شريط الأخبار

عندما يمدح ليبرمان القذافي ..زهير أندراوس

04:37 - 21 حزيران / مارس 2011

عندما يمدح ليبرمان القذافي ..زهير أندراوس

سنتان ونيف يقف أفيغدور ليبرمان على رأس الدبلوماسية الإسرائيلية، حتى الصحافة العبرية المتطوعة لصالح ما يسمى في دولة الاحتلال الإجماع القومي الصهيوني، خرجت عن أطوارها وكشرت عن أنيابها ووجهت سهام نقدها اللاذع لوزير الخارجية، الذي حول إسرائيل بسبب مواقفه المتشددة إلى دولة منبوذة سياسيا على الحلبة الدولية، محذرة من أن مواصلة هذا الرجل في منصب وزير الخارجية سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى تنامي الجهود الدولية لنزع الشرعية عن إسرائيل.

 

ومع ذلك أو رغم ذلك فإن ليبرمان، الذي استجلب إلى "بلاد الحليب والعسل" من روسيا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، الذي يقطن في مستوطنة (نوكيدم) بالضفة الغربية المحررة من احتلال حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يتباهى ويتفاخر بمناسبة أو بغيرها بأنه الشخصية الوحيدة في تل أبيب، التي تمكنت في أغسطس/آب من العام الماضي، من إقناع السلطات الليبية بإطلاق إسرائيلي كان معتقلا في الجماهيرية منذ مارس/آذار من العام الماضي.

 

وحسب المصادر الأمنية والسياسية في تل أبيب فإن رافائيل حداد الذي يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والتونسية، اعتقلته القوات الأمنية الليبية بعد أن التقط صورا لممتلكات يهودية قديمة في ليبيا لحساب مؤسسة يهودية تاريخية مقرها في إسرائيل.

 

وبعد إطلاقه وصل حداد إلى مطار اللد (بن غوريون) الدولي، حيث كان في استقباله لدى وصوله من العاصمة النمساوية فيينا وزير الخارجية ليبرمان.

 

وحسب المصادر السياسية الرسمية في تل أبيب، فإن المفاوضات لإطلاقه كانت جارية منذ عدة أشهر برعاية ليبرمان ويقودها رجل الأعمال النمساوي مارتن شلاف المعروف بأنه صديق لسيف الإسلام القذافي, نجل الزعيم الليبي، وهو الذي كان قد أقام الكازينو في مدينة أريحا الفلسطينية، وأشارت المصادر نفسها إلى أن المفاوضات لإطلاق حداد استغرقت خمسة أشهر وشهدت شدا وجذبا بين السلطات الليبية وإسرائيل.

 

واللافت أيضا أن صفقة الإفراج عن حداد تمت بعد مفاوضات معقدة شملت تسوية بشأن سفينة المساعدات الليبية التي كانت متوجهة إلى غزة في السنة الماضية وغيرت مسارها إلى ميناء العريش المصري حيث أنزلت حمولتها ونقلت برا إلى القطاع.

 

نسوق هذه المقدمة على وقع الأنباء التي تتناولها وسائل الإعلام العربية تحديدا حول تورط إسرائيل في تزويد النظام الاستبدادي في ليبيا بالمرتزقة من أفريقيا ومده بالأسلحة اللوجستية لوأد ثورة الأحرار والشرفاء في هذا البلد العربي، الذي يتعرض لأبشع عمليات القتل منذ أكثر من أربعة عقود، من قبل "الثائر السرمدي" العقيد معمر القذافي وأولاده وكتائبه.

 

لا نملك المعلومات المؤكدة حول التدخل الإسرائيلي في ليبيا، ولكن استنادا واعتمادا على عدد من الحقائق، مصدرها تل أبيب، تقودنا إلى حالة من شبه التأكد بأن الأنباء صحيحة:

 

أولا: في العام 2007 قال الزعيم الليبي القذافي إن الحركة الصهيونية ليست عارا، وهي التي سلبت فلسطين وشردت سكانها وسوقت للعالم الغربي مقولتها الكاذبة بأن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وإذا كان العقيد يحمل مثل هذه الآراء فما الذي يمنعه من إبرام الصفقات غير العلنية مع صنيعة الصهيونية، أي الدولة العبرية؟.

 

مضافا إلى ذلك، فإن إطلاق الإسرائيلي يتنافى مع قانون الغاب السائد في ليبيا، ولا يتماشى مع سحق الحريات لأبناء الشعب الليبي، كما أنه لم يعرف حتى اليوم ما هو الثمن الذي دفعته إسرائيل لإطلاق سجينها من طرابلس الغرب، والتاريخ علمنا أن صفقات من هذا القبيل، بين دولتين لا تقيمان علاقات دبلوماسية تكون مكلفة كثيرا للطرف الذي ربح، أي إسرائيل، فصفقة تحرير سجين لوكربي عبد الباسط المقرحي كلفت ليبيا حوالي ثلاثة مليارات من الدولارات الأميركية.

