شريط الأخبار

دراسة : "ضوء أخضر" لعملية في ايران؟

11:31 - 04 حزيران / مارس 2011

دراسة : "ضوء أخضر" لعملية في ايران؟

بقلم: افرايم كام**

* تقدير استراتيجي – المجلد 13 – العدد 4 – كانون الثاني 2011.

** نائب رئيس معهد ابحاث الأمن القومي وباحث فيه.

 

        مقدمة:

        إتسع في الشهور الاخيرة النقاش العام في الولايات المتحدة لقضية الاجراء العسكري الموجه على منشآت ايران الذرية. السؤال المطروح للبحث مزدوج: هل يجب على الولايات المتحدة ان تأخذ بنفسها باجراء عسكري على ايران؟ وهل يجب على الادارة الامريكية ان تمنح اسرائيل "ضوءا أخضر" للهجوم على ايران، اذا فضلت هي نفسها عدم الهجوم؟ لتوقيت هذا الجدل عدة اسباب. الاول قصر الجدول الزمني، حين تقدر الجماعة الاستخبارية في الولايات المتحدة واسرائيل ان ايران تستطيع من جهة تقنية التوصل الى اول قنبلة ذرية في غضون سنة. هذه التقديرات معززة بتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفحواها ان ايران جمّعت يورانيوم مخصبا بدرجة منخفضة، بكمية اذا تم تخصيبها لدرجة مرتفعة فستكفي لقنبلتين أو ثلاث. وأضيف الى ذلك الكشوف الاخيرة عن تحسن نظام صواريخ ايران، بمساعدة كوريا الشمالية الذي قد يمنحها قدرة على اصابة جزء من اوروبا. والسبب الثاني هو الصورة التي نحصل عليها في هذه المرحلة وهي انه برغم تشديد العقوبات على ايران لا توقف سعيها الى السلاح الذري، ويُقدر خبراء كثيرون حتى في الادارة الامريكية ان العقوبات لن تجعل ايران تقف آخر الامر. والسبب الثالث هو الانطباع عند الولايات المتحدة ان الحكومة الحالية في اسرائيل – وعلى رأسها بنيامين نتنياهو شخصيا – ستستعمل على ايران خطا أكثر صرامة من سابقاتها وتكون مستعدة للعزم على الخروج الى اجراء عسكري موجه اليها لانها ترى ايران الذرية تهديدا وجوديا.

        يجوز ان نفترض برغم ذلك ان عملية عسكرية في ايران، للولايات المتحدة أو لاسرائيل، ما تزال غير مطروحة في جدول العمل في الأمد القريب لعدة اسباب. فالتفضيل في هذه المرحلة هو لمحاولة تغيير موقف ايران بالدبلوماسية وتشديد العقوبات. فبرغم الشك في أن تؤثر العقوبات في موقف ايران، من الواضح لجميع الحكومات المتصلة بهذا الامر ان هذا السبيل لم يُستنفد بعد، ولا امكانية حتى الآن للتوصل الى استنتاجات في شأن نتائجه. والى ذلك يلقى برنامج ايران الذري بحسب تقدير جماعات الاستخبارات في الولايات المتحدة واسرائيل صعابا تقنية وأعطالا منها دودة الحواسيب التي أضرت ببعض منشآتها الذرية، وما يزال مقدار أضرارها غير واضح – وقد بقيت مدة لتصل الخطة مراحلها النهائية. ولا يقل عن هذا أهمية في تقدير الجماعتين الاستخباريتين، ان ايران ما زالت لم تقرر التوجه نحو القنبلة الذرية، ويبدو أنها لا تنوي فعل هذا في القريب وانها تفضل انتظار اللحظة الملائمة. لهذه الاسباب ما يزال يوجد مجال زمني وإن لم يكن كبيرا حتى التوصل الى مفرق القرار في شأن عمل عسكري على ايران.

        تريد هذه المقالة الفحص عن نظم تقديرات الولايات المتحدة واسرائيل فيما يتعلق بعملية عسكرية على ايران، وعن تأثير الموقف الامريكي في تقديرات اسرائيل.

