شريط الأخبار

د. علي عقلة عرسان يكتب : درعا .. الحدث

07:04 - 25 تشرين أول / مارس 2011

درعا.. الحدث..علي عقلة عرسان

 

في مدينتي درعا سالت دماء زكية على يدي أشقاء وشركاء في القرار والمصير، وفي مواجهة المحن وحماية الشعب والوطن.. وكان هناك حصار وقتل وخوف، وتوغلت السكاكين في الجراح والأحقادُ في القلوب.. على كره تام منا للحقد ولكل ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة.. فنحن في بلد مستهدَف، وله من مواقفه التاريخية ما يجعل أعداء الخارج والداخل يعملون على النيل منه، بكل الوسائل وفي كل الأوقات. لا أزعم أنني أعرف كم عدد الشهداء الذين سقطوا هناك، ولكنني أعرف بعض الأسماء والعائلات الثكلى وبعض السِّمات، وأتقدم من ذويهم جميعاً بأحر العزاء، فهم مني وأنا منهم، وهم جرحي ودمي وألمي.. لا أعرف الأعداد.. فالأرقام ترتفع وتنخفض حسب الرائين والآراء والمكلفين بتضخيم الحدث أو تقزيمه، والمعنيين باستيراده وتصديره، ولكنني أجزم بأنني رأيت دماً وجثثاً وجنازات، وقوة أمنية وعسكرية مستنفَرة، وأسلحة مشهَرة، وسمعت مناحات واستغاثات وصرخات يختلط فيها الغضب بالفزَع، ورأيت من يكذّب الدموع والباكين والخائفين والناس أجمعين، ويطمئن حجارة الجامع العمري البازلتية الزرقاء التي تهتز من أسى، بأنها ستبقى متماسكة في جدران، على الرغم من احتوائها لمن لا يرى مبرراً لاحتوائهم وحمايتهم؟!. واستمعت.. نعم استمعت إلى تجار الدم والموت والشعارات السياسية والأيديولوجية في الإعلام القريب والبعيد، في فضائيات ووسائل تواصل اجتماعي، ورأيت من تشوقُهم صورُهم على الشاشات حتى وهم يرقصون فوق الأشلاء، رقص عقول ورقص... ، وتناهى إلى سمعي ما في أفواههم من زيف وتزلف ونفاق.. ورافق خاطري بحسرة من "ينتخي ويفزع" من أجل درعا وشبابها وثورتها والضحايا الذين سقطوا فيها وعلى دروبها، فيواجَه بالرصاص، ويهرب فزعاً من الموت، قبل أن يصل إلى جريح ينقذه من الموت، أو إلى جثة في شارع من شوارع البلدة التي تستغيث.

 لست قطعة من حجر ولا أقبل لأي إنسان أن يتحجر، ولا أطيق التعصب والتطرف والفوضى، وأرفض الطغيان والاستبداد والفساد الإفساد، وأردد القول: " أعجب للفقير كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه"، ولا ألتمس عذراً لمن/ ولا أقبل أعذاراً ممن: يتنكر لمبادئه وثوابته وينسى ما كان عليه وما ثار من أجله، وممن يستهين بالقيم والعقائد وحياة الناس ومعاناتهم وحقوقهم وحرياتهم، ويناور ويداور ليبقى في سماء وهم في أرض. ودم الإنسان وحياته وكرامته عندي فوق كل الاعتبارات والشعارات والمبادئ والسياسات، فالإنسان الذي كرَّمه الله غاية، وكل ما عداه وسائل يتوسَّل بها للوصول به إلى الأمن والحرية والسعادة والإبداع في الحياة، وتأمين العيش الكريم له في وطن كريم يليق به.. فالإنسان غاية وكل ما عداه وسيلة تخدمه وتُستخدم من أجل الارتقاء به إلى أفق ومستوى رفيعين، ليكون لائقاً بالتكليف والتكريم اللذين خلق لهما وخُصَّ بهما.

