤلمة

بقلم / عبد الناصر عوني فروانة

 

في مثل هذا اليوم من العام الماضي كتبت مقالاً عنوانه " عميد أسرى العالم " غير معروف لدى شعبه وشاليت يعرفه العالم " ، واليوم وبعد مرور عام على نشر المقال ، لا يزال " شاليت " هو الأسير الأكثر شهرة في المنطقة والعالم ، والشخصية الأكثر جاذبية لدى المؤسسات الدولية التي تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان ، لدرجة أنها فتحت أبوابها واستقبلت ممثلين عنه ، وقلَّبت سجلاتها لتحفر اسمه في وثائقها الرسمية ، وطالبت مرارا بضرورة الإفراج عنه دون شروط ، وصورته دخلت وتدخل باستمرار محافل عالمية وقصور زعماء ورؤساء دول عظمى .

 

- " شاليت " هو اسم لجندي " اسرائيلي " أسر في السادس والعشرين من حزيران / يونيو عام 2006 وهو على متن دبابة متطورة ، ضمن قوات عسكرية مُحتلة جاءت لقطاع غزة لتقتل الأطفال وتدمر مساكن الأبرياء وتقتلع ما تبقى من أشجار البرتقال الحزين .

أما " عميد أسرى العالم " وهو لقب لأسير فلسطيني اسمه " نائل البرغوثي " اعتقل في مثل هذا اليوم من عام 1978 وهو يقاوم الاحتلال في إطار مقاومة مشروعة تكفلها كافة المواثيق والأعراف الدولية ،  يجهل العالم اسمه ويغض النظر عن معاناته ، ويصمت حينما تُستحضر سيرته ويدير ظهره إذا حضرت صورته ، ويرفض قادته وممثلي مؤسساته المتعددة لقاء ممثلين عنه ، ويتهرب الزعماء والشخصيات الرسمية من لقاء أطفال رفاقه الأسرى.

 

- " شاليت " أسير في ضيافة المقاومة الفلسطينية بقطاع غزة ، يُعامل وفقاً لتعاليم الدين الإسلامي وفقاً لتصريحات قادة الفصائل الآسرة ، ويُحتجز في ظروف إنسانية هي الأفضل ، ويُخشى عليه من خطر الموت والمرض ، أو أن يُخدش أو يُمس بسوء .

فيما " البرغوثي "  يُحتجز في ظروف هي الأقسى في العالم والأقل إنسانية والأكثر ألماً ومعاناة ، وتتفنن " إسرائيل " في ابتداع واستحداث السبل التي من شأنها المساس وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي به ، وتُمعن في مصادرة حقوقه الدنيا التي تنص عليها المواثيق والاتفاقيات الدولية .

 

- " شاليت " لم يرَ أهله منذ أسره قبل قرابة خمس سنوات وبرأيي لو أن الظروف الأمنية بغزة تسمح بالزيارة دون ان تشكل خطرا على حياته وحياة آسريه ، لأتيح له ذلك منذ اليوم الأول لأسره ، فيما أهالي الأسرى من قطاع غزة من الدرجة الأولى ممنوعين بشكل جماعي من زيارة أبنائهم منذ أربع سنوات ، وهناك الآلاف من ذوي الأسرى عموماً ممنوعين من زيارة أبنائهم وآبائهم منذ سنوات طويلة تصل إلى أكثر من 15 عاماً عقابا لهم وانتقاما منهم ومن ذويهم تحت ذريعة ما يُسمى " المنع الأمني " .

 

- " شاليت " سيطر على الإعلام الإسرائيلي وحظيّ بمساحات لم يحظَ بها رئيس وزراء من قبل ، وجُند الرأي العام لجانب قضيته ، وشُكل جيش للتضامن معه أطلق عليه ""جيش الأصدقاء من أجل جلعاد"، فانضم اليه العديد من المشاهير والشخصيات المهمة من المغنيين والممثلين والرياضيين والسياسيين والعسكريين البارزين في إسرائيل .

فيما " البرغوثي وأمثاله من القدامى ، لم يستحوذُ سوى على القليل من المساحات في وسائل الإعلام الفلسطينية وحضورهم نادرا في الإعلام العربي ، وجيشهم متذبذب من حيث الأعداد والأرقام وأحياناً لم تجد منه أمام مقار الصليب الأحمر سوى العشرات ، أما مشاهيرنا من العرب والمسلمين وحتى الفلسطينيين فهم خارج الخدمة لم نسمع لهم صوتاً ولم نقرأ لهم كلمة ، و لم نرَ لهم أية مشاركة ، إلا ما ندر وفي المناسبات كـ " يوم الأسير الفلسطيني " حيث تُكثر فيه الكلمات والمشاركات وتتحرر فيه الأقلام وسنعاني من زحمة البيانات .

 

- " نائل البرغوثي " أسير فلسطيني دخل اليوم عامه الرابع والثلاثين في سجون الاحتلال بشكل متواصل ، وبصموده وثباته حفر اسمه قسراً ومنذ سنوات في موسوعة " غينتس " للأرقام العالمية ، كأقدم أسير في العالم ، فيما فشلنا نحن وحتى اللحظة في حفر اسمه أو ادراج قضيته في المنهاج التعليمي ، أو في الكتب المدرسية الفلسطينية ، ولم ننجح بعد في أن نحجز له مكانة ثابتة في ذاكرة الفلسطينيين كل الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتها وتنوع فئاتها .