       

نظام تقديرات اسرائيل

        تفضل اسرائيل ايضا مثل جميع الحكومات الاخرى المتعلقة بهذا الشأن ان توقف برنامج ايران الذري بوسائل دبلوماسية تؤيدها عقوبات شديدة. وفي الآن نفسه ولانه كان هناك شك دائما في أن تدفع الطريق السياسية ايران الى وقف البرنامج الذري، أكدت اسرائيل مرة بعد اخرى انها تزن الطريق العسكري ايضا وكان هذا القول مصحوبا من آن لآخر بتسريبات عن استعدادات اسرائيلية للأخذ بالاجراء العسكري. وقد اقترحت اسرائيل ايضا على الادارة الامريكية ان تأخذ هي ايضا بخطوات للدلالة على الخيار العسكري، غير ان الادارة امتنعت عن الأخذ بهذا الاقتراح ولم تُصعد حتى الآن تهديد ايران بالهجوم.

        سيكون قرار اسرائيل على اتخاذ اجراء عسكري على ايران متعلقا بثلاثة جداول زمنية على الأقل لن يلائم بعضها بعضا بالضرورة. سيصعب على اسرائيل من جهة ان تعمل في ايران قبل استنفاد المسار السياسي، وما بقيت الحكومات المتعلقة بهذا الشأن ولا سيما الادارة الامريكية تُقدر وجود احتمال وقف ايران بالتأليف بين الدبلوماسية والعقوبات. فاذا هاجمت اسرائيل ايران قبل أن يتم الاتفاق على أن المسار السياسي قد استُنفد دون ان يحرز هدفه، فسيتم اتهامها بافشاله. قد يجعل هذا التقدير اسرائيل في معضلة لانه اذا تبين ان الادارة الامريكية ستُسلم لايران ذرية، فسيزداد باعث اسرائيل على منع هذا الخطر باجراء عسكري. ومن الجهة الاخرى سيُشتق الجدول الزمني الممكن لتنفيذ الاجراء العسكري من تقدير الاستخبارات للمدة التي ستبقى حتى احراز اول قنبلة ذرية. بعد ان تحرز ايران القنبلة الاولى أو حتى بعد أن تُنتج ما يكفي من المادة الانشطارية للقنبلة الاولى، لن يكون ثمة محل لاجراء عسكري لان ايران تستطيع ان تخفي القنبلة أو المادة في منشأة سرية، ولن يكون من الممكن ضمان نجاح كاف في الهجوم. وثمة ايضا جدول زمني عملياتي للقرار: متى ستنشأ أفضل الشروط للهجوم من جهة احراز معلومات استخبارية نوعية واستكمال استعدادات اسرائيل للهجوم، قياسا بوضع الاستعدادات في ايران وفي ضمن ذلك تحسين القدرة الدفاعية للمواقع الذرية وقدرة الرد على اسرائيل.

        سيكون قرار اسرائيل متعلقا ايضا بعدة مواضيع ذات أهمية كبيرة ألا وهي المعلومات الاستخبارية النوعية عن المنشآت ونظام حمايتها؛ وبناء قدرة تنفيذية كافية؛ وتقدير مبلغ الضرر الذي سيسببه الهجوم للمنشآت والمدة الزمنية التي سيُحتاج اليها لاعادة بنائها؛ وتقدير رد ايران؛ ومبلغ الضرر السياسي الذي سيقع باسرائيل في أعقاب الهجوم. ويضاف الى ذلك تقديران ذوا أهمية رفيعة: موقف الادارة الامريكية من الخيار العسكري – وهذه القضية سيتم بحثها فيما يلي؛ والتقدير الثاني وقد يكون الأكثر تعقيدا، هو مبلغ المخاطرة التي ستأخذها اسرائيل على عاتقها اذا قررت ألا تهاجم ايران وأن تُسلم لامكانية ان تحرز ايران آخر الامر سلاحا ذريا.