لم يكن تحرك أبناء الشعب العربي السوري الذين تحركوا في درعا من أجل مطالب خاصة بالمدينة أو المحافظة وحدهما، على الرغم من أن لهم أوجاعهم وشكاواهم ومطالبهم الخاصة المشروعة، وعلى رأسها إهمال الدولة لحوران وأهلها إهمالاً أدخلها وأدخلهم دائرة المنسيات وجعل الصبر والصمت سمتهم، وتسليمها مقاليد أمورهم لمن لا يُحسن التعامل معهم، ولا يرعى المصالح العامة حق رعايتها، ويستهين بهم وبأمور تؤدي الاستهانة بها إلى جور وفساد وإفساد، ومن ثم إلى ما يدخل في دائرة عظائم الأمور.. بل كان ذلك التحرك الذي اندفعوا إليه بتأثير مد التحرك الشعبي العربي، من سيدي بوزيد التونسية إلى البحرين، مروراً بمصر واليمن وليبيا، يصب في مجرى مطالب الشعب العربي في سورية التي يعرفها الجميع، من مسؤولين وغير مسؤولين. وبعض تلك المطالب أقرها مؤتمر الحزب في دورته العاشرة وأوصى بمعالجتها، ووعدت السلطة بتنفيذها، وقُطعت خطوات على طريق ذلك التنفيذ، ولكن لسبب ما طال انتظار الناس لها ولم تُنفذ، من دون تقديم مسوغات لذلك تجعل الناس على دراية بالأمور.. وبعض تلك المطالب مما تفتعله وتضجُّ به فئات معينة في أوقات محددة أو كلما لاحت بادرة ما، هي جهات لها برامجها وسياساتها ومصالحها الخاصة التي لا تشكل مصلحة عامة يُجمع عليها الشعب أو تقبل بها أكثريته.. بل في بعضها ما يتعارض مع توجهات الناس وقيمهم وعقيدتهم وثوابتهم الوطنية والقومية، قولاً وعملاً.. مما يجعل من يذهبون إلى القول بمجانية المعارضة السياسية وضلالها في حالات قولاً يستحق التفكير به وتمحيصه، لا سيما حين يكون توقيت تحركها متناغماً مع تهديدات وأحداث وحملات خارجية. 

إن ما أعلن عن اتخاذه من قرارات مساء يوم الخميس 24 آذار 2011 في خطوة حكيمة، جاء نتيجة مباشرة للأحداث التي جرت في درعا، وبدا أنه استجابة لما ارتفع في ذلك الفضاء من مطالب، لكنه كان من مطالب شعبية سابقة تجاوبت معها الجهات المعنية، ومما تقرر تنفيذه من قرارات اتخذت قبل ست سنوات في المؤتمر العاشر للحزب عام 2005، ولم يكن لسلحفائية التنفيذ أسباب مقبولة ولا جدوى ملموسة أو مفهومة، بل ترك ذلك البطء بين أيدي من يتسقطون الأخطاء مادة يلوكونها بألسنتهم، ويعرضونها في المزاد المفتوح على سورية منذ سنوات وسنوات، كما جعل الجهات المعنية تظهر وكأنها تماطل وتناور عن عمد، وتتنكر لما أُعلن عن التوجه نحو تنفيذه في حينه. ولا أرجِّح الأخذ بقول من يقول إن تلك مناورة ومداورة ومحاولة تفلت الجهات المعنية من وعود قطعتها بتنفيذ قرارات اتخذت، وهي قرارات ملزمة لها.. بل أميل إلى الأخذ بوجود آراء ورؤى قاصرة في بعض مفاصل التنفيذ، أو تقصير لا مسوغ له أبداً.

  إن سورية ليست مستثناة من تأثير مدِّ التغيير الذي يجتاح الوطن العربي، والشعب فيها ليس مستثنى من التأثر والمبادرة، ولديها ما يستدعي الإصلاح والتغيير، وما أعلن ويعلن المسؤولون عن ضرورة القيام به. وما زال مجال المبادرة مفتوحاً أمام الإصلاح والتصدي للمهام الكبار التي هي مطالب شعبية ورسمية يمكن الوصول إلى جلاء كل ما يتعلق بها من إيجابيات وسلبيات بالحوار المسؤول.. ولسورية خصوصية قومية واجتماعية وثقافية، وإحداثيات سياسية لا يستهان بها في التأثير على توجه رياح التغيير ومداها وشمولها.. وهي خصوصية يدركها الشعب العربي في سورية جيداً، ويعرفها المنصفون من السياسيين والمفكرين والمثقفين والمهتمين بالشأن السوري الخاص والعربي العام.. وربما كان بعض تلك المطالب يحتاج إلى برمجة ضمن وقت، أو مما يستعصي على التغيير الفوري في الواقع الحالي، أو مما تكون تكاليفه أكثر من باهظة ويحتاج إلى ظروف مواتية، أو مما يدخل في السلبيات قياساً للنتائج وما قد يترتب على نوع التغيير وأبعاده ومنحاه وتوقيته وسبله وأدواته من نتائج.. وكل هذا يمكن أن يتدارسه أهل الرأي من المعنيين بالشؤون الداخلية والخارجية بجدية ومسؤولية وعمق.. ولا أظن أن العقل عندنا مغلق على شيء، إلا إذا دخلنا أو أُدخلنا في دوامات التحديات العُصابية الداخلية التي تُعمي وتُصم. وتلك شرور ينبغي أن نتجنبها بالحكمة والحنكة.. وكلٌ منا مسؤول عن الوطن ومسؤول فيه. 