 

ثانيا: حسب المصادر الأمنية إسرائيلية فإن خطرا إستراتيجيا كبيرا بات يهدد الجبهة الجنوبية لإسرائيل في ظل احتمالات سقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، لافتة إلى أن ليبيا حسّنت علاقاتها مع إسرائيل في الآونة الأخيرة، وأن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أقام شبكة علاقات مميزة مع النظام ومدح القذافي عدة مرات في عدة جلسات لحكومته معتبرا إياه زعيما ذا مصداقية.

 

وتحدثت المصادر نفسها عن علاقات سرية بين تل أبيب وطرابلس تطورت بعد انتهاء قضية المفاعل النووي الليبي، والموقف العدائي الذي يتخذه القذافي من الحركات الإسلامية المتطرفة، حيث بذلت جهود أوروبية ليبية أمنية اطلعت عليها وساهمت بها إسرائيل من أجل صد المد الإسلامي في المنطقة العربية، على حد تعبير الأوساط الإسرائيلية.

 

من ناحية أخرى، ساقت المصادر نفسها قائلة إن الأجهزة الأمنية في الدولة العبرية تعيد قراءة الواقع الجديد في ظل التحولات الإستراتيجية على الحدود الجنوبية لإسرائيل التي بدأت بسقوط الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، ولا يعرف نهايتها حتى الآن، أي أنه من مصلحة الدولة العبرية بقاء القذافي في الحكم.

 

فهذا النظام لا يملك الأسلحة النووية التي تشكل تهديدا وجوديا على الدولة العبرية، كما أن تقاطع المصالح بين الدولتين يتمثل أيضا في محاربة المد الإسلامي الذي يوصف بأنه متشدد ومتطرف.

 

ونجاح الثورة الليبية تصب في طالح تل أبيب، لأن النظام الجديد في حالة تشكيله سيعيد ليبيا إلى عروبتها المسلوبة، ومواقفه ستكون مغايرة جدا لمواقف القذافي في كل ما يتعلق بقضية العرب الأولى، قضية فلسطين، علاوة على أن دمقرطة العالم العربي ترعب حكام إسرائيل، لأن هذا الأمر يسحب من تحت أرجلها التي دنست أرض فلسطين الكذبة الكبيرة بأنها واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الديكتاتوريات العربية.

 

ثالثا: تحتل إسرائيل المكان الرابع عالميا في تصدير الأسلحة، وعمليات التصدير تتم مباشرة عن طريق وزارة الأمن الإسرائيلية وتدر أرباحا كبيرة وتدخل لخزينة الدولة العبرية الخاوية مبالغ لا تعد ولا تحصى من الأموال.

 

في المقابل تعمل شركات أمنية إسرائيلية في جميع أرجاء العالم، وتحديدا في أفريقيا وأميركا الجنوبية، وهذه الشركات تعمل بعد الحصول على إذن خاصٍ من وزارة الأمن، ويدير هذه الشركات العديد من جنرالات الأجهزة الأمنية سابقا وتختص في إقامة المليشيات لحماية الأنظمة الديكتاتورية في دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل أيضا.

 

فعلى سبيل الذكر لا الحصر، هناك شركة (غلوبال) التي أسسها الجنرال المتقاعد يسرائيل زيف وتنشط في 13 دولة وفي ثلاث قارات وتؤهل قوات الأمن في عدد من الدول لمواجهة العنف والإرهاب، كما أنها تعمل في مجال الحراسة وتقديم المعلومات السرية والتقنية العالية.

 

وحسب تحقيق صحفي نشرته مؤخرا صحيفة (كالكاليست) الاقتصادية، الصادرة عن (يديعوت أحرونوت) فإن حجم الأعمال التي تنفذها الشركة في الدول العربية وفي دول أخرى في العالم بلغ نهاية العام 2009 حوالي سبعة مليارات دولار.

 

وأوضحت الصحيفة أن الرقابة العسكرية رفضت السماح لها بنشر أسماء الدول التي تعمل فيها الشركة الإسرائيليّة، الأمر الذي يقطع الشك باليقين بأن وراء الأكمة ما وراءها.