        يُقسم التهديد الذي قد ينشأ على اسرائيل من سيناريو ايران الذرية لمستويين. المستوى الاول هو امكانية ان تهاجم ايران اسرائيل بسلاح ذري. هذا تهديد شديد لم يُطلب الى اسرائيل قط ان تجابهه، بيد انه لا يوجد اليوم جواب يريح الخاطر يتعلق باحتمال هذه الامكانية لانه لا توجد أي معلومات وأي علامات شاهدة تساعد في صياغة تقدير صلب في شأن سلوك ايران في المستقبل عندما تملك سلاحا ذريا. والمستوى الثاني هو التهديدات الاستراتيجية التي ستنبع من وجود سلاح ذري عند ايران: وهي تعزيز آخر لمكانة ايران الاقليمية، واتخاذها سياسة أشد عنفا بحيث يزداد الضغط على دول عربية ومسلمة معتدلة لتقوّم نفسها بحسب نهج ايران ولتمس بمسيرة السلام العربية – الاسرائيلية؛ والمس بمكانة الولايات المتحدة الاقليمية الذي سيضعف حليفاتها ايضا؛ وتعزيز قدرة ايران على ردع اسرائيل والولايات المتحدة؛ وزيادة حرية عمل حزب الله برعاية مكانة ايران القوية؛ ونشوء جو ذعر في اسرائيل يسبب تضاؤل الهجرة اليها وزيادة الهجرة منها، وتضاؤل الاستثمارات الاجنبية فيها – والإضرار على العموم بروح الصهيونية؛ وانضمام دول اخرى ممكن في الشرق الاوسط لسباق التسلح الذري الذي سيضعضع استقرار المنطقة ايضا؛ وامكانية ضمان "مظلة ذرية" ايرانية لسوريا و/ أو حزب الله في مواجهة اسرائيل اذا وُجدا في ضائقة عسكرية شديدة.

        والسؤال هو أي تهديد تريد العملية العسكرية مجابهته؟ اذا كانت توجد قاعدة كافية لتقدير ان ايران قد تهاجم اسرائيل بسلاح ذري فثمة مكان ليوزن اجراء عسكري عليها – اذا وجدت ظروف تنفيذه – لمنع هذا الخطر المفرط. لكن اذا كان فرض الانطلاق ان ايران لن توجه ضربة ذرية الى اسرائيل، وان هذه ستحتاج الى مجابهة التهديدات من المستوى الثاني، فنشك في ان تكون هذه تسويغا كافيا لاجراء عسكري، وهل تستطيع اقناع دول اخرى بضرورية هذا الاجراء. هذه التهديدات حقيقية ومهمة لكنها ليست وجودية وتستطيع اسرائيل مجابهتها. إن اسرائيل قد خرجت في الماضي لاجراءات عسكرية كثيرة ولحروب ايضا لتزيل تهديدات لم تكن وجودية بالضرورة؛ لكن الاشكال والمخاطر الشاذة التي تقترن باجراء عسكري على ايران، وتحفظ الادارة الامريكية، تثير شكوكا في صحة الأخذ بهذا الاجراء اذا كان هدفه كله صد تهديدات من هذا المستوى.

 

        تقديرات الولايات المتحدة

        تلتزم الادارة الامريكية اليوم ايضا منع ايران السلاح الذري، وهي مثل اسرائيل لا تنفي الخيار العسكري. لكن الادارة تُبين مع ذكر كون الخيار العسكري ذا صلة، منذ سنة 2008 انه لا مكان حتى الآن في الظروف الحالية لعملية عسكرية من الولايات المتحدة. وينبع هذا البيان الذي يعبر في الأساس عن موقف المؤسسة الامنية الامريكية، من اجتماع عدة مخاوف ثقيلة في نظر الادارة وهي: عدم اليقين من نتائج الاجراء العسكري وتأثيراته؛ وتقدير ان الهجوم على ايران لن يوقف تماما برنامج ايران الذري بل سيعيقه سنتين أو ثلاثا فقط، وأن ايران ستحسن بعد الهجوم حراسة وحماية المواقع الذرية؛ وامكانية ان تستغل ايران باعتبارها الجهة المهاجَمَة، هذا الهجوم لاحراز شرعية دولية لاستمرارها على البرنامج الذري والتعجيل به؛ والصد عن فتح جبهة اخرى في ايران في حين ان الولايات المتحدة متورطة في العراق وافغانستان؛ والقلق من ازمة شديدة في سوق النفط في أعقاب الهجوم؛ وخوف من رد ايران على أهداف للولايات المتحدة وحليفاتها ولا سيما في العراق وافغانستان والخليج؛ وامكانية ان تقوي العملية النظام الايراني نحو الداخل، وتضائل احتمال تغييره؛ وربما ايضا تقدير انه يمكن في نهاية الامر مواجهة ايران الذرية كما واجه العالم الغربي التهديد السوفييتي لعهد الحرب الباردة.