أما خطواتنا لجعل اسمه عنواناً عربيا ودوليا لملف مؤلم يُطلق عليه مصطلح " الأسرى القدامى " . لا تزال بطيئة ، وعلى الرغم من اختراقنا لحاجز الصمت الدولي ، عبر اللقاءات و المؤتمرات الدولية التي عقدت في غزة وأريحا وفي العديد من العواصم العربية والدولية ، فاننا لم ننجح بعد في تغيير المعادلة .

 

- وما بين الخمس سنوات التي هي عمر " شاليط " في ضيافة المقاومة ، والثلاثة والثلاثين عاماً هي اجمالي فترة وجود " البرغوثي " في جحيم سجون الإحتلال ، عشرات السنين وآلاف القصص والحكايات ، وفصول طويلة من المعاناة والمأساة ، تتشابك فيما بينها لتنسج حكاية مع الأسر هي الأبشع على مدار تاريخ السجون في العالم ، حكاية بدأت فصولها منذ عقود طويلة من الزمن ولم تنتهِ بعد ..!!

وأخشى أن تصبح مهمتنا هي التسابق الإعلامي في رصد السنوات التي أمضاها " البرغوثي " ورفاقه القدامى في سجون الإحتلال وأن تصبح أخبارهم هي مجرد أخبار عادية وعابرة وغير مؤثرة على المواطن العربي والفلسطيني ، مما يستدعي منا جميعاً البحث عن أساليب وآليات أكثر تأثيراً وجدوى لجعل قضيتهم هي قضية كل بيت وهم لكل مواطن فلسطيني وعربي وأسمائهم تسكن قلوب وعقول وذاكرة أبناء شعبهم وأمتهم .

 

- المسؤولية جماعية فـ " البرغوثي " يمثل قضية عادلة وعنواناً لقائمة طويلة من الأسرى القدامى وعمداء الأسرى وجنرالات الصبر ... وهم جميعاً مفخرة لنا وتيجاناً على رؤوسنا ، وبقائهم في سجون الإحتلال  هو أمر مخجل ومؤلم لنا ولكل فلسطيني وعربي ، هو أمر محرج للفصائل كافة والمقاومة الفلسطينية والعربية جمعاء .

ولتكن الوقفة التضامنية اليوم مع البرغوثي، وغدا مع رفاقه القدامى ، أكبر من مجرد اعتصام محدود أمام مقار الصليب الأحمر ، وأكثر من كلمات تُكتب هنا وهناك .. فهم بحاجة إلى حملة وطنية شاملة للتعريف بهم وبقضيتهم .

 

ويقول فروانة في مقالته : ولو كنت أملك القرار لأوقفت الحركة نهاراً في كل فلسطين بمؤسساتها وشوارعها وأطلقت أبواق السيارات لمدة 33 دقيقة .. وأدخلت فلسطين ليلاً في ظلام دامس كظلام الزنازين طوال 33 دقيقة فقط ، ولطلبت من المؤسسات التعليمية بتخصيص 33 دقيقة للحديث عن " عميد أسرى العالم  " ، ولتبنيت وعممت فكرة نادي الأسير في طوباس وطلبت من كافة المؤسسات الرسمية والأهلية بوقف العمل لمدة 33 دقيقة وعدم اقتصار الأمر على طوباس .

لو كنت أملك القرار لألزمت مكتبات فلسطين بتعدد أسمائها وأماكن وجودها بأن تشتمل على أسماء وصور البرغوثي ورفاقه القدامى و" عمداء الأسرى " و " جنرالات الصبر " ، كشرط لبقاء أبوابها مفتوحة ، ولطلبت من كافة السائقين بوضع شعار الحرية للاسرى القدامى على سياراتهم كشرط للسماح لها بالسير على الطرقات .

ولو كنت مسؤلاً عن الإعلام الفلسطيني لوضعت صور " البرغوثي " وجنرالات الصبر بشكل ثابت على كافة شاشات الفضائيات والمرئيات الفلسطينية طوال هذا اليوم .. وكذلك المواقع الألكترونية ، وألزمت الإذاعات المحلية ببث برنامج مشترك لمدة 33 دقيقة يخصص للحديث عن البرغوثي والأسرى القدامى .. وأن تكون الصفحة الأولى من الصحافة المقروءة مخصصة لصورهم .

وحينها أجزم بأن الطفل قبل الشيخ ، الطالب قبل المعلم ، العجوزة قبل الفتاة ، سيعرف " البرغوثي "  وسيحفظ اسمه وأسماء رفاقه القدامى ، وسيطبع ملامح وجهه في مخيلته ، وسيسأل طوعاً عن سيرته وسيبحث عن آلية للتضامن معه ومساندته ؟ 

فالمقارنة مؤلمة وبانتظار من سيقلب المعادلة .. فهل وصلت الرسالة .. ؟.

انشر عبر