شريط الأخبار

سلام عليك يا يابان- هآرتس

11:56 - 17 تشرين ثاني / مارس 2011


سلام عليك يا يابان- هآرتس

بقلم: جدعون ليفي واليكس ليبيك

طوكيو – في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق ظهرا، بحسب توقيت اليابان، اهتزت الارض أمس. طرق نادر الفندق الباب في ذلك الوقت بالضبط وفي يده ابريق قهوة، عندما بدأت الارض ترجف تحت أقدامنا. استمر هذا مثل أبد، نحوا من عشر ثوان وكان مخيفا الى درجة الجنون. اهتزت الغرفة في أعلى الطابق الخامس عشر واهتزت ثم اهتزت واهتزت يمينا ويسارا، والارض والجدران والخزائن والأسرة تحركت من جانب الى جانب مثل ثمل يهدد بالسقوط على جنبه. كان يُخيل للحظة أن ناطحة السحاب هذه كلها ستنهار بعد لحظة على جانبها، يكفي اهتزازة واحدة بعد، لكن البناء الياباني الشهير هو الذي منع هذا في آخر لحظة كما يبدو. بثوا في التلفاز الياباني فورا أنباء عاجلة تُنبيء عن ست درجات بحسب سلم ريختر. شُعر بهذه الست هذه المرة بقوة كبيرة على نحو خاص في طوكيو. فقد اهتزت كاميرا التلفاز واهتزت، تُظهر صورا متقطعة من يدي مصور هزات خبير بيقين، بدا أمس كأنه مصاب بالرعاش.

قدّم النادر ابريق القهوة وكأنه لم يحدث شيء، ثم عاد صامتا في طريقه لم يتخل عن انحناءة الرأس بطبيعة الامر. لكن الهزة لم تنقض بمرة واحدة – بل أخذت تضعف في تدريج طويل. بعد ساعة من الرجفة استمرت الجدران ترجف، يصدر عنها صوت هامس غريب وشعرت رجلاي بالرعدة بعد ساعة اطول. غطى بدني عرق بارد، فأنا اسرائيلي لم أعتد مثل هذا. ويُخيل إلي أنني شحبت ايضا. ليست هذه اول هزة يابانية لي، ففي التي سبقتها كنت أجلس هذا الاسبوع في القطار الارضي في طوكيو، لكن المنشور آنذاك أعلن بها ولم نشعر بشيء.

تذكرت هزتي الاسرائيلية. وقفت في ظهر بعض ايام الجمعة قبل عدة سنين، في أروقة أسرة الصحيفة، غارقا في حديث مع المحرر عاموس شوكان، فشعرنا فجأة بشيء ما غريب يحدث تحت أقدامنا. أسرعنا الى الانترنت وتبين لنا انه وقعت هزة ارضية أصابت اسرائيل. أي هزة، انها مجرد ارتجافة ضئيلة، أو هبة ريح صغيرة، أو شيء صغير من لذة السبت قياسا بهزة اليابان أمس.

بدأ صباح أمس ايضا على نحو سيء جدا. وقع انفجار آخر في مفاعل ذري آخر كما هي العادة في الايام الاربعة الاخيرة حوالي السادسة صباحا، وشبت فيه النيران. بيّنت صورة ستيليس مشوشة بُثت في التلفاز خطوطا من الدخان الابيض الرمادي وشيئا صغيرا رُمي الى السماء في أعلى يبدو أنه بسبب قوة الانفجار. ولم يبلغ بشيء آخر. بعد ذلك بوقت قصير هبط النبأ المخيف الآتي: مطر في سنداي. وهي المدينة التي ضُربت أكثر من غيرها في الزلزال الكبير يوم الجمعة الماضي، وهذا المطر قد ينثر اشعاعا ذريا أشد خطرا بكثير. واذا لم يكن هذا كافيا فقد جاءت ساعة ما بعد الظهر وهبط معها النبأ المخيف الآتي: يحاول سكرتير الحكومة الرئيس، الذي يظهر هنا كل يوم في مؤتمر صحفي، أن يُهديء النفوس وينقل أنباءً أشد إقلاقا، وأعلن ان حكومته قررت اجلاء آخر العاملين في المفاعلات الذرية.