        وفي نفس الوقت تتحفظ الادارة الامريكية ايضا من هجوم اسرائيل على ايران في الظروف الحالية. في الحقيقة قال نائب الرئيس جو بايدن في تموز 2009 ان اسرائيل حرة في العمل في ايران كما تفهم، وأضاف متحدث وزارة الخارجية ان اسرائيل دولة ذات سيادة وان الادارة لا تنوي ان تُملي عليها خطواتها. لكن الرئيس براك اوباما تعجل ايضاح ان الادارة لا تمنح اسرائيل "ضوءا اخضر" لمهاجمة ايران. وتحفظ أناس كبار في المؤسسة الامنية من هجوم اسرائيل على ايران وعبّروا عن أمل ألا تفاجيء اسرائيل الادارة بعملية عسكرية.

        يمكن أن نبين عددا من اسباب تحفظ الادارة من هجوم اسرائيل. حتى لو لم تكن الولايات المتحدة شريكة بالفعل في هجوم اسرائيلي فسيفترض كثيرون – ولا سيما الايرانيون – ان هذا تم بعلم من الادارة وتأييدها ومشاركتها، وعلى ذلك قد تحاول ايران المس بأهداف الولايات المتحدة ردا على ذلك. ولما كان الامر كذلك فان الولايات المتحدة تخشى أن تورطها عملية عسكرية لاسرائيل في المواجهة، سواء كان ذلك لان ايران ستهاجم أهداف الولايات المتحدة وحليفاتها أو لان الولايات المتحدة ستضطر الى مساعدة اسرائيل اذا تورطت. وقد ترتاب الادارة الامريكية ايضا في أن يوجه الهجوم الاسرائيلي لجذبها للتدخل في المجابهة وإكمال المس بايران اذا مست ايران مثلا بأهداف الولايات المتحدة أو بنقل النفط من الخليج ردا على الهجوم. والى ذلك كله، تخشى الادارة الامريكية ان تلد عملية اسرائيل موجة زعزعات في الشرق الاوسط، وأن يُضر ذلك إضرارا شديدا بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وفي ضمن ذلك ازمة في سوق النفط، وانتقاد في العالم العربي والاسلامي للولايات المتحدة يُصعب جهودها للاقتراب من العالم الاسلامي، وتعزيز توجهات متطرفة في المنطقة ستضر ايضا باحتمال تقديم المسيرة السلمية العربية الاسرائيلية.

        هل تغير الادارة الامريكية موقفها وتدعم اجراءا عسكريا للولايات المتحدة أو لاسرائيل موجها على ايران؟ إن حقيقة ان الادارة لا ترفض الخيار العسكري تدل على ان التغيير ممكن من جهة مبدئية. لكن التغيير لن يحدث في الظروف الحالية لان الادارة ما زالت تعطي احتمال ان تغير العقوبات موقف ايران – وإن لم يكن هذا الاحتمال مرتفعا. لكن عندما يتبين للادارة ان العقوبات لا تؤثر تأثيرا كافيا وان ايران مستمرة في السعي الى السلاح الذري، فستضطر الى أن تبت الامر بين سيناريوهين صعبين: الاول التسليم لعدم قدرتها على وقف برنامج ايران الذري، لتملك في نهاية الامر القدرة على انتاج سلاح ذري أو أن تنتج السلاح نفسه، وان تستعد لردعها عن استعمال السلاح الذري وصد قوتها التي تزداد في المنطقة؛ والثاني وقف برنامج ايران الذري باجراء عسكري. عندما تبلغ الادارة مفرق الحسم، قد يبدو نظام التقديرات مختلفا عما يبدو عليه اليوم لانه سيجب عليه ان يحسم ما هو الخطر الأكبر – أذلك المقترن بعملية عسكرية أم ذلك الذي ينبع من كون ايران ذرية.

