شريط الأخبار

صحة وسوق واشتراكية ديمقراطية -هآرتس

01:57 - 10 تموز / مارس 2011

صحة وسوق واشتراكية ديمقراطية -هآرتس

بقلم: آري شبيط

        (المضمون: يدعو الكاتب الى اعادة بناء الجهاز الصحي الاسرائيلي على قاعدة الاشتراكية الديمقراطية وألا يُترك لاقتصاد السوق الحرة - المصدر).

        بتأخر كبير لكن بقوة كبيرة هاج في اسرائيل النقاش الاجتماعي – الاقتصادي. فبعد عشرين سنة سيطر فيها هنا نموذج الخصخصة، يُسأل السؤال عن حدود الخصخصة. وبعد عشرين سنة نُقلت فيها الممتلكات والخدمات على نحو متسرع من القطاع العام الى القطاع الخاص، تظهر الحاجة الى قطاع عام نوعي. تبين فجأة أن فكرة أن تحل السوق كل مشكلة هي وهم، وانه بغير جهاز عام قوي لا يوجد اقتصاد قوي. الدولة غير موجودة. ما تزال الاشتراكية الديمقراطية الاسرائيلية لم تعد بعدُ لكن الشوق اليها غدا موجودا.

        والمشكلة أن هذا متأخر جدا. فقد نقلنا السيطرة على البنوك الى خمس عائلات. ونقلنا السيطرة على الاتصالات الى ثلاثة أرباب شركات كبيرة. وأما البحر الميت فوهبناه وأما الغاز فقسّمناه وأما أكثر الخدمات فخصخصناها. على نحو منهجي متصل نقضنا دولة الأكثرين وجعلناها دولة الأقلين. وعلى نحو منهجي ومتصل أحللنا محل نظم العدل الاجتماعي نظم رفاهة فورية. وفي كل مجال ومجال فعلنا ما فعلته وزارة النقل العام بين مطار بن غوريون وتل ابيب وذاك أننا شققنا مسارا سريعا للمئوية العليا يترك المئويات التسع والتسعين الاخرى عالقة في الزحام.

        الصحة نموذج يُنير البصيرة. إن جهاز الصحة الاسرائيلي هو في أساسه جهاز فخم. وقد بُني على ثلاثة مباديء: التكافل والامتياز والضبط الميزاني. وكان من نتيجة ذلك أن نجح في تقديم علاج طبي في مستوى جيد للسكان جميعا. تفوقت اسرائيل على امريكا بأن جهازها الصحي اعتقد المساواة والعموم، وتفوق على كثير من دول اوروبا بأن الجهاز كان حرفيا على نحو متفوق. نجحت اسرائيل في اقامة جهاز صحة عام كان نوعيا وعادلا وناجعا ايضا. وكانت كلفته على الاقتصاد الوطني نصف كلفة جهاز الصحة المريض المُمرِض في الولايات المتحدة.

        لكنهم في المالية لم يعرفوا تقدير الانجاز الاسرائيلي النادر؛ وقد أرادوا هناك امريكا، لهذا ضاءلوا النفقات، وخفضوا التكاليف وشجعوا الخصخصة. ولهذا أخضعوا جهاز الصحة لقوى السوق. تجاهل مُخصخصو المالية انه لا يوجد في مجال الصحة الشروط الأساسية التي تُمكّن وتُسوّغ اقتصاد السوق.

        كانت النتيجة مدمرة. ففي السنين العشر الاخيرة لم يُضف قدر كاف من الأسرة في المشافي في جهاز الصحة العام. وانخفض عدد الأسرة لكل ألف نسمة من 2.3 في 1990 الى 1.9 في 2010، وسينخفض الى 1.7 في 2020 (المتوسط في الدول الصناعية المتقدمة هو 3.3). وانخفض عدد الاطباء لكل ألف نسمة من 3.7 في 1995 الى 3.4 في 2010 وسينخفض الى 2.8 في 2020 (المتوسط في الدول الصناعية المتقدمة هو 3.4). وقد انخفض عدد الممرضات لكل ألف نسمة من 6.1 في 1995 الى 5.5 في 2010 وسينخفض على 4.9 في 2020 (والمتوسط في الدول الصناعية المتقدمة هو 8.7).

        في حين ارتفعت النفقة العامة على الصحة في أكثر دول الغرب، انخفضت في اسرائيل. فبهدوء ومن غير أن يرى أحد، سحقت المالية أحد اجهزة الدولة الأهم. وأفضت بالصحة العامة في اسرائيل الى هاوية.

        كان منطق في الجنون. نفس منطق المسار السريع للاغنياء، الذي يصل مطار بن غوريون بتل ابيب: الخصخصة والخصخصة والخصخصة. وخفض نسبة النفقة العامة لجهاز الصحة من 70 في المائة الى 58 في المائة. وجعل نسبة النفقة الخاصة لجهاز الصحة في اسرائيل واحدة من أعلى النفقات في الغرب (42 في المائة). وارسال المرضى الشبان والاطباء الممتازين الى الرحمات. وإبقاء المرضى الشيوخ والاطباء المرهقين في الرواق. وإنشاء جهاز صحة مريض مُمرِض كما في امريكا. ونقض التكافل، والمهنية ونجوع جهاز الصحة الاشتراكي الديمقراطي. ما يزال الامر غير متأخر جدا حتى الآن في الصحة بخلاف الوضع في المصارف والاتصالات والبنى التحتية. ما زال يمكن منع انهيار الجهاز. لكنه لفعل ذلك يُحتاج الى تغيير حاد للتصور العام. ولفعل ذلك يُحتاج الى وعي راديكالي جديد. ليس النضال فقط هو النضال العادل من اجل أجور الاطباء ومن اجل ظروف عمل الممرضات. النضال من اجل اعادة بناء جهاز صحة يعامل بالمساواة وهو جهاز نوعي يمنح كل اسرائيلي علاجا كاملا.

انشر عبر