إن سورية:

ـ  قوة ممانعة لا يمكن تجاوز موقفها، أياً كان رأي المخالفين والمعارضين لهذه الممانعة ودرجتها ومفهومها وهدفها وجدواها.. وهذا الخيار لا يتم القفز فوق حقيقة وجوده ومسوغات استمراره وتكاليفه، وكونه مما تستهدف سورية بسببه، ومن ثم لا يمكن تغييره جذرياً بسهولة.. ولا أتصور أنه يمكن أن يكون مطالباً شعبياً من مطالب التغيير. 

ـ وهي قوة داعمة للمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين وجنوب لبنان، وضد الاحتلال الأميركي ـ البريطاني للعراق، ولأي احتلال لأية أرض عربية، أو لأرض أي شعب، وحاضنة للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ومساندة لهما.. وقد تحملت ما تحملت، مما هو معروف، من جراء هذا الموقف. ولا أظن أنه يمكن أن يكون التخلي عن دعم المقاومة أحد المطالب الشعبية للتغير.

ـ وسورية موقع قومي مشهود له، وربما هي آخر موقع قومي ذي موقف وقوة ورأي في الوطن العربي. ولا يمكن تغيير خيارات سورية وأهدافها القومية، مهما حاول أولئك الذين يعملون على ذلك من الخارج وفي الداخل، لأن سورية ونظامها، أياً كان النظام الذي يحكمها، لا يمكن أن تكون هي هي بتاريخها وموقعها ومكانتها ودورها، أو أن يشكل أي نظام فيها حضوراً مقبولاً، أو يكتسب مصداقية، إذا ابتعدت عن الموقف القومي والخيارات القومية.. فهذا هو تاريخ سورية وهويتها وقدرها.

  ـ ولسورية أرض يحتلها العدو الصهيوني، ويدرك كل أبنائها أن الجولان المحتل ينبغي أن يُحرر، وأن العدو الذي يحتله، ويحتل فلسطين برمتها، لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يمكن أن يكون مقبولاً ومعترفاً به سورياً، فهو العنصرية والاستعمار والخطر الدائم.. وهذا يستدعي ألا تكون سورية عرضة لهزات وصراعات جذرية تفقدها توازنها وقوتها ووحدة شعبها وقوة جبهتها الداخلية، وتدمر نسيجها الاجتماعي وما فيه من مقومات معنوية ومادية عالية.

ويدرك المسؤولون أن أساس قوة سورية ـ وأي بلد يتعرض للاحتلال والتهديد، وله سياسة داخلية مستقلة وطموح وطني وقومي واضح ـ هي في تماسك جبهتها الداخلية وقوة تلك الجبهة وقدرتها على جدولة الأولويات، والتمييز الدقيق بين ما يقوي اللحمة الوطنية وما يضعفها ويستهدفها بالإضعاف.

إن سورية لكل أبنائها، وهم على قدم المساواة في السراء والضراء، شرعاً ودستوراً وقانوناً، خلقاً وديناً وتكويناً اجتماعياً، من حيث الحقوق والواجبات.. وإذا كان يشوب ذلك شوائب، بل يصيبه كدرٌ ثقيل في بعض الحالات والأوقات، وتكمن الشكوى منه كالجمر تحت الرماد، فعلى المعنيين بالأمر، المنتفعين من ذلك والمتضررين منه، في المستويين الشعبي والرسمي، أن يضعوا حداً لهذا الداء القتَّال الذي يفتك بالمجتمع والشعب والدولة.. لأنه مهما تحملته فئة فإن صدرها لا بد أن يضيق به، ومن ثم يتولد من ذلك بركان بعد بركان تنفجر بوجه الوطن والشعب.