        مع المعطيات الحالية، احتمال ان تؤيد الادارة اجراءا عسكريا للولايات المتحدة أو لاسرائيل، موجها على ايران ليس مرتفعا لا لأنها تنتظر فقط ان يتضح تأثير العقوبات بل لسببين آخرين ايضا: الاول، سيصعب على الادارة ما بقي تحفظ المؤسسة الامنية الامريكية ان تقرر حتى لو كانت تؤيد ذلك، الأمر بهجوم يخالف موقف الجهاز الامني؛ والثاني ان جزءا من الاسباب التي تتحفظ المؤسسة الامنية بسببها من عملية عسكرية ليست اسبابا عابرة في أمد السنين القريبة، وستضطر الادارة الى أخذها في الحسبان في المستقبل ايضا. مع ذلك قد تغير عدة ظروف ميزان تقديرات الادارة:

·        خطوة واضحة لايران، لا تدع مكانا للشك في انها قريبة من سلاح ذري وعازمة على انتاجه بحيث تستطيع عملية عسكرية فقط منع انتاجه.

·        تقدير الادارة ان اسرائيل مصممة على مهاجمة ايران برغم تحفظها ومن غير ان تنتظر "ضوءا اخضر" منها. قد تفضل الادارة في هذا الوضع ألا تدخل في مجابهة معلنة لاسرائيل في هذه القضية ولا سيما اذا نجحت هذه في أن تُجند الى جانبها جهات ذات وزن في الولايات المتحدة.

·        تأييد يزداد عند الرأي العام في الولايات المتحدة لاجراء عسكري موجه الى ايران. تدل استطلاعات الرأي التي جرت في الولايات المتحدة في السنين الاخيرة على أن أكثر الجمهور الامريكي يرى ايران تهديدا وعدوا، وأن أكثر من نصف المستطلعة آراؤهم أيدوا عملا عسكريا عليها اذا لم تنجح الدبلوماسية والعقوبات في وقفها عن احراز السلاح الذري. والى ذلك سُمعت في الشهور الاخيرة أصوات أكثر بين خريجي الجهازين السياسي والامني، كان أبرزها رئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق الجنرال مايكل هايدن، تؤيد اجراءا عسكريا على ايران اذا فشل الخيار السياسي. والسؤال المفتوح هو كم ستؤثر قوة الحزب الجمهوري في مجلس النواب في مبلغ تأييد العملية العسكرية.

·        خروج جل القوات الامريكية من العراق وربما من افغانستان ايضا سيضائل – وإن لم يلغ تماما – تعرضها لجهود الهجوم والتخريب من قبل ايران. والى ذلك اذا أخرجت الادارة قواتها من العراق وافغانستان تحت انطباع الفشل والهزيمة، وتعزيز تأثير ايران في العراق فقد تزداد عنايتها بتعديل الاخفاق بضربة عسكرية موجهة لمواقع ايران الذرية.

·        اذا وزنت الادارة عملية عسكرية في ايران، فستحتاج الى تأييد دولي وربما تحتاج ايضا الى تعزيز مجلس الأمن. ولا يكاد يوجد اليوم هذا التأييد المكشوف. بل ثمة تحفظ دولي معلن واسع من العملية. لكن ربما لو حاولت الادارة بناء هذا الدعم فستتغير الصورة. بدأت تنكشف علامات قليلة على تأييد اجراء عسكري كما في كلام طوني بلير رئيس حكومة بريطانيا السابق في أيلول 2010 حين قال انه لا يرفض عملا عسكريا في ايران.

وأهم من ذلك الكشوف في وثائق "ويكيليكس"، والتي تقول إن أناسا كبارا جدا في دول الخليج (اتحاد الامارات، وقطر وعمان والبحرين) وفي الاردن، وعلى رأسهم عبد الله ملك السعودية، حثوا الادارة الامريكية منذ سنة 2005 على الأخذ بعمل عسكري على ايران لوقف برنامجها الذري، اذا لم توجد طريقة سياسية لفعل ذلك. بل عبّرت قطر بحسب هذه الوثائق عن استعداد لتمكين الولايات المتحدة من استعمال قاعدة عسكرية داخل اراضيها من اجل الهجوم. يوجد قدر من الشك في تأييد دول الخليج الفعلي لعمل عسكري في ساعة الحسم – الى كون الحرج الذي أصابها ايضا في أعقاب الكشوف قد دفعها الى المسارعة الى اعلان تأييدها حل مشكلة الذرة الايرانية بطرق سياسية. لكن يصعب ان نتجاهل ان عددا من الزعماء العرب قد ضغطوا سرا على الادارة الامريكية لاستعمال الخيار العسكري مع عدم وجود خيار آخر.

