شريط الأخبار

هاني المصري يكتب..الاستجابة المفقودة لاستحقاقات التغيير

08:57 - 15 حزيران / فبراير 2011

هاني المصري يكتب..الاستجابة المفقودة لاستحقاقات التغيير

بعد رياح وعواصف التغيير العاتية التي هبت في المنطقة العربية، وبعد أن أطاحت بنظام زين العابدين بن علي في تونس، ونظام حسني مبارك في مصر، وفي ظل التداعيات الحاصلة فعلاً لهذه الأحداث العظيمة، والتداعيات المحتملة لها في عموم المنطقة؛ لما تدل عليه بأن مرحلة الموات العربي قد شارفت على الانتهاء، ومرحلة إمساك الشعوب العربية بزمام الأمور بيدها قد بدأت. مرحلة أصبح الحاكم العربي فيها يخاف المواطن، بعد أن خاف المواطن من الحاكم طوال عشرات السنين.

بعد هذه التطورات التي ستفتح الآفاق الرحبة أمام القضية الفلسطينية، وجدنا أن الاستجابة الفلسطينية لاستحقاقات التغيير معدومة، بل ومعاكِسَة أيضا، والإجراءات التي اتخذت حتى الآن كأنها تحاول أن تحد منها لا أن تتفاعل معها.

نحن أمام مرحلة جديدة، بحاجة إلى سياسات وأدوات عمل جديدة، وإلى أشخاص جدد، فلا ينفع التعامل مع هذه المرحلة بنفس الطريقة السابقة، فبدلا من النظر بإيجابية إلى عودة الروح إلى الأمة العربية، ودخول مصر وتونس مرحلة الشعوب المتحضرة، وسقوط خرافة الاستقرار؛ وجدنا القلق والحذر والهروب إلى الأمام، ربما بسبب سقوط أنظمة حليفة، سيد الموقف في أروقة القيادة الفلسطينية، وبدلا من المسارعة لفتح الخيارات والبدائل أمام الفلسطينيين القادرة على فتح الطريق المغلق الذي وصلت إليه المفاوضات، حيث أوصلت الفلسطينيين إلى وضع كارثي؛ بدليل تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال والحصار والانقسام السياسي والجغرافي.

وبدلا من أخذ العبر من فضيحة وثائق "الجزيرة" التي أوضحت أن التنازلات الفلسطينية المجانية وصلت إلى حد خطير للغاية، مع أنها لم تصل إلى توقيع اتفاق لحسن الحظ، بعد كل ما سبق ذكره، وجدنا القيادة الفلسطينية تتشبث بالسياسة القديمة سياسة السير وراء أوهام المفاوضات والحل الذي على الأبواب، وأحيت الدعوة الانفرادية لإجراء الانتخابات، وتغيير الحكومة، وكأن تغيير الأشخاص هو المطلوب فقط، وليس تغيير النهج والسياسات والأدوات أولا.

كيف كانت الاستجابة الفلسطينية لإحداث التغيير؟

لقد تمت الدعوة إلى انتخابات محلية، وهذه خطوة إيجابية غير أنه ينقصها الحرص الجدي على أن تكون الانتخابات في الضفة وغزة، وهذا يقتضي ألا يقرها طرف وحده ويكتفي بدعوة الطرف الآخر للالتحاق به؛ ما يدل على عدم رغبته حقا بهذا الالتحاق.

ولقد تمت الدعوة أيضاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية قبل شهر أيلول القادم باعتبارها الآلية التي يمكن أن تنهي الانقسام. مع إسقاط انتخابات المجلس الوطني المتفق عليها في جلسات حوار القاهرة، على أساس أن الانتخابات هي بديل الورقة المصرية التي طارت بعد سقوط نظام حسني مبارك، الذي قدم الورقة لإدارة الانقسام وعجز عن تطبيقها رغم ذلك؛ بسبب الفيتو الأميركي الإسرائيلي عليها.

كيف يمكن تنظيم الانتخابات العامة في ظل وجود الخلافات الكبيرة وحكومة في الضفة وأخرى في غزة، وبدون اتفاق وطني على القواسم المشتركة وقواعد اللعبة الديمقراطية، وعلى كيفية التعامل مع نتائج الانتخابات، خصوصا في ظل وجود الاحتلال الذي يلعب دورا رئيسيا، الذي يمكن أن يمنع إجراء الانتخابات، ويمس بحريتها ونزاهتها، ويصادر نتيجتها إن لم ترق له.

إن هذه الدعوة التي تشكل هروباً إلى الأمام، إما أن تكون "مزحة" في وقت لا يُحتَمل فيه المُزاح، وخصوصا إن الحديث يجري عن تأجيل المسائل الخلافية إلى ما بعد الانتخابات، رغم أن بعض الخلافات الجوهرية يمس المنظمة. أو تكون مناورة؛ هدفها الضغط على حماس لقبول المشاركة في الانتخابات، والظهور بمظهر المستجيب لاستحقاقات رياح التغيير التي تهِب بقوة وتُلِح على الديمقراطية والاحتكام إلى الشعب، أو إلهاء الجميع بلعبة الانتخابات وما يعنيه ذلك من تغميس "خارج الصحن".