لا نريد لبلدنا إلا الخير، والمعارضة الشريفة مثلها مثل السلطة الواعية الشريفة، تحرص على الوطن والشعب، وتضع حداً للتطرف والعنف والفوضى، وتصل إلى الحلول الحكيمة لكل المشكلات العويصة: بصدق النوايا، وإعلاء الشأن العام والمصلحة العليا، واتباع معايير لا ازدواجية فيها، والحكم على الفعل لا على النوايا.. وتحتكم في كل اختلاف للعقل والمنطق والقانون والدستور والديمقراطية، وليس للعنجهية والقوة والسلاح وإراقة الدماء، ولا تسمح بتدخل الأجنبي في الشأن الداخلي، وتسحب الذرائع من بين يديه بكل الوسائل، وتعري أهدافه وأدواته وتكشف أساليبه، ولا تسمح بأن يستقوي به أحدٌ على أحد.. لأن نتائج ذلك مدمرة على المنتصر والمهزوم في هذه الحالة، ويدفع الوطن والشعب تكاليف ذلك حياة المواطنين وحريتهم، واستقلال الوطن والإرادة، وما لا يُقدر ولا يُحصى من مال وثروات واقتصاد..إلخ وهاهي الشواهد المعاصرة أمامنا.. في العراق وليبيا و.. و..

إن الفساد المالي والسياسي والإداري علة العلل في أي مجتمع ولأي نظام، وترياق الصلاح والإصلاح في هذا المجال سياسيٌ وأخلاقي وإداري، والجانب الأخلاقي حاكم فيه مثل سواه.. وقد أعطينا ظهرنا مدة طويلة للأخلاق والمعايير الاجتماعية وأحكامها العامة، حيث خدرنا الشرطي الداخلي ـ الضمير ـ وتركناه في الظل، وتخلخل الحكم الاجتماعي السليم على الأشخاص والأفعال.. واعتمدنا على الشرطي في الشارع أو في السجن أو في أماكن وجود قوة تطبيق " القانون". ويعرف الكثيرون أنه يمكن العثور على ثغرات في القوانين ومنافذ للتحايل عليها، وأن القوانين تشبه لفافات من القطن توضع بين القنافذ المتجاورة حتى لا يدخل شوكها المسماري في جلود بعضها بعضاً.. ولكن ذلك لا يمنعها، عندما تحين الفرص، من أن تتبادل غرس تلك المسامير في جلودها..

فهلا اعتمدنا على شرطي داخلي وشرطي خارجي معاً في العلاقات البشرية لكي نضمن محاسبة الفرد لذاته ومحاسبة القانون له ، ولكي نحد قليلاً من " التشاطر" على القوانين والناس والسلطات، حيث نقيم رقيباً داخلياً على السلوك لا يرتشي ولا ينام ولا يغيب ولا يكل ولا يمل، ويميز بين الصالح والطالح من الأفعال والنوايا والأقوال ويحاسب عليها حساباً عسيراً؟

إن الفساد المستشري الذي أصبح يملك مؤسسات نامية وقوة تسنده، تستهين بقوة السلطة والقانون، أو تنجح في تسخيرهما أو تسخير إحداهما لخدمته، أو في جعلها تغض الطرف عنه وعن ممارساته.. وأصبح هو الخطر الأكبر على الدولة والمجتمع الأخلاق.. والتصدي للفساد والمفسدين في أوساط كثيرة، يحتاج إلى القانون الصالح، والمجتمع اليقظ، والإيمان بقيم خلقية ووطنية وإنسانية، وإلى سلطة قوية ونظيفة، وعدالة مستقلة ومستقيمة، ومعايير متوازنة وسليمة وحازمة.

فهل إلى ذلك من سبيل قبل أن يشعل الفاسدون النار بالوطن، ويهربوا مع أموالهم التي نهبوها إلى خارجه، حيث يستغلها ويستغلهم أعداء الأمة في حرب ضروس ما زالت مستمرة منذ قرون؟!

إن ما يحتاج إلى معالجة ومواجهة من المشكلات في سورية معروف ومقدور عليه، وشعبنا خيِّر يحب الخير، ويريد العدل والحرية والكرامة.. ولا يوجد من يعترض على هذه المطالب أو ينتقص منها، فلنُقبل على ذلك بثقة وشجاعة واقتدار، ونجنب شعبنا وبلدنا المخاطر والأزمات والشرور.

والله من وراء القصد.

دمشق في 25/3/2011

 

انشر عبر