        قد تكون لهذه الكشوف أهمية كبيرة باثباتها ان وقف ايران حتى بطريق عسكري ليس مشكلة اسرائيل وحدها. وتدل علاوة على ذلك على أن ثمة طاقة كامنة لتجنيد تأييد لعمل عسكري وجعله مشروعا اذا وزنته الادارة على نحو ايجابي. وتدل الكشوف ايضا على أن اولئك الزعماء العرب – على نحو غير معلن على الأقل – يعدون التهديد الايراني قضية مركزية من ذات نفسها ولا تتصل بتسوية اسرائيلية – فلسطينية. وهنا تقدير آخر في أعقاب كشوف "ويكيليكس": كان من المهم لاسرائيل ألا تُرى هي التي تدفع الادارة الى مهاجمة ايران. ويتضح هنا ان اسرائيل ليست وحدها في استعمال الضغط على الادارة، وأن لها شركاء عربا كبارا في هذا الشأن. وهذا الامر يُسهل على اسرائيل ان تحث الادارة على أن تزن بايجاب الخيار العسكري عندما يتضح فشل الخيار السياسي.

        من وجهة نظر الولايات المتحدة، يُعرض موقف الزعماء العرب هؤلاء الادارة لمشكلة تحتاج الى حل. فليست اسرائيل وحدها تطلب وضع الخيار العسكري على المائدة باعتباره امكانية عملية، بل عدد من حليفاتها الأكثر أهمية في العالم العربي، بل إن دول الخليج مستعدة للمخاطرة برد عسكري من ايران عليها. حتى إن قطر توافق على المشاركة في عملية برغم تحذير معلن صريح من ايران بأنها ستعمل في مجابهة دول تساعد على عملية عليها. واذا امتنعت الادارة عن الهجوم ولم تنجح في وقف ايران برغم ان حليفاتها حذرنها، فان الثقة بها عند الدول العربية قد تتضرر وستُعرض نفسها لخطر ان تلائم دول الخليج أنفسها ونهج ايران مع عدم وجود خيار، وقد أصبحت مصر تشير في صراحة الى انها قد تمضي في المسار الذري. ويجب من الجهة الاخرى التنبه الى انه برغم ان الدول العربية بدأت منذ سنة 2005 تُعبر عن تأييد عمل عسكري، لم يكن ذلك يستطيع ان يُغير تحفظ الادارة من هذا الاجراء.

        قد تبلغ الادارة مفرق حسم في قضية العملية العسكرية في 2011 – 2012. فهذه هي المدة التي قد تتضح فيها عدة جوانب تؤثر في الحسم وهي: مبلغ تأثير العقوبات المفروضة على ايران؛ والاحتمالات (الضعيفة) للتوصل الى تسوية سياسية مع ايران في شأن تخصيب اليورانيوم تضمن ألا تستمر في السعي الى السلاح الذري؛ وسياسة ايران لمسألة الاندفاع قُدما نحو السلاح الذري؛ واستعداد القوات الامريكية في منطقة الخليج؛ وربما ايضا تغييرات في الوضع الداخلي في ايران.

 

        التقدير الأمريكي في نظر اسرائيل

        كان موقف الولايات المتحدة من الخيار العسكري دائما تقديرا مركزيا في نظر اسرائيل. لكن السؤال الرئيس من وجهة نظر اسرائيل حتى أواخر ايام ادارة بوش كان: هل تهاجم الولايات المتحدة – ذات القدرات العملياتية المتطورة – ايران بنفسها وتعفي اسرائيل بذلك من الحيرة في هذا الشأن؟ وكلما بدا ان الادارة لا تميل في هذه الاثناء الى اجراء عسكري على ايران، أُثير بدل السؤال المذكور أعلاه سؤال لا يقل أهمية وهو: هل ستمنح الولايات المتحدة اسرائيل "ضوءا أخضر" للعمل في ايران؟.