أو أنه قرارٌ جديٌ يستهدف إنقاذ نظام أوسلو السياسي قبل تداعيات التغيير في المنطقة، وقبل أن ينهار كلياً بإعطائه مسحة من الشرعية، بعد أن طال الزمن على عقد آخر مجلس وطني، وبعد أن انتهت فترة ولاية الرئيس وولاية المجلس التشريعي، ولو تحقق ذلك على صهوة إجراء انتخابات في الضفة الغربية وحدها ما سيزيد الانقسام انقساماً؛ لأن قطاع غزة لن يشارك بها، كما لن يشارك بها جمهور حماس والجهاد والجبهة الشعبية وقطاع من المستقلين في الضفة الغربية، وكما سيرفضها الشعب الفلسطيني في الخارج الذي أهمل لمدة طويلة والذي أصبح يبحث عن طريق آخر وممثل حقيقي وفاعل له، خصوصاً أن الانتخابات تجرى تحت الاحتلال وبعد التجربة السابقة التي لم يتم فيها الاعتراف بنتائج الانتخابات؛ فلا تقود مثل هذه الانتخابات سوى إلى التهلكة.

كما تمت استقالة صائب عريقات من مهمته كمسؤول لدائرة المفاوضات على خلفية تسرب الوثائق من مكتبه إلى "قناة الجزيرة"، أي لأنها أصبحت ملك الجمهور، وليست الاستقالة كجزء من عملية مراجعة ومحاسبة شاملة بسبب الإخفاقات المستديمة لخيار "الحياة مفاوضات" والتنازلات التي قدمت على طريقها، ولا بسبب "الاعتذار الشهير" الذي قدمه عريقات للإسرائيليين في الحملة الدعائية البائسة لاستقطابهم بقوله لهم:" إنه خيب أملهم".

إن الإقدام على تغيير الحكومة، التي لم تحصل على ثقة المجلس التشريعي، يطلق حالة من التنافس على المناصب الوزارية مع استمرار السير وراء أوهام رؤية الدولة للنور في شهر أيلول القادم، رغم أن الدلائل تشير إلى أن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون في ظل المعطيات الراهنة هو "دولة" على جزء من الضفة الغربية يصغر أو يكبر مساحتها حسب أي خطة ستقرها إسرائيل، خطة ليبرمان أو خطة موفاز أو ديسكين أو..غيرهم.

كل هذا يجري في ظل الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان والحريات العامة التي وصلت إلى حد منع التظاهرات للإعراب عن التضامن مع ثورة الشعب المصري، واستمرار الاعتقالات والفصل الوظيفي، وإغلاق المؤسسات، والحملات الإعلامية التحريضية.

ما يجري في الضفة يجري في قطاع غزة بنموذج آخر يتناسب مع الظروف الخاصة فيه، حيث شهدنا القمع والاعتقالات ومنع التظاهرات المؤيدة للثورة المصرية إلى أن انتصرت، ومنع الاختلاط والحفلات والنوادي والأرجيلة للنساء، وشاهدنا كيف أجرت حكومة هنية المقالة تعديلاً وزارياً أبقته سرياً حتى تتجنب الفضيحة. تخطئ حماس إذا لم تتعجل بالمصالحة الآن رهانا على أن التطورات الجارية في المنطقة ستصب في صالحها. فالفلسطينيون لا يمكن أن يقللوا من الخسائر، ويعاظمون من الفرص والأرباح ما لم يكونوا موحدين.

 

كفى

إن المطلوب وقف هذه المهزلة الجارية في الضفة وغزة، والشروع فوراً في حوار وطني شامل للبحث في الخيارات والبدائل عن طريق المفاوضات المغلقة، والبحث في كيفية مواجهة التحديات والمخاطر، خصوصاً مع استعداد خطة الحكومة الإسرائيلية ضرب قطاع غزة واستكمال تطبيق المشاريع العدوانية الاستيطانية والتوسعية العنصرية في الضفة الغربية، وأيضاً بلورة استراتيجية جديدة قادرة على النهوض بالشعب الفلسطيني مجدداً، وتوحيد قواه وفعالياته وطاقاته وإبداعاته وقدراته وإرادته.

وعلى رأس المهمات، بل المهمة المركزية التي يجب الإمساك بها، هي الدعوة إلى إجراء وتنظيم انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الوطن وخارجه، والسعي الجدي "وليس كرفع عتب" لإجرائها في كل مكان يتواجد فيه الفلسطينيون. إن إعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير على أساس ميثاق وطني جديد يستلهم كل ما هو إيجابي من الميثاق الذي تم إلغاؤه استجابة للشروط الأميركية والإسرائيلية.

إن بناء المنظمة يجب أن يسبق أي مهمة أخرى؛ لأنها محل إجماع، ولأنها قادرة على أساس ميثاق واستراتيجية جديدين على استنهاض عناصر القوة الفلسطينية جميعها مرة واحدة، وبعد إحياء المنظمة يجب على المنظمة الموحدة القوية مراجعة التجربة الماضية، واستخلاص الدروس والعبر، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي لخدمة البرنامج الوطني، وأن تكون أداة من أدوات المنظمة، وشق طريق آخر بديل عن طريق اتفاق أوسلو الذي ينتمي إلى مرحلة انتهت.

إذا لم تسرع القيادة والأحزاب والفصائل والشخصيات الوطنية بالحوار الوطني الشامل الذي يقدر على شق طريق النصر، عليهم أن يستريحوا ويفسحوا المجال أمام قيادات وأشكال عمل جديدة.

إن رياح التغيير تنذر كل من لا يُقدِم على التغيير بأنه سيتم تغييره، وليتذكر الجميع تجربة ثورتي تونس ومصر، والآتي أعظم!!

-عن الأيام المحلية

انشر عبر