شريط الأخبار

شبح موت يلاحق الغزيين !

11:03 - 20 حزيران / فبراير 2011

شبح موت يلاحق الغزيين !

فلسطين اليوم-غزة

انهمك الشاب محمد عدي قحمان في مقتبل العشرينيات في حراثة الأرض باستخدام الأدوات البدائية وأثناء تقليب "الشاب الغزي" تربة مزرعتهم اصطدمت المطرقة الحديدية بقوة في جسم غريب انسيابي الشكل ... انفجر بعد لحظات وتطايرت شظاياه المسمارية في أنحاء جسده ووجه وصدره كما تسببت في بتر يده اليمنى وقطع أصابع يده اليسرى.

بعد دقائق حاول أحد جيران الشاب قحمان ممن تواجدوا بقرب أرضهم شرق بلدة جباليا إنقاذه وتقديم المساعدة الطبية الأولية له، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب كون الشاب وقع في غيبوبة نتيجة الإصابات التي تعرض لها نزف كمية كبيرة من دمه.

جراح خطيرة

مرت اللحظات متسارعة حتى تمكن المواطن الذي قدم لمساعدة الشاب العشريني المصاب بانفجار مخلفات الاحتلال من الاتصال بالطواقم الطبية لجلب سيارة إسعاف تتمكن من نقل الجريح لأقرب مشفى لتلقي العلاج اللازم نتيجة إصابته بجراح وصفت حينها بالخطيرة.

لحظة وصول "محمد" لمستشفى كمال عدوان شمال غزة قدر الأطباء جراحه بـ "الحرجة" حيث استوجبت إدخاله غرفة العمليات وقضاءه فترة وجيزة داخل غرفة العناية المركزة ليعود للحياة مجدداً بعد عدة شهور من تلقي العلاج رغم أنه مكث عدة أيام أمام ناظري ذويه يترقبون في كل لحظة الإعلان عن استشهاده نتيجة جراحه الخطرة لكن جسده تعافى رغم بتر يده اليمنى.

وعاد الشاب قحمان بشريط ذكرياته إلى ذلك اليوم الذي توجه فيه لأرضهم الزراعية بمحاذاة الحدود الشرقية لقطاع غزة بغية مساعدة والده الطاعن في السن في حراثة أرضهم (..) لكنه في ذلك اليوم لم يعد لبيتهم كالمعتاد سالماً معافى البنية والجسد.

واليوم يرقد "محمد" ابن الثالثة والعشرين ربيعاً داخل بيتهم المتواضع ببلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة يستذكر آخر اللحظات التي عايشها قبل الإصابة الخطيرة التي ألمت به وأقعدته في أسرة المشفى طيلة 5 شهور نتيجة انتشار شظايا إحدى المخلفات والقنابل التي تركها الاحتلال الصهيوني ورائه بعد انتهاء الحرب الأخيرة على غزة في التاسع عشر من يناير / كانون ثاني  من العام 2009.

لم يكن "محمد" صاحب القصة سالفة الذكر الضحية الوحيدة نتيجة تلك المخلفات المتفجرة في أجساد شبان وأطفال غزة فقد استشهد نتيجتها خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي الطفل باسل محمد أبو عوان 13 عاماً من محافظة رفح جنوب قطاع غزة والشاب أحمد نعيم أبو وادي 23 عاماً من عمال جمع الحصى "الفسكورس"، ويقطن بحي الزيتون جنوب مدينة غزة.

موت وحصار

كما استشهد في العاشر من ديسمبر / كانون الأول الماضي بنفس مأساة تلك المخلفات التي أصبحت شبحاً وكابوساً يطارد الغزيين المنهكين بمرارة الحصار المضروب على القطاع للعام الخامس على التوالي ومأساة العدوان الغاشم على غزة شتاء 2008 كلاً من الفتيين منتصر البطنيجي ومؤمن حلس وكلاهما في السادسة عشر ربيعاً من سكان حي الشجاعية شرق غزة.