        برغم ان دولا كثيرة ترى التهديد الذري الايراني خطرا كبيرا، وتشارك بهذا القدر أو ذاك في الجهد لصده، لم تنجح اسرائيل في اقناع حكومات اخرى بضرورة العملية العسكرية اذا فشل الجهد الدبلوماسي. وكما قلنا آنفا لا تؤيد الادارة الامريكية التي لا ترفض الاجراء العسكري مبدئيا، لا تؤيده في هذه الاثناء في المستوى العملي. ينبع بعض صعوبة اقناع الحكومات الاخرى بضرورة الاجراء من ادراك معنى التهديد. فكلما اقتنعت حكومات اخرى، ولا سيما الادارة الامريكية، بوجود خطر لا يُستهان به من أن تهاجم ايران اسرائيل بسلاح ذري – فانها قد تمنح عملية عسكرية من اسرائيل الشرعية. وليس هذا هو الوضع اليوم. يبدو ان الرأي السائد اليوم في العالم ان ايران لن تهاجم اسرائيل بضربة ذرية، وان ايران اذا بلغت السلاح الذري في نهاية الامر فسينشأ ردع ذري متبادل كما حدث في اوروبا في فترة الحرب الباردة. ومن وجهة النظر هذه فان الأخطار الاخرى التي ستُحدثها ايران الذرية ليست بمنزلة تهديدات وجودية ولهذا لا تسوغ اجراءا عسكريا مشحونا بالمخاطرات. وهكذا أُثيرت في الولايات المتحدة دعاوى ان الخوف من هرب الأذهان من اسرائيل بسبب التهديد الايراني ليس سببا لعملية عسكرية في ايران، أو ان لاسرائيل تفوقا عسكريا على ايران في جميع المجالات وفيها المجال الذري، ولهذا فالتهديد الذري الايراني ليس سببا كافيا لمحاربة ايران.

        ولما كان موقف الولايات المتحدة مما يتعلق بمنح اسرائيل "الضوء الاخضر" غير موافق في هذه المرحلة، نشأ في اسرائيل جدل في سؤال: هل تستطيع اسرائيل ان تهاجم ايران من غير "ضوء اخضر" من الادارة؟ ثمة في اسرائيل من يزعمون ان حكومة اسرائيل لا يجب عليها في قضية حرجة مثل التهديد الذري الايراني، ستحدد مصير دولة اسرائيل، ان تحصل على إذن من الادارة، وعليها ان تتحمل بنفسها المسؤولية عن أمنها. وفي مقابلتهم من يعتقدون ان اسرائيل لا تستطيع ان تسمح لنفسها بالتوصل الى ازمة شديدة في العلاقات بالولايات المتحدة في أعقاب اجراء عسكري في ايران مخالف لموقف الادارة، والى ذلك ايضا قد يُحتاج الى تنسيق مع الولايات المتحدة، لأن منطقة الخليج والعراق هما جبهة عمليات القوات الامريكية.

        ليس جواب هذا السؤال سهلا. لكن يبدو ان اسرائيل لن تستطيع في نهاية الامر الخروج في عملية عسكرية في ايران دون ان تحصل من الادارة الامريكية على "ضوء اخضر" أو "ضوء اصفر" على الأقل، أي ان تمتنع الادارة الامريكية عن اتخاذ موقف ايجابي أو سلبي من القضية، وتترك القرار لاسرائيل. يصعب ان نرى حكومة اسرائيل تقرر العمل في ايران اذا قال لها رئيس الولايات المتحدة بصراحة ان الادارة تعارض العملية، وانها ستمس بمصالح حيوية جدا للولايات المتحدة. اذا لم تُغير الادارة موقفها، وقررت اسرائيل ان تهاجم برغم ذلك، فانها تستطيع الاختيار بين امكانين تكتيكيين. السبيل الاولى ان تُبلغ الادارة قبل العملية عن نيتها المهاجمة، وتمتنع بذلك عن مفاجأتها، وتضائل احتمال التصادم غير المنسق مع القوات الامريكية في منطقة الخليج لكنها تُعرض نفسها لخطر رفض الولايات المتحدة وضغطها كي لا تهاجم. والسبيل الاخرى ألا تُبلغ الادارة عن نية العمل وان تمنع بذلك الضغوط قُبيل العملية، لكن تواجه بعد ذلك زعم انها لم تُبلغ أهم حليفاتها وفاجأتها باجراء حرج جدا. وفي النهاية، لن يكون الفرق بين السبيلين جوهريا لانه حتى بغير ابلاغ الادارة سيكون من الواضح ان رأيها في الهجوم سلبي.

