شريط الأخبار

النهر الصناعي العظيم: عجيبة ثامنة أم كارثة؟

10:10 - 13 حزيران / مارس 2011

النهر الصناعي العظيم: عجيبة ثامنة أم كارثة؟

فلسطين اليوم-وكالات

ما إن تكتب كلمات النهر الصناعي العظيم على محرّك البحث، حتى تنهال عليك النصوص التي تحكي عن مدى إيجابيات هذا النهر، والثورة الهندسية التي أحدثها، حتى بات البعض يضيفه إلى عجائب الدنيا السبع.. لكن أن الحقيقة غارقة في الجدل بين المتخصصين

هو العقيد معمر القذافي نفسه، الذي ينكّل بشعبه، أمَر يوماً بإطلاق مشروع النهر الصناعي العظيم. مشروعٌ يصفه بعض الليبيين بـ«ثامنة عجائب الدنيا»، لأنه أوجد الماء في الصحراء بعدما احتال على تاريخ الطبيعة، وما خزنته مع مرور الزمن. ومع إصرار القذافي على البقاء في السلطة، ومع حديث وسائل الإعلام بكثافة عن المجازر التي ارتكبها في تاريخه ولا يزال، يأتي وجه «النهر» الإيجابي في تاريخ العقيد، هذا عند الإجماع على الموافقة على «مزايا» هذا النهر، الذي يراه البعض «كارثة».

انطلاقاً من كون ليبيا دولة صحراوية، عانت مشاكل جمّة في نقص المياه، وكانت الآبار الجوفية للمياه العذبة في المناطق الساحلية ملوّثة، فيما مياه مدينة بنغازي غير صالحة للشرب. بدأت قصة النهر الصناعي عام 1953، حين اكتشفت شركات التنقيب الغربية في مناطق الجنوب الشرقي والجنوب الغربي، مخزوناً هائلاً من المياة الجوفية النقيّة، ورأى بعض المتخصصين أنه يمكن استغلاله في تنمية الجنوب والوسط الليبي، على أن يُغذّى الشمال من خلال تحلية مياه البحر.

ظل المشروع على الورق لفترة طويلة، إلى أن أعلن الرئيس الليبي عام 1983، عزمه على «إمرار» نهر اصطناعي في قلب الصحراء، حلّاً لمشكلة النقص الشديد في المياه. وعام 1984، وضع القذافي حجر الأساس لمصنع أنابيب المياه في برقة، وانطلق المشروع.

يستند المشروع إلى نقل المياه العذبة عبر أنابيب ضخمة مدفونة في الأرض، يبلغ قطر كل منها أربعة أمتار، وطوله سبعة أمتار، لتشكل في مجموعها نهراً صناعياً بطول تجاوز في مراحله الأولى أربعة آلاف كيلومتر، تمتدّ من حقول آبار واحات الكفرة والسرير في الجنوب الشرقي، وحقول آبار حوض فزان وجبل الحساونة في الجنوب الغربي، لتصل جميع المدن التي يتجمع فيها السكان في الشمال. وسيتغذّى النهر في المستقبل برافدين آخرين، الأول من واحة غدامس والآخر من واحة الجغبوب. وأظهرت الدراسات الفنّية والاقتصادية والاجتماعية إمكانية نقل هذه الكميات الهائلة من المياه الجوفية إلى المناطق التي تتوافر فيها الأراضي الزراعية الخصبة والكثافة السكانية العالية والبنية الأساسية الزراعية، على أن يُنقل نحو 6.5 ملايين متر مكعب من المياه العذبة يومياً لأغراض الزراعة والصناعة ومياه الشرب. وقد خصص ما يزيد على 75 في المئة منها لاستخدامه في الأغراض الزراعية، التـي ستخفف بدورها من وطأة السحب المتزايد من المياه الجوفية فـي مناطق الشريط الساحلي.

ومع إعلان المشروع، دُعيت شركات أجنبية من كوريا الجنوبية وتركيا وألمانيا واليابان والفلبين وبريطانيا للإسهام في التنفيذ. وفي أيلول عام 1993، انتهت المرحلة الأولى بوصول المياه العذبة إلى بنغازي من الآبار الجوفية في الشرق، ثم الثانية بوصولها إلى طرابلس من الآبار الجوفية في الغرب.

وبفضل النهر الصناعي العظيم، الذي تكلف نحو 30 مليار دولار، أصبحت ليبيا الآن من الدول الرائدة في العالم في الهندسة الهيدروليكية.

تسلّط هذه المعلومات الضوء على إيجابية هذا النهر، وتشير الدراسات إلى دوره في إنقاذ ليبيا من الجفاف. إلا أن هذا المشروع المحاط بالسرية، والذي لا يبدو أن العمل فيه قد انتهى، لا يبدو مشروعاً جيداً بحسب بعض الخبراء. إذ يقولون إن النهر الصناعي الكبير كانت له آثار مرعبة على الحالة البيئية في المنطقة، لأن المخزون المائي غير متجدّد ومحدود، وبالتالي ستُستنزف جميع المياة الصالحة للحياة في الجنوب، ما سيتسبب في مقتل الكائنات الحية وتهجير جميع المواطنين إلى الشمال مع انتهاء المخزون المائي، أي قتل الجنوب. ويرون أيضاً أن المشروع ساهم في إهمال كامل لمشروعات تحلية المياة، إذ بات الحل الوحيد لمشكلة المياة مهملاً. هذا عدا الفساد الهائل الذي رافق المشروع، حيث يقدر النهب بأكثر من عشرة مليارات دولار في كل مراحله، يضاف إلى ذلك الفساد في اختيار الشركات المنفذة.

وبرهن الاتفاق الليبي ـــــ التركي على توريد مياه نهر «مانغفات» التركي إلى الجماهيرية عن حقيقة أزمة المياه التي لا يبدو أن النهر نجح في إنهائها حتى اليوم. وقال أمين الهيئة العامة للمياه، عمر سالم، إن «الأزمة المائية القائمة تشمل جميع مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وليبيا ضمن الدول التي تعاني شحاً مائياً متنامياً، حيث حصة الفرد من المياه المتجددة أقل بكثير من 1000 متر مكعب في العام، وهو ما يعرف بخط الفقر المائي»، فيما أشار الخبير الليبي سعد الدين الغرياني إلى أن «ليبيا تعاني نقصاً حادّاً في المياه يصل إلى ملياري متر مكعب سنوياً». بدوره، يقول المتخصص في هندسة مصادر المياه، علي بالرحيم، إن «مياه ليبيا الجوفية محدودة والسدود باتت غير مجدية»، مشيراً إلى أن السلطات «تجاهلت آراء الخبراء الوطنيين عند التفكير في النهر الصناعي، وقد كانت هناك شكوك حول نجاحه منذ البداية».

تبدو قصة النهر غامضة غموض صاحبها. فهل نجح النهر حقاً في إنقاذ ليبيا الصحراوية من الجفاف وأدخل إليها عنصر الحياة، أم أمعن القذافي في الفساد وسرقة حقوق شعبه؟

انشر عبر