فيما أصيب 10 مواطنين نتيجة انفجار بعضاً من تلك المخلفات الصهيونية منهم ثلاثة مواطنين خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2010 الماضي، إضافة لسبعة مواطنين آخرين أصيبوا بجراح وصفت "فوق المتوسطة" خلال الشهريين الحاليين من عام 2011.

وتعقيباً على الإحصائيات الواردة على ضحايا "شبح المخلفات الصهيونية" أفاد أدهم أبو سلمية الناطق الإعلامي باسم اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ في قطاع غزة أن الأشهر الأخيرة من عام 2010 وأوائل العام الجاري شهدت استشهاد 4 مواطنين جلهم من الشبان، إضافة لإصابة 10 فلسطينيين آخرين نتيجة انفجار مجسمات غريبة تركها الاحتلال بعد عدوانه الأخير على القطاع المحاصر.

وأوضح أبو سلمية أن الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2010 المنصرم شهدت استشهاد مواطنين نتيجة اقترابهم أو عبثهم بمتفجرات وقذائف خلفها الاحتلال الصهيوني.

 

وقال معللاً السبب في تنامي أعداد المصابين نتيجة تلك القضية الخطيرة :"كان من الملاحظ خلال الشهرين الأخيرين من العام 2010 وبداية 2011 ارتفاع في عدد الإصابات والشهداء نتيجة اقترابهم من المخلفات التي نشرها الاحتلال بكثافة في المناطق الحدودية لقطاع غزة".

وتساءل الناطق الإعلامي باسم اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ :"من يتحمل مسئولية سقوط الأطفال اللاعبين في شوارع وأراضي غزة ؟؟"، داعياً الجهات المختصة والمؤسسات الدولية لتحمل مسئولياتها تجاه حماية أطفال غزة من التعرض لتلك المخلفات التي تشكل خطراً كبيراً على حياة المواطنين الفلسطينيين الآمنين.

كما طالب أبو سلمية المؤسسات الحقوقية الدولية والمحلية بضرورة التدخل لإنهاء هذا الملف بشكل سريع وتقديم قادة الاحتلال المتهمين بارتكاب جرائم حرب للمحاكم الدولية.

مؤسسات حقوقية عقبت على القضية الخطيرة معتبرةً المخلفات المتمثلة في القذائف والصواريخ والعبوات والقنابل التي تركها الاحتلال "قضية خطيرة جداً"، عاداً الجريمة الصهيونية جزءً من مسلسل الجرائم المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

وفي هذا الصدد، حمل عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان الاحتلال الصهيوني المسئولية الكاملة عن سقوط عدد من الفلسطينيين الأبرياء بشكل متواصل نتيجة المخلفات التي تركها ورائه في مناطق حدودية مختلفة من أرض قطاع غزة.

لكن أدهم أبو سلمية الذي عين ناطقاً إعلامياً باسم اللجنة العليا للإسعاف والطوارئ نهاية العام الماضي ناشد المواطنين لعدم التهاون في مثل هذه القضية والاتصال المباشر مع الجهات الطبية المختصة عبر الرقم الوطني المجاني (101).

وأضاف :"أفراد الهلال الأحمر الفلسطيني على جهوزية تامة للتعامل مع أي إصابة في أي منطقة في قطاع غزة سواء حدودية أو داخل المدن والمحافظات".

فيما أكد المقدم تحسين سعد مدير شرطة هندسة المتفجرات بالشرطة الفلسطينية بوزارة الداخلية والأمن الوطني أن الكم الهائل من المتفجرات والصواريخ التي ألقاها الاحتلال على غزة خلال عدوان الأخير شكلت اختفاء كمية ليسب بالبسيطة من مخلفات الصواريخ والمتفجرات.

وقال سعد لـ"الداخلية" :"طواقم الهندسة بإمكانياتها البسيطة تمكنت من تجميع كثير من هذه المخلفات وإتلافها"، مشيراً إلى أن تلك المخلفات تنقسم لتقليدية وغير تقليدية المحرمة دولياً.

