شريط الأخبار

ماهر رجا يكتب : القدس في مهمة الحراسة !

02:50 - 02 حزيران / أبريل 2011

 

                       ماهر رجا يكتب : القدس في مهمة الحراسة !

 

لا شيء يبدو في القدس كحال ما يحيط بها من هذا الامتداد العربي الشاسع.. مشغول هذا المدى العربي عن القدس الآن، بعيد عنها وذاهب ما بين تأييد صفات العصر العربي الجديد وتأبيد الغزاة، ومع أن المسافات قصيرة  إليها، إلا أن ذلك يصبح مجرد احتمال حسابي لزلة الجغرافيا، فالمدينة وحدها مثل جزيرة في محيطات مجهولة.

أحد من عادوا من تلك الرحلة التي تبدو في الخيال مستحيلة: الرحلة إلى القدس-  أحدهم رأى ما يحدث فيها في يوم واحد  .. يوم واحد فقط، بيد أن رحلة لشخص واحد بقلب واحد إلى القدس ستبدو مغامرة قاسية، فأنت تحتاج إلى ألف قلب لتجرؤ على رؤية وجه القدس لأول مرة.

لا تستطيع أن تسأل من ذهب إلى القدس السؤال التقليدي التالي: كيف رأيت القدس ؟، كيف كانت؟" ذلك التساؤل يمكن أن يطرح عن أية مدينة أخرى ، أما القدس فأمر مختلف تماماً. السؤال لزائرها في حالتها سيكون حتماً : كيف دخلت إلى القدس؟ كم جرحاً استطعت أن ترى هناك؟ هل نزفت وأنت تحدق إلى عينيها؟ هل احتمل قلبك كل هذا؟!، ثم أخيرا هل بقيت كما أنت بعد الزيارة أم أن حقلاً من زهر الحنون الفلسطيني نما على نحو وحشي في روحك فصرت ترى كما لا يرى الآخرون!

لا شيء في القدس كباقي المدائن، وفي هذه اللحظات من الحصار يصبح مشهدها أكثر اختلافاً.. في مدخل المدينة، من موضع يتسكع فيه الجنود مطمئنين إلى انتباه البندقية، تدخل إلى القدس، وتقرر أن تسير حافياً، يتساءل من ترافقهم لم فعلت ذلك؟، فتجيب لا أدري، ولكن لم تكفني عيناي كي أرى القدس جيداً، أحاول أن ألمس روح الحصى والتراب، لعلي أرى ما لا يراه الغزاة وأعثر على لغة أخاطبها بها غير لغتي، فأسرار مدينة السماء الفلسطينية لا تدرك بلغة البشر.

لا شيء في القدس يشبه سواها الآن، لكأن الحرب هناك وصلت إلى نهايتها الأولى في المدينة قبل قليل. فعلى الجدران وقع خطى الدخان، وفي الدروب أطياف الشهداء الذين سقطوا قبل قليل، وحول الحرم القدسي حفارات تنبش برك دماء لمحاربين سقطوا على أسوارها باسمين معتقدين أننا سنكمل المواجهة في اليوم التالي.

لا شيء في القدس غريب عن الفاجعة، فكما هي السماء شديدة الانخفاض هناك على جبل المكبر، فإن المأساة قريبة من كل شيْ.. الحصار والحفريات والتهويد والتهجير والجنود في كل مكان.. في الأحياء والزوايا وبين قديم أوابدها يحاول المستوطنون لعبة البحث الدموية عن شبه لهم في تاريخ الحجر ويخفقون، وفي جدران الأقصى تتوغل الأنفاق ، ويرفع اليهودي عند حائط البراق نعيب بوقه معتقداً انه يرهب السماء، وبين حي وآخر بين شارع ضيق وممر يقود إلى الجلجلة، مقدسيون أقاموا الخيام قرب بيوتهم المهدمة أو المحتلة ذات ليل، يراهم العابرون واقفين يهتفون في وجوه عدسات المراسلين الصحفيين: لن نرحل، مع أن كثيرين غيرهم في أماكن عربية أخرى لن يسمعوهم ولن يحفلوا بمشهدهم  وهاجسهم حتى لو انهار المسجد الأقصى.

ترك أبناؤها وحدهم، لكن لا مكان للمساومة هناك، لا مكان للنظرة الكسيرة في أعين أبناء حي المغاربة وسلوان وراس العمود والشيخ جراح. ترى شبانهم في الطرقات، يقفون قرب حائط ، يتأملون هذه المعركة الصامتة بين وجودهم وأحلام المحتلين. تعبر جندية صهيونية من فراغ اللحظة، ويحاول حرس الحدود استعراض هيبة الأحصنة، لكن أبناء القدس يقفون في قلب الصورة يرفعون حائطاً مهدوماً و يربّون فكرة للمقاومة.

أبناء القدس، وقد عز السلاح، وغابوا عن مشاغل أهل السلطة حيثما وجدوا، واكتفى الناطق الرسمي بصليل التصريحات ، أبناء القدس في هذا لا ينتظرون من يهتف بهم "اصمدوا" ولا يتوقعون شيئاً من أروقة المحافل العربية أو من الجريدة الرسمية. ما يفعلونه ببساطة أنهم باقون.. باقون هناك رغم كل شيء، يلغون الفارق بين المعجزة والممكن، مرة كمحاربي الأساطير يخوضون حربهم بالأكف العارية، ومرة أخرى كبحارة الحكايات الذين يواجهون الأنواء والموج العاتي بغناء الحياة الهادرة في القلوب.

يشتد الجرح فلا يشتكون، وتتقدم جدران الحصار فلا يتراجعون، وقد نراهم  شباناً ولدوا على المفارق يصعدون ظهور الجرافات ويتوغلون في شوارع اكتظت بالغزاة ويبدؤون حصاداً فلسطينياً على طريقتهم، وقد يذكروننا بهم بانفجار هناك يكسر زجاج واجهات النبأ العربي، فنصحوا قليلا من أحاديث التقاسم والمصالحات التي لا تعالج في العمق آفات الانقسام.

مهنة الحراسة المقدسة قديمة في أهل القدس، وهي تزدهر كلما ذهبت هذه الأمة إلى النوم.. تنام أمة كاملة ويبقى المقدسيون في حراسة الصدى والوقت والتاريخ والحجارة .. تنام المدافع والبنادق وشاشات التلفزيون والناطق العربي الرسمي وينام المفاوض على طاولته، أما أبناء القدس فيستيقظون ويحملون وجوههم ويربضون في ركن قريب من لحم الأقصى يرافقهم هاجس واحد: أن تبقى الصخرة واقفة وأن يبقى الإسراء مشعاً.

ناموا أيها الناس.. ناموا، فأبناء القدس الليلة يقفون في مهمة الحراسة.

 

 

انشر عبر