إن بضع عشرات من عمال المفاعلات الذين بقوا للعمل فيها أُجلوا للحين من الموقع بسبب زيادة متطرفة على مستوى الاشعاع المتسرب منها. وبعبارة اخرى أصعب: أصبحت الكارثة أقرب مما كانت في أي وقت مضى. ربما يستعينون منذ الآن بالمروحيات مثل كؤوس الهواء للميت، لكنه حُظر الطيران منذ زمن في سماء المفاعل. كذلك لم تبشر خريطة الاشعاع التي ظهرت أمس في الصفحة الاولى من صحيفة "جبان تايمز" بالخير. فالاشعاع يزداد ويطغى وأصبح الخطر معه أكثر محسوسية. بعد الظهر بُثت صور جديدة من المفاعلات وكانت هذه المرة قد أصبحت مغطاة بغيمة دخان كبيرة وكثيفة.

لا يوجد داع بطبيعة الامر الى أن نصف من هنا ما يحدث في الشوارع، فاليابانيون في حالهم. بعد لحظة من الهزة ومن خلال نافذة غرفتي رأيت ناسا يسيرون ببطء وسيارات تسير بسرعة كبيرة وكأنه لم يحدث شيء. ولا داعي ايضا للحديث عن الكآبة الثقيلة والخوف الكامن مما سيأتي، برغم الظهور بمظهر الحياة الطبيعية برغم كل شيء. سُمع أمس مواطن ياباني أول اشتكى من حكومته في التلفاز: "لا يقولون لنا الحقيقة. لا يقولون لنا شيئا"، قال الرجل، ربما مبشرا بطوفان من النقد العام الذي قد يطغى هنا. الانطباع الذي أخذ يقوى هو ان الحكومة ربما تعلم أكثر ولا تُبلغ، ولا يقل خطرا عن هذا انه لا يعلم أحد ربما الحقيقة وفي ضمن ذلك السلطات. مهما يكن الأمر، مغادرة المفاعلات أمس علامة تنذر بالسوء على نحو خاص: فاليابان رفعت يديها ولو على نحو مؤقت. ولن يُخلصهم ايضا وفد الخبراء الامريكيين الذي استُدعي الى هنا أمس، كما يبدو. كان يبدو أمس أكثر من أي وقت مضى أن فوكوشيما قد تصبح هيروشيما.

سلام عليك يا يابان. يبدو أننا سنتركك الليلة، فلا يوجد كما يبدو خيار آخر. لقد غادر أكثر الاجانب كما أبلغت أمس صحيفة "جبان تايمز" في صفحتها الاولى. كذلك برهن على ذلك الفندق الذي فرغ أمس من آخر ضيوفه الاجانب. منذ اليوم سننظر من بعيد كما يبدو الى ارض الشمس المشرقة في غروبها وكارثتها – وقلوبنا الحزينة خفاقة اليها. تعلمنا هذا الاسبوع أن نحب اليابان واليابانيين. اذا وجدنا مكانا في الرحلة الجوية هذه الليلة الى هونغ كونغ، فسنضطر الى ان نصاحبها منذ الآن من بعيد، وهذا لن يُقلل شيئا من القلق والخوف مما سيحل بها. نتذكر ضحايا الدمار الكثيرين الذين التقيناهم هذا الاسبوع في قرى المحيط، ونتذكر مناظر الدمار والسلوك النبيل الذي سلكه السكان في مواجهة كارثتهم، ونتذكر ضبط النفس الياباني في شوارع المدينة الذي استمر أمس ايضا. سلام عليك يا يابان، سلام والى اللقاء في السادسة بعد كارثتك الفظيعة التي تبين أمس نهائيا أنها ما تزال بعيدة عن نهايتها، وربما، والعياذ بالله، تكون بعيدة حتى عن ذروتها التي هي أفظع.

انشر عبر