في حين نوه أبو سلمية إلى أن الطواقم الطبية التي شاركت في انتشال جثامين الشهداء ضحايا تلك المخلفات أو المصابين نتيجتها اكتشفوا آثار حروق على أجساد المصابين إلى جانب انتشار كثيف لشظايا تلك المتفجرات والقذائف في معظم أنحاء الجسد بمختلف الإصابات التي تم علاجها في مستشفيات القطاع.

وتابع "جميع الإصابات نتيجة تلك المخلفات كانت فوق المتوسطة وبعضها كان خطيراً لكن إصابات قليلة وصلت كانت طفيفة".

حالة الرعب

لكن يونس المختص في القضايا الحقوقية والقانونية شدد في حديث لـ "الداخلية" عبر الهاتف على تعمد الاحتلال إبقاء نسبة كبيرة من المخلفات والقذائف والمتفجرات في أراضي المزارعين وحول بيوت المواطنين خاصةً في المناطق الحدودية في اتجاه إبقاء حالة الرعب في صفوف المواطنين.

وقال يونس :"إن هذه القضية تسببت بقلق دائم لدى المواطن الفلسطيني القاطن في قطاع غزة حتى لا يتقربوا من المناطق الحدودية خاصة مزارعهم وبيوتهم"، مجدداً وصفه لقضية مخلفات الحرب الصهيونية بـ"الأمر الخطير" الذي يستوجب مساءلة الاحتلال.

الموضوع الذي نوهت له شرطة هندسة المتفجرات على لسان مديرها المقدم تحسين سعد بقوله "هناك عدة مناطق في قطاع غزة خاصةً الحدودية منها والتي يحذر على رجال الشرطة الفلسطينية ومن بينهم أفراد وطواقم شرطة هندسة المتفجرات الاقتراب منها نتيجة خطرها عليهم وتهديد الاحتلال المباشر لهم بها".

أما مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان المجتمع الدولي لتحمل واجباته القانونية تجاه هذا الأمر، موضحاً سعيهم الحثيث لإبلاغ الأطراف الدولية المختلفة حول هذه القضية الخطيرة التي تمس بأمن الفلسطينيين.

وأضاف الحقوقي يونس:"ليس لدينا معلومات حول نوع الأسلحة المستخدمة"، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي قصف وقتل المدنيين الفلسطينيين خلال عدوانه الأخير على غزة نهاية العام 2008 ودمر البيوت على رؤوس ساكنيها.

وتابع :"إن الجرائم التي شنتها آلة الحرب الصهيونية تستوجب ملاحقة مرتكبيها وعدم التغاضي عنها لأنها متواصلة بحق أبناء شعبنا".

مناطق حدودية

وعاد مدير شرطة هندسة المتفجرات بقوله:"أغلب المخلفات التي تم العثور عليها في المناطق الحدودية تكون قريبة من الخط الفاصل مع الاحتلال وهي تشكل في مجملها خطراً على طواقمنا من الاقتراب منها"، لافتاً إلى أن أغلب الحوادث التي وقعت كانت نتيجة عبث بعض الأطفال والشبان في تلك المخلفات رغم علمهم بخطرها الكبير على حياتهم.

وتابع المقدم سعد "إن ضحايا هذه الأجسام الغريبة ليس لديهم وعي كامل بخطرها عليهم خاصة عمال جمع الحصى من ردم ما دمره الاحتلال من مباني وممتلكات للمواطنين".

ونبه إلى أن الاحتلال تعمد خلال الحرب الأخيرة قصف أراضي المواطنين بشكل عشوائي لتكثيف كميات المخلفات وإيقاع عدد أكبر من الضحايا نتيجتيها.

ومضى سعد يقول :"الاحتلال كان يستهدف المناطق الزراعية بقذائف مدفعية ثقيلة يصل وزنها لألف كيلو جرام في بعض الأحيان وأقل مبنى كان يستهدف بعشرات القذائف "، مؤكداً تقديرهم حجم القذائف التي سقطت على غزة خلال الحرب بـ(3 آلاف طن).

انشر عبر