 

وحسب المصادر في تل أبيب فإن مفهوم هذه الشركة بسيط للغاية، حيث يتم دعوتها تقريبا إلى البلدان التي تواجه مشاكل على مستوى الأمن القومي، وتقوم شركة (غلوبال) بإيجاد خطة متعددة المراحل تهدف، في المرحلة الأولى، إلى حل التهديد الخطير، ومن ثم تتحرك الشركة نحو الخطط الأمنية المدنية على المدى الواسع بهدف تقوية اقتصاد الدولة، على سبيل المثال، وذلك بهدف منع ظهور الإرهاب أو الجريمة مجددا، فإلى جانب أقسامها الأمنية والمدنية، تحتوي شركة (غلوبال) أيضا على فرع زراعي.

 

رابعا: من المعروف أن الدولة العبرية تنشط جدا في القارة السمراء، أفريقيا، منذ الخمسينيات من القرن الماضي، كما أنها تبذل جهودا جبارة من أجل إحكام سيطرتها على الدول المتخلفة اقتصاديا وسياسيا وزراعيا وأمنيا.

 

من هنا، من غير المستبعد البتة أن تقوم الدولة العبرية الرسمية مباشرة أو عن طريق شركاتها الأمنية المنتشرة في القارة بالعمل على تجنيد المرتزقة لصالح القذافي.

 

فهذا العمل يخدم مصلحة إسرائيل الإستراتيجية في تثبيت النظام الرجعي في ليبيا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، يدر الأرباح الطائلة لإسرائيل ولشركاتها الأمنية، وعندما تتقاطع المصالح السياسية مع الاقتصادية، فإنها تتحول إلى عامل مفصلي في علاقات الدولة العبرية، وهذا ما يحدث في قضية مرتزقة ليبيا والمساعدات اللوجيستية له من قبل إسرائيل.

 

واللافت أو بالأحرى عدم اللافت، أن الصحافة العبرية نفت هذه الأنباء واختارت أن تطلق عليها قصص ألف ليلة وليلة، ولكن في المقابل لم نسمع نفيا إسرائيليا رسميا، ناهيك عن أن النظام الليبي سمح للعديد من الصحافيين الإسرائيليين بالدخول إلى ليبيا وتغطية الأحداث من طرابلس الغرب، أحدهم، المحلل العسكري، رون بن يشاي الذي استمات في لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي في الدفاع عن القذافي ونفى نفيا قاطعا وجود مرتزقة أفارقة في الجماهيرية.

 

خامسا: من الأهمية بمكان التشديد في هذه العجالة على أن النظام الليبي أجرى مفاوضات مع إسرائيل في السنة الماضية، أي قبل اندلاع الثورة، كما أنه لم يخف إقدامه على إطلاق الإسرائيلي الذي كان محتجزا لديها.

 

وعندما يقوم النظام بالإقدام على خطوة من هذا القبيل في زمن لم يكن فيه مهددا من قبل الثورة الشعبية، فإنه في هذا الزمن الذي يحارب فيه من أجل البقاء سيتحالف حتى مع الشيطان ليضمن استمراره في الحكم.

 

فالقذافي، الذي بات منبوذا في العالم، بسبب الجرائم التي ارتكبها نظامه ضد شعبه، بحاجة لإسرائيل، أكثر من حاجة إسرائيل إليه، وبالتالي فإن الدولة العبرية لن تتورع عن تقديم المساعدة له ولنظامه، ما دام الأمر يخدم مصالحها التكتيكية المتمثلة بإثارة الفتن والقلاقل في الوطن العربي، ومصالحها الإستراتيجيّة بتفكيك دول عربيّة وتفتيتها وتحويلها إلى دويلات طائفية ومذهبية وقبلية.

 

وأخيرا، نورد القضية التالية التي تحمل في طياتها مدلولات عديدة: يعقوب حجاج، مؤرخ يهودي من أصول ليبية مقيم في إسرائيل ورئيس معهد دراسات وأبحاث يهود ليبيا كشف النقاب عن إرسال القذافي قبل عام، عن ممثلين ليبيين من العاصمة الأردنية عمان للالتقاء مع  مسؤولي المنظمة العالمية ليهود ليبيا في إسرائيل، وأنه بالفعل تم ترتيب زيارة للوفد الرسمي الليبي إلى تل أبيب، وأثناء اللقاءات التي عقدها نوقش مصير ممتلكات اليهود في ليبيا، مشيرا إلى أن ذلك كانت محاولة من القذافي للتصالح مع المجتمع الدولي وإرضاء الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة.

 

وقال حجاج، الذي كان يتمنى أن يكون أول سفير لإسرائيل في ليبيا في عهد القذافي، إنّه كانت تربطه علاقات جيدة به، وأنّه أرسل جميع مؤلفاته عن تاريخ يهود ليبيا للقذافي، الذي اهتم بها واطلع عليها شخصيا.

 

انشر عبر