شريط الأخبار

ثورة ولا مال -هآرتس

12:39 - 02 تشرين أول / مارس 2011

ثورة ولا مال -هآرتس

بقلم: تسفي برئيل

(المضمون: الوضع الاقتصادي الصعب في مصر الذي ستواجهه الثورة والمؤسسات القادمة في مصر في حين لا توجد خطة اقتصادية منظمة لمجابهة هذه المشكلات - المصدر).

        الممر الحدودي في السلومي بين مصر وليبيا مكتظ بآلاف المصريين الذين يريدون العودة الى بيوتهم. إن الحافلات التي ترسلها حكومة مصر لنقل المواطنين المصريين المذعورين عائدين الى بيوتهم، غير كافية، ويستعمل الهاربون جميع وسائل النقل الممكنة للوصول الى مكان آمن تاركين وراءهم المال والمتاع.

        في اليومين الأولين للاضطرابات في ليبيا اجتاز الحدود نحو من 60 ألفا من نحو من مليون ونصف مليون من المصريين يعملون في ليبيا. تنشر صور قاتمة لمواطنين يجتازون سيرا على الأقدام وفي أيديهم لحف وسلال مستهلكات فقط في وسائل الاعلام المصرية في حين يتجمع عند الجهة المصرية من الحدود أبناء عائلة لاستقبالهم ونقلهم الى البيوت.

        لكن المشكلة الرئيسة ما تزال موضوعة على أبواب هؤلاء المصريين وحكومة مصر. سيحتاج الهاربون من ليبيا الى اماكن عمل. واشد من ذلك ان العمال المصريين في ليبيا كانوا يُدخلون في الدولة نحوا من 250 مليون دولار في السنة في الحاصل العام – وهو المبلغ الذي حولوه للانفاق على العائلات التي خلفوها في مصر. ستضاف هذه العائلات الآن الى طبقة فقراء مصر التي أخذت تزداد على الدوام.

        وهكذا في حين يستمر قرب مبنى الحكومة في القاهرة تظاهر مئات الآلاف طالبين إقالة الحكومة الانتقالية، وفي حين ينشغل مثقفون مصريون بالجدل في وزير الثقافة الجديد الذي تم تعيينه بغير مشورتهم، يحار المجلس العسكري الاعلى الذي يدير الدولة بالفعل لاسئلة أصعب كثيرا أهمها كيف يُطعمون الجياع، وأين توجد اماكن عمل بديلة لمئات آلاف المصريين الذين سيعودون من ليبيا وكيف يضائلون الدين الوطني.

        تحاول الحكومة الانتقالية ان تجد عملا لفريق من العائدين من ليبيا في دول الخليج، لكن بعد الثورة في مصر أصبحت هذه الدول تفضل عمالا من باكستان والهند وبنغلاديش على عمال مصريين. يحول العمال من خارج الدولة الى مصر نحوا من 12 مليار دولار كل سنة، واذا بدأت دول الخليج تطردهم خشية ان يصبحوا عامل تثوير فقد تواجه مشكلة أصعب كثيرا.

        بحسب معطيات نشرها المكتب الوطني للاحصاء في مصر، وجد أكثر من 90 في المائة من عمال البناء في الدولة أنفسهم بلا عمل في فترة المظاهرات، بسبب وقف شبه مطلق لاعمال البناء. الحديث في الأساس عن عمال مؤقتين، ومأجوري مياومة ينتظرون في ميادين المدن ليحظوا بيوم عمل. ولا تقل الازمة في فرع السياحة صعوبة. في اثناء فترة المظاهرات غادر مصر نحو من مليون سائح، وتركوا عمال صناعة السياحة، وهي من أهم الفروع الاقتصادية في الدولة والمسؤولة عن نحو من 10 في المائة من الاقتصاد الوطني الخام، بلا عمل.

        في وضع مستقبل مصر السياسي فيه ما يزال على مائدة التخطيط، لن يكون من الممكن الحديث في الزمن القريب عن اصلاح اقتصادي واسع أو عن خصخصة أو عن اقتطاع من مبالغ الدعم التي تكلف الحكومة نحوا من 5 في المائة من الانتاج الوطني الخام. عندما يحيا 18 في المائة من المواطنين ونحو من 40 في المائة من السكان القرويين تحت خط الفقر، فان كل تغيير في التكاليف سيُحدث عصيانا مدنيا جديدا.

        يصعب الحديث الآن في مصر عن تصدير صناعي باعتباره أداة لنمو اقتصادي ولانتاج اماكن عمل. في السنين 1990 – 2009 زاد التصدير المصري بـ 5 في المائة كل سنة فقط، أي بنحو من نصف نسبة زيادة تصدير الهند وثلث زيادة تصدير الصين. على حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، ستحتاج مصر الى معدل نمو يبلغ 10 في المائة كل سنة لاستيعاب نحو من 9.5 مليون عامل يضافون الى سوق العمل حتى 2020. ونسبة النمو اليوم هي نصف ذلك. ستضطر حكومة مصر الجديدة ولتكن ما كانت، الى ان تقرر ايضا هل وكيف تنوي الانفاق على نحو من 6 ملايين من عمال الدولة. في بداية شباط، وفي محاولة لتهدئة الاحتجاج الاقتصادي، قررت الحكومة رفع أجورهم بنحو 15 في المائة، لكن يُشك في ان تكون هذه الخطوة كافية لتلبية مطالب المتظاهرين. في مقابلة ذلك، لن يكون مناص لمضاءلة خسائرها من إقالة آلاف العمال أو استدانة اموال اخرى من مصادر خارجية من اجل الاستمرار في تغذية البطالة الخفية الكبيرة جدا في الجهاز العام.

        أحد الأمثلة الصارخة على الاسراف والفساد الذي تفشى في الجهاز العام هو المبلغ الضخم الذي يبلغ نحوا من مليار جنيه مصري في السنة، الذي خصصته الحكومة لمؤسسات مهمتها الرقابة على الفساد والادارة السليمة. لا اختلاف في أن هذه المؤسسات فضلا عن أنها لم تنفذ مهمتها كانت هي نفسها مصدر فساد واسع النطاق. يتبين مثلا الآن، أن رئيس مجلس الشعب، احمد فتحي سرور، عيّن نحوا من 200 مستشار لمجلس الشعب بكلفة بلغت نحوا من 20 ألف دولار كل شهر للمستشار الواحد، في حين ان أجر عضو مجلس الشعب يقف على نحو من 2000 دولار كل شهر.

        الوعود بمحاربة الفساد تملأ مرة اخرى الصحف الحكومية المصرية. وأعلنت حكومة احمد شفيق المؤقتة انها تنوي ضرب مافيا العقارات التي سيطرت على اراض في الطريق بين القاهرة والاسكندرية، وأخذت تُصاغ اقتراحات قانون جديدة لمنع الاحتكارات والشركات الاحتكارية، ووزراء وأناس حياة عامة سابقون أصبحوا موجودين في الاعتقال بتهم اعمال فساد وسرقة مال عام. لكنه لا توجد خطة اقتصادية منظمة تستطيع أن تُقيم اقتصاد مصر على قدميه أو تُبين على الأقل الأفق الاقتصادي الذي ينتظر المواطنين الذين أدوا الى إبعاد السلطة القديمة.    يبدو ان المتظاهرين ايضا أدركوا سريعا انه لا يمكن الذهاب الى حانوت مع ثورة وأن مصر تنتظرها بعدُ فترة اشتياق الى السلطة القديمة، مثل مواطني روسيا بعد انحلال الاتحاد السوفييتي ومواطني العراق بعد سقوط صدام.

انشر عبر