        على كل حال هجوم اسرائيل على ايران بخلاف موقف الادارة قد يفضي الى ازمة شديدة في العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة – قد تكون أشد ما حدث في العلاقات بينهما. ستُتهم اسرائيل بالمس بأهم مصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، ولن يُسمع الانتقاد من الادارة وحدها بل من مجلس النواب ووسائل الاعلام ايضا. ستضر العملية باستمرار التعاون بين الدولتين على قضية ايران، ومن جملة اسباب ذلك ان هجوما واحدا لن يكفي كما يبدو لوقف برنامج ايران الذري تماما، وستحتاج اسرائيل الى الولايات المتحدة للاستمرار في علاج القضية. ولما كانت الادارة الامريكية لا تملك أصلا سُبل عمل مأمونة في مجابهة ايران، فستُتهم اسرائيل بافشال علاج القضية الايرانية ومنح ايران الشرعية لتجديد برنامجها الذري بل التعجيل فيه. وقد تستغل الادارة الانتقاد الذي وجه لاسرائيل ايضا للضغط عليها في القضية الفلسطينية. لكن الأهم ان علاقات الثقة بين الحكومتين ستصاب وان الادارة قد تفرض قيودا على التعاون الأمني مع اسرائيل.

        من جهة اخرى، ثمة عاملان ممكنان قد يضائلان أضرار عملية عسكرية لاسرائيل. الاول، سلوك تحرشي من ايران قبل الهجوم – مثل الكشف عن منشآت ذرية حرجة سرية، والكشف عن خطة متقدمة للسلاح الذري أو ترك ايران ميثاق منع انتشار السلاح الذري – لا يدع مكانا للشك في ان ايران متجهة الى السلاح الذري، مع دفع الجهد الدبلوماسي الواضح الى طريق مسدود. سيكون لهذا السلوك تأثير مهم على نحو خاص اذا زاد تأييد الرأي العام ومجلس النواب في الولايات المتحدة لاجراء عسكري. والعامل الآخر والأهم سيكون نجاح العملية وأن يُعرف بعد ذلك ان أضرارها ليست شديدة الخطر كما تم التقدير في البداية. ففي النهاية، تريد الولايات المتحدة ودول كثيرة اخرى جدا وقف برنامج ايران الذري. في هذه الحال حتى لو وُجه انتقاد على اسرائيل واتُخذت تدابير عليها إثر العملية، فستكون قصيرة الأمد وربما يحظى الهجوم في نهاية الامر بالمدح كما حدث بعد الهجوم على مفاعل العراق الذري في سنة 1981.

        الخلاصة

        لم تنشأ بعد في الظروف الحالية ظروف سياسية كافية لاجراء عسكري على ايران. فجميع الحكومات المتصلة بهذا الشأن تقريبا تتحفظ من الاجراء؛ والادارة الامريكية لا تنفيه مبدئيا لكنها تتحفظ منه عمليا، وسيصعب على اسرائيل تنفيذه دون "الضوء الاخضر" من الولايات المتحدة ودون وجود ظروف مهمة تتعلق بالاجراء.

        مفتاح مهاجمة ايران – من جهة امريكا ومن جهة اسرائيل ايضا – في يد الولايات المتحدة. ولا يجب على الادارة في هذه المرحلة ان تقرر ذلك لانه بقي لها مدة حتى مفرق القرار، ولانها تريد استنفاد خيار الدبلوماسية والعقوبات. وكي تزن الادارة الخيار العسكري ايجابيا ستحتاج الى تغيير تقديرها لميزان احتمالات العملية وأخطارها ومبلغ التأييد الداخلي والدولي الذي ستحظى به هذه العملية. لا يبدو احتمال ان تغير الادارة موقفها مرتفعا في هذه المرحلة لكنه قد يرتفع كلما تبين ان العقوبات لا تؤثر، وان ايران قريبة من القدرة على بناء سلاح ذري، وكلما بدا تأييد يزداد في الولايات المتحدة وخارجها لاجراء عسكري في ايران.

 

 